مشاهد من واقع العمل الخيري.. سورية.. الأمل والألم والعطاء
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1579 زيارة ) .

 
سورية حينما تجتمع الآلام جميعاً في كلمة واحدة، مأساة لم يشهد تاريخنا الحديث مثلها، عشنا سنوات نسابق الزمن في مشارق الأرض ومغاربها لنقدم الخير ونغيث الملهوف، لكننا لم نرَ في حياتنا، ولم نشاهد، ولم نعش تجربة إنسانية كهذه، رغم أننا نعمل في 42 دولة الأشد احتياجاً في العالم.
 
10 ملايين مشرد (لجوءاً ونزوحاً) فقدوا كل شيء وباتوا لا يمتلكون سوى تلك الأنفس المعدودة التي ربما اختفت وراء حاجز الخوف والألم من أن تسمع تلك الأنفاس فيقتلون، بعد الحياة الكريمة وسكنى البيت الجميل أصبح مد اليد ضرورة، وانتظار المساعدة هو المصدر الوحيد لأن تبقى على الحياة.
 
في عيون الأمهات تجد الدمعات التي تجمدت من قسوة الشتاء فتقف عاجزاً حتى عن النظر، فتبحث في ابتسامة الطفل عن بريق أمل لكن تعود خائب الأمل؛ لأن عيون أطفالهم لا تتسع لكي تعبر لك عن شعورهم بالقسوة والحزن من واقع لا يعرفون لماذا يعيشونه ببراءتهم وضعفهم؟
 
هنا تجد نفسك في حديث الكلمات مع أب تخاطبه ربما يمنحك بريقاً مما تبحث عنه، لكن أيضاً وللأسف سيكون الأمر أشد قسوة، فهذا الرجل يحمل في كلماته كل ما سبق من ألم، وأضف عليه تلك النظرة من الحزن العميق على طفله الذي كان دوماً حلماً وأمنية، وها هو يتحول إلى مرآة إن نظر إليها شعر بالانكسار والضعف، ولمَ لا؟ فهذا ابنه الذي كانت طموحاته معه كالجبال، والآن أصبح كل طموحة حبة قمح أو قطعة قماش أو عموداً يصنع به خيمة تقيه قسوة البرد. حينها تترك لعينيك العنان، فليس هناك من يحمل في قلبه ذرة من إنسانية يستطيع أن يتحمل كل هذه المأساة، وأن يوقف دمعة عينه من أن تصرخ وتنهمر من البكاء، هناك تدرك حجم المعاناة التي يعيشونها والتي قتلت عندهم كل معاني وعلامات ودلالات الفرح والسرور حتى وإن كان مؤقتاً.
 
على الجانب الآخر تسأل: كيف يعيشون؟ وعلى ماذا يعيشون؟ هنا تكون الإجابة قليلة لكنها عميقة جداً لمن كان له قلب.
 
صمود جريح نعم، في صمود الجريح تجد الجواب، فهناك شباب فقدوا كل شيء؛ أطرافهم، أعينهم، حتى تشوهت أجسادهم، لكنهم لم يفقدوا الأمل، وهي الرسالة التي يطلقونها إلى كل من حولهم؛ فيبعثون بصمودهم نسمات الحياة في نفوسهم، ويجعلهم رغم الضيق في وسع، ورغم الآلام في أمل، ورغم الضعف في قوة.
 
زغرودة أمٍّ زغرودة أمٍّ.. نعم وفي هذه قصص وحكايات، حينما يأتيك خبر وفاة قريب، بالتأكيد تحزن، لكن الأمر مختلف هناك؛ فهو حزن لكنه بفرح، وكيف لا؟ فقد نال منزلة الشهادة، والغريب أن تجد الفرحة من أمٍّ فقدت ابنها وسبقها إلى الجنان - تحسبه كذلك والله حسيبها وحسيبه - فتخرج من فمها زغرودة في بشارة مخلوطة بالدموع؛ فتبعث الأمل في نفوس الآخرين، وتشعرهم بأن الأمر ما هو إلا صبر وجلد.
 
يد حانية بعمل الخير.. وكم في ذلك من عبر ومعانٍ، فبين هذا الركام نجد أنفسنا بجوارهم نمد اليد لهم لنعينهم فتكون كالماء البارد لمن تاه في قفار الصحراء، تجد ذلك في كلماتهم التي يقولونها وتعبيرات وجههم التي ترتسم على أطفالهم ولمَ لا؟! فهل هناك أجمل من أن يشعر عضو بالجسد بقرب وود باقي أعضاء الجسد؟
 
إن ما أكتبه هنا من كلمات هي أقل من أن تصف شعورنا في «الرحمة العالمية» وكل مؤسسات الخير في أن نقدم العطاء لهم، فتجد أن ما تقدمه لا يساوي شيئاً مما تتعلمه منهم وتحصل عليه من معانٍ.