أداء الزكاة .. إدراك الفلاح تحقيق النجاة
31 ديسمبر 1969 - 22 شوال 1389 هـ( 1912 زيارة ) .
 
عندما تبحر فى آيات القرآن الكريم ستجد نفسك أمام حقائق تتكشف لك لأول مرة حتى وإن كنت قد قرأت القرآن من قبل وراجعته المرات تلو المرات ، ففي قراءة القرآن الفلاح والنجاة والنجاح ، ولأداء العبادات لذة لا يدركها إلا المخلصين ، وتوفيقاً يقدره الله في الدنيا والآخرة ،  وفي ظلال(( قد أفلح من تزكى )) (1) تأتي هذه الكلمات لعلها تدرك تفسيراً للوعد الرباني بتحقق الفلاح الذي يصب ويصيب من يطهر نفسه وماله بتأدية فريضة الزكاة ، قال قتادة عن هذه الآية الكريمة وهو ما ورد في تفسير إبن كثير من زكي ماله أرضي خالقه ، وهذه الآية الكريمة مكونة من أربعة كلمات تبدأ بالحرف  قد : وهو حرف توكيد يفيد الحدوث والتحقق والإنتهاء من أمر قد حدث بالفعل وقضى أمره ، وأصبح معلوماً وموثقاً ولا يجوز إنكاره لأنه تم ويمكن تقديره مادياً ومعنوياً ، حتي وإن كان تم سراً فإنه قد حدث بالفعل .
 
 أفلح : أما عن كلمة أفلح فهي فعل ماضي تفيد حدوث الفلاح وتحققه وتمكنه وهو نتيجة إيجابية لعمل يجلب الفلاح ، والفلاح في قاموس المعاني يعني أن المرء الذي يدركه يظفر بما يريد بل وينجو مما يخاف ويكره ، وفي معني آخر في القاموس نفسه  أن من يدرك الفلاح فقد فاز بنعيم الآخرة فما أعظمه من فوز وما أكبره ، والإتيان بالفعل الماضي في قوله : أفلح للتنبيه على الأمر المحقق وقوعه من الآخرة ، واقترانه بحرف قد لتحقيقه وتثبيته (2).
 
من: وهو حرف يشير للعاقل وهو حرف يصنف من يجب عليه أن يقتطع الزكاة ويحدد الموصفات والأهلية التي تعينه علي إتخاذ القرار فالعاقل هو الشخص المكلف بتقدم الزكاة وهو الذي لديه القدرة علي أن يقتطعها وإن كان يؤديها عن غير عاقل  أو غير مدرك لحقيقة التكليف أو لفاقد للتميز والأهلية كالصبي والمجنون وغيرهما فهو ينوب عنهم جميعاً في ذلك بموجب مسوغ شرعي وقانوني لتعذر قيامهم بهذا الأمر في جميع الزكوات الواجبة سواء أكانت زكاة المال أو زكاة الفطر (3) .
 
تزكي :  فعل ماضي يعني الإنتهاء من طلب التطهر من دنس المعاصي والآثام  بتأدية الزكاة المفروضة ، وفي معجم اللغة العربية المعاصرة يعني من تطهر من دنس الشرك والكفر ، ويعني طلب الزيادة والنماء والتثمير للنفس وللروح والمال ، والمتزكي الذي يعطي ماله يتزكي في تفسير البغوي هو الشخص الذي يطلب أن يكون عند الله زاكياً لا رياء في طلبه ولا سمعة ، وهو كذلك من يطهر ماله ونفسه بتأدية حقوقه من زكوات وصدقات وغيرها.
 
حقائق عن الزكاة
الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة الذي لا يتم الدين ولا يكتمل إلا بعد أن تتحق هذه أركانه كاملة ، بل إن الزكاة هي الركن الثالث من الأركان التي بني عليها الإسلام بعد الشهادة والصلاة ، فقال تعالي (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم )) (4)
 
والزكاة شقيقة الصلاة في القرآن فجاءت مقترنة بها سبع وعشرين مرة من أصل ثلاثين مرة ذكرت فيها الزكاة في آيات القرآن الكريم ، منها ثمان  مرات في السور المكية ، والبقية في السور المدنية ،  وهذا وإن دل فإنه يدل علي أهمية الزكاة وقيمتها كفريضة يتقرب بها المتزكي إلى الله وهي قيمة ترفع من شأن المجتمع الذي يؤديها ويقوم عليها ، فتجعله من المجتمعات المتآلفة المتماسكة ، فهي عنوان للتكافل الإنساني إذا وضعت في موضعها الشرعي الذي حددته الآيات الكريمات في القرآن الكريم ، فقال تعالي ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم )) (5)  وهي إغلاق لحاجات الفقراء والمساكين والمحتاجين ، ومداواة للإحباط الإجتماعي الذي يولد الجرائم المالية والسرقات .
 
والزكاة وإن كانت في ظاهرها نقص من كمية المال لكن آثارها زيادة المال بركة وزيادة المال كمية وزيادة الإيمان في قلب صاحبها وزيادة في خلقه الكريم فهي بذل العطاء وبذل محبوب إلي النفس من أجل محبوب أعلي منه وهو إرضاء الله والفوز بجنته .(6)
 
والممتنع عن أداء الزكاة آثم يجعل قيمة المال أعظم وأكبر من قيمة نفسه فيجعل من نفسه بأكلها وإستحلالها عبداً للمال الذي يكنزه  ويدخره دون حقوق الله فيه وفي ذلك قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (( ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)) (7)
 
 وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا ))(8)
 
وقد أجمع علماء الإسلام سلفاً وخلفاً على انه لا يتم إسلام المرء إلا بأداء الزكاة, فمن أنكر وجوبها فهو كافر، ومن امتنع عن أدائها مع اعتقاده وجوبها تؤخذ منه قهراً وعنوة كما فعل الخليفة الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع الذين امتنعوا عن أداء الزكاة بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم . (9)
 
وتتنوع الزكوات في الإسلام تنوعاً كبيراً من شأنه أن يستوعب كافة أشكال الحاجات والمحن التي يتعرض لها الإنسان غير القادر في دولة الإسلام سواء أكان غير القادر هذا من المسلمين أم من غير المسلمين ، ومن هذه الزكوات الزكاة المفروضة علي الأبدان والأشخاص وهي زكاة الفطر والتي يخرجها الصائمون من أول شهر رمضان وحتي قبل بزوغ شمس أول يوم من شوال وزكاة الزروع الحبوب والثمار وزكاة الذهب والفضة ، وبهيمة الأنعام والركاز والمعادن والأوراق النقدية وكلها مفروضة من الحول إلي الحول ، وفيما عدا زكاة الفطر والزروع فإن هذه الزكوات مفروضة عند بلوغ النصاب المقرر لكل صنف من الأصناف التي ذكرت في السطور السابقة .
 
إدراك الفلاح أمر حتمي  لدافع الزكاة
 
الزكاة فريضة من فرائض الله علي عباده المسلمين وهي تقتطع من أجل أكثر الفئات حاجة وفقراً ، وهي تهدف إلي أن يعلو الإنسان بنفسه وروحه علي المال ليكون سيداً له لا عبداً  ، وهي تضمن إستقرار المجتمعات وتنزه مخرجها عن الصغائر وتعلي من قيمته بينه وبين ذاته وتحفظ له ماله وتحقق له فلاحي الدنيا والآخر فتزيد في حسنات مؤديها وتقي المال من الآفات وتعمل علي زيادته وتنميه وتزيده وتسد حاجة الفقراء والمساكين وتمنع الجرائم المالية كالسرقات والنهب والسطو (10) وللزكاة آثار إيجابية في الدنيا وفي الآخرة نبينها في الأسطر القادمة وهي :
 
فلاح المتزكي حقيقة دنيوية واضحة
ليس كل الفلاح الذي قد يدركه المزكي أشياء مادية واضحة بل إن إدراك الأشياء المعنوية كالسعادة والرضا والتقرب إلي الله والود والمحبة للناس والإحسان إليهم  وكلها من أنواع الفلاح والنجاح الكبير والتي لا يمكن قياسها ولمسها وسط عالم لا يؤمن ولا يقتنع إلا بالماديات، وإن كانت تتبدي علي ملامح الشخص الذي يدركها وعلي الأنشطة التي يقوم بها ليعيش حياة هانئة طيبة ولو كان غيره يعيش في كدر فقال تعالي (( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون )) (11) فهي حياة طيبة وأجر بالقياسات الإنسانية أكبر وأحسن ، ولكن الله سبحانه وتعالي يحقق أنواع الفلاح بشكل إعجازي يفوق قدرات البشر الحسابية فيقول تعالي (( إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم )) (12) والمضاعفة إلى أضعاف كثيرة بالحسابات التجارية كسب كبير لا يدركه كل من تاجر وتداول الأموال وعرف قيمتها ولأن التجارة مع الله أرقي أنواع التجارة وأكثرها نفعاً وكسباً وهذه أمر يلمسه هذا النوع المتخصص من التجار والحديث في هذا الجانب يفتح المجال أمام كلام يطول ويطول .
 
 كما أن البر في معجم قاموس معاني القرآن هو الإحسان وكمال الخير والصلاح ، والبر قرين التزكية والتطهر والإنفاق وهو وإن كانت صوره واضحة بين المزكين والمحسنين إلا أن تقديره تقديراً كاملاً أمر لا يعلمه إلا الله فقال تعالي (( لن تنالو البر حتي تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم )) (13).
 
وإخراج الزكاة كسب دنيوي وبركة وجنة عرضها السموات والأرض لمن يزكي نفسه وأمواله بالزكاة وبالصدقات وطهرة للأموال وتنمية له لقوله صلي الله عليه وسلم (( من أدي زكاة ماله فقد أذهب عنه شره )) (14)
 
وإخراجها أيضا لذة كبيرة وفيوض إيمانية إذا أخرجها المرء بطيب نفس وحسن طاعة وحسبة لله  تعينه نفسه فلا تتردد ولا تتراجع لا تقترأو تبخس في العطاء مداومة عليها من العام إلي العام ، فعن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال (( ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان من عبد الله وحده وعلم أنه لا إله إلا الله وأعطي زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام ))(15)
 
الفلاح نتيجة يدركها المرء في الآخرة
 بلوغ الجنة يجب أن تكون هو الغاية الكبري للإنسان المسلم التي يتوسل إليها بكل الأسباب ، ويخترق من أجلها كل الدروب التي تعينه علي أن يبلغها  ، وإخراج الزكاة إيماناً  بها من أسباب بلوغ الجنة بل والإرتقاء فيها  لقول النبي صلي الله عليه وسلم (( خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة من حافظ على الصلوات الخمس على ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها قال وكان يقول إن الله يقول لا يفعل ذلك إلا مؤمن  )) (16)
 
والمحافظة علي العبادات المفروضة بما فيها زكاة النفس والأموال  أمر يضمن للمسلم إذا قبض الإرتقاء في الجنة وبلوغ درجات الصديقين والشهداء فيروى أن رجل جاء إلي رسول الله فقال إني شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، وصليت الصلوات الخمس ، وصمت رمضان وقمته وآتيت الزكاة ، فقال صلي الله عليه وسلم (( من مات علي هذا كان من الصديقين والشهداء )) (17)  فنسأل الله أن يبلغنا وإياكم هذه الدرجات وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.
 
والله من وراء القصد  ،،
 
 
 
 
سورة الأعلي أية رقم 14
 
من كتاب التفسير التحرير والتنوير محمد الطاهر ابن عاشور تفسير سورة الأعلي دار سحنون
 
أنظر مجلة الوعي الإسلامي مقالة النيابة في زكاة مال الصبي والمجنون ومن في حكمهما  للدكتور صلاح النهام العدد 552بتصرف
 
التوبة آية 103
 
التوبة أية رقم 60
 
مختصر الفقه الإسلامي محمدبن ابراهيم التويجري ص 594
 
السنن الكبري للبيهقي حديث رقم 6676
 
رواه البيهقي وغيره
 
من مقال الزكاة تطهير للنفس وتزكية لها من الشح وفتح لأبواب الرزق مجلة 14 أكتوبر العدد رقم   14575
 
مختصر الفقه الإسلامي محمدبن  ابراهيم التويجري ص 594
 
سورة النحل آية 97
 
سورة الحديد آية18
 
آل عمران 92
 
المعجم الأوسط للطبراني / باب الألف / من اسمه أحمد
 
من كتاب سنن أبي داؤود / كتاب الزكاة / في زكاة السائمة
 
معجم بن الأعرابي رقم الحديث 134
 
كشف الأستار /كتاب الإيمان / باب قواعد الدين