النشاط الخيري بين فقد المتبرع واستعادة المركزية
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1684 زيارة ) .
 
في دولة الإسلام العريقة، التي أسست وأصّلت للقواعد والمناهج العملية، وحولت المجتمع الإنساني من غشامته وبدائيته إلى مجتمع إنساني خيري، يسير وفق أطر وأنظمة وآليات تضمن له الاستمرار في الحياة بالشكل الذي يريد ويرغب، وينال في الحياة الآخرة ما يرجو وما يطلب، فقد اكتشف الإسلام في الإنسان طاقات وإمكانيات خيرية فطرية، وظفها بما يخدم رسالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية الخيرية، والتي امتدت لأضعف الفئات الإنسانية على الإطلاق، لتجعل منهم بناة الدولة الإسلامية والحضارة الإسلامية، بل بناة الحضارة الإنسانية بشكلها المثالي المتقدم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّمَا تُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)) (1). فنبه بذلك عمومَ المسلمين إلى ضرورة الالتفات والانتباه إلى أكثر الفئات الإنسانية تهميشاً وفقراً، وانتشالها من فقرها وتهميشها، أو على الأقل مساعدتها لأن تتخلص من الكثير مما تعانيه. وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - من الوعي ما جعل الكثير منهم ينفق في سبيل الله حتى ما هو في أشد الحاجة إليه، ولقد كرمهم ربهم وخلد مواقفهم هذه بآيات تتلي إلى يوم الدين، فقال تعالى: (( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيما وأسيرا))) (2). وقال تعالى: (( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )) (3).
 
بيت المال كمؤسسة مركزية
ولما اتسعت الدولة الإسلامية، واتسع الفضل، وزادت رقعة المسلمين من أولي الخيرية والمعروف؛ أنشيء بيت المال ليكون هو المؤسسة المنوط بها أمر جمع الزكاة والصدقات، وأمر الاهتمام بالفقراء، وتوزيع تلك الصدقات على أكثر الناس حاجة، بعضهم فوق بعض درجات، حسب حدة العوز والحاجة.
 واستأثرت الدولة الإسلامية - كتنظيم إنساني - بهذه المؤسسة لنفسها، وجعلتها من إحدى أهم مؤسساتها الاجتماعية والخيرية والتمويلية، معتمدة اعتمادها الكلي على عموم المسلمين من المزكين والمتبرعين والمتصدقين. واستمر العمل على هذا المنوال حتى اليوم، ولم يتوقف بيت المال، وإن تغير اسمه بتحول دولة الإسلام الكبرى إلى أقاليم وقطاعات ودول، والتي يبدو أنه مكتوب عليها عدم التوحد والاندماج من جديد.
     
ومع تزايد الخلق وتوافر المال؛ ارتأت الدول الإسلامية، كما ارتأت الكثير من دول العالم، التقنين لإنشاء مؤسسات بديلة أو موازية لبيت المال، تعمل بشكل لا مركزي لتصل لكل متبرع ولكل محروم بشكل أيسر؛ فتحقق بذلك نفعاً مضاعفاً، ولتكون هي همزة الوصل بين المتبرع والمستفيد، وأطلقت عليها في تلك التقانين مسميات مختلفة، منها: الجمعيات والمؤسسات الخيرية، والجمعيات الأهلية، وجمعيات رعاية المرضى والأيتام، وغيرها، بتنوع  الحاجات والفئات.
 
وازدادات هذه الجمعيات والمؤسسات، وازدادت أنشطتها، وأصبحت تشكل  - في بعض المجتمعات - حلقة الوصل الكبرى بين ذلك الفقير المهمش، (ليس) فقط بين مجتمعه ودولته، ولكن بين آدميته وإنسانيته التي أهدرتها الكثير من التداعيات والضرورات المفقودة، والتي ربما عجزت، و ربما هي التي تعجز، الدول عن تلبيتها وتنفيذها بالشكل الذي يحقق الإشباع والرضا لذلك المستحق الفقير. وظلت الكثير من الدول - رغم هذا النشاط الكبير، والحيوية التي لا تنتهي، والدور العظيم الممتد عبر هذه المؤسسات الإنسانية الناشئة - تملك لنفسها حق الرقابة على أنشطتها وأعمالها، ومدها بالخبراء؛ لتعزيز تلك المنظومة التي بدت مع الأيام أنها من أهم أسباب استقرار المجتمعات، بل من أهم أسباب دعم الحكومات وبقاء الأنظمة، وتملك لنفسها - أيضاً - تلك الدول حق حلها، أو مصادرة أموالها، أو توقيف أنشطتها ( أي الجمعيات والمؤسسات الخيرية )، حسب الحالة القانونية التي تدفع إلى ذلك، أو حسب الحالة المزاجية إذا كانت المؤسسة تعمل وسط أنظمة متربصة. ولعل أزمة حصار أنشطة الكثير من المؤسسات الخيرية الإسلامية العالمية في مطلع الألفية، عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول، خير شاهد على ذلك، وكذلك أزمة توقيف أنشطة أكثر من 1055 من الجمعيات الخيرية الإسلامية في مصر نهاية العام 2013، والتي بدأت تدريجياً بتوقيف أنشطة تحفيظ القرآن الكريم بفروع الجمعية الشرعية في القطر المصري كاملاً، رغم التقارير التي تؤكد حاجة الفقراء في مصر لهذه الأنشطة المتنوعة، ورغم التقارير التي تؤكد أن الجمعيات الخيرية المصرية هي من الأكثر نشاطاً على الصعيد العالمي - بحسب إحصاءات وتقارير دولية.
 
هل هو حصار للمتبرع أم حصار للمستفيد ..؟؟
ولكن الملاحظ - رغم الحصار وفرض الوصاية، وتوقيف الأنشطة في المثالين السابقين: المثال العالمي والمثال الإقليمي - أن المتبرع يبقى هو صاحب الفاعلية، وهو الذي يتعين عليه اتخاذ قرار العمل من جديد، وتوجيه الدعم نحو مستحقيه، لا سيما وأن الدول التي اتجهت نحو اللا مركزية الكاملة في تسيير منظومة جمع المال الخيري، وتوزيعه، وأطلقت العنان للجمعيات الخيرية لأن تمارس أنشطتها في مختلف الأماكن، لن تعود نحو المركزية المطلقة في وقت قريب، لتعود تمتلك زمام الأمور الخيرية والهيمنة على بيوت الأموال، وجلب المزكين والمتبرعين والمتصدقين نحوها من جديد، ما دامت تسمح لجمعيات ومؤسسات أخرى للعمل، بل وتصرح  بإنشاء المزيد، وهي في هذا الأمر ( أمر توقيف الأنشطة ) ربما لم تتشاور مع المتصدق والمتبرع،  وهو المتحكم في المنظومة الخيرية التطوعية اللاجبرية، والذي قد يكون وجه تبرعاته من خلال تلك المؤسسة المتوقفة نحو عالمه الضيق، ليعمل على إصلاحه وتحسين شأن أهله، مع الإنجاز في العمل والبعد عن  البيروقراطية التي هي آفة من آفات الدول والأنظمة والعصر، وربما يكون ما بين ذلك القرار والبدء الفعلي فيه، ثم إيجاد البديل، انفجار لأزمة الإنسانية أو لأخرى مما كان يساهم في محوها أو الحد من قوتها بأمواله أو بجهوده، وهو ما يجعله يسخط كما يسخط المستفيد، ويحاول أن يجد الآلية بطريقة أو بأخرى؛ ليصل لعالمه الذي وجد فيه ذاته كفرد فاعل يساعد الآخرين.
     وتبقى - في النهاية - الحقيقة الواضحة أن الأمر مقصود به حصار المستفيدين من الفقراء والبسطاء لأسباب أو لأخرى، ولعل الأزمات والمجاعات المهلكة، التي تعرض لها المسلمون خصوصاً في ربوع المعمورة، عبر الحصار الكبير الذي تعرضت إليه الجمعيات الخيرية الإسلامية العابرة للقارات، لعلها خير شاهد.  
 
 والله من وراء القصد ،،
 
 
البحر الزخار المعروف بمسند البزار، رقم الحديث: 1057.
الحشر: 9.
الإنسان: 8.