العمل الخيري وحماية المستهلك
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1426 زيارة ) .
 
حماية المستهلك، سواء كان فقيراً أو غنياً، من غلاء وارتفاع الأسعار أصبحت واجباً من الواجبات القومية الوطنية والأخلاقية التي يجب أن يعمل القطاع الخيري على مواجهتها، لا سيما وإن كان المستهلك من القادرين الذين قد تودي الزيادة والمغالاة في الأسعار بقدراتهم، وتستنفد مواردهم المادية  بالزيادات التصاعدية التي تحدث يوماً تلو اليوم، وهي التي قد تؤثر سلباً على منظومة العمل الخيري؛ فيتراجع الدعم والتبرعات الموجهة للجمعيات والمؤسسات الخيرية في مقابل ما يدفعه هؤلاء ـ وبشكل طبيعي لا غرابة فيه ـ من أجل شراء السلع والخدمات التي يستهلكونها، وتتزايد ضرورات تأدية هذا الدور، وتشتد أهميته للقطاع الكبير من غير القادرين، باعتبارهم يشكلون السواد الأعظم من المواطنين في كل المجتمعات، والذين يرهقهم الغلاء، ويزيد من فقرهم واحتياجاتهم نقص السلع والخدمات.
 
أسباب متعددة لأزمة زيادة الأسعار
من الطبيعي أن تتحكم في أزمة الاستهلاك تلك الكثير من الأمور والعلاقات التي تصل إلى حدود الدوائر المتشابكة غير المنفصلة، فالتصاعد والزيادة في الأسعار يعزوه الخبراء لتفاقم الأزمات الاقتصادية العالمية من حولنا، وزيادة الركود الاقتصادي، وتقليل الإنتاج من خلال إفلاس الكثير من البنوك والمؤسسات الصناعية والإنتاجية الكبرى، وكذلك شبح الإفلاس الذي يحوم حول العديد من الدول، والأزمات السياسية، وتدهور العلاقات الدولية بين العديد من أطراف المعادلة الإنسانية، وكذلك تسريح الكثير من العمالة في الشركات عابرة القارات، التي تحط رحالها في أوطاننا بكل ما تتركه من آثار سلبية، فتسبب الزيادة في أعداد المتعطلين، فهي ـ أيضاً ـ من الأسباب التي تؤدي لتفاقم هذه المشكلات التي يشكو منها قطاع المستهلكين، إضافة إلى أسباب كثيرة أخرى، منها ارتفاع أسعار العملات العالمية الأخرى التي تستخدم كوحدة شراء معترف بها حول العالم، كالدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، في مقابل العملات الوطنية، وهو الأمر الذي يؤثر على المواطنين في الداخل نتيجة توقف الأجور عند حدود لا تستطيع الحكومات زيادتها عن معدلاتها، وقلة الإنتاج، والاعتماد المباشر على الإستيراد من الخارج في محاولة لإشباع الأسواق وتقليل الاحتياجات، وكلها من الأسباب التي تؤثر على المستهلك، وتضعف قدراته أمام المنتجات الرئيسية التي يحتاج إليها.
 
القطاع الخيري قطاع لإيجاد الحل
في القطاع الخيري تكون فرص إيجاد الحلول والبحث عن البدائل المقنعة والمرضية أكبر؛ باعتباره القطاع المتخصص في عدم الوقوف أمام الأزمات أو المشكلات، والذي لا يعنيه أبداً إن كان الفرد المحتاج هذا مستهلكاً أو غير مستهلك، قادرا أو فقيرا معدما، ففي الإسلام حماية الفرد واجبة في كل الأوقات، وتقديم العون والمساعدة عمل بديهي يجوز أن يكون ابتداء بدون أي أسباب، حتى وإن لم يسأل الفرد الشخص الذي له الرغبة في تقديمه أو المجتمع الذي يستوعبه، ووجوب تقديمه مع السؤال مسألة لا خلاف عليها، ولا آراء حتى وإن كان السائل يمتلك ما يعينه ويغنيه عن ذلك السؤال؛ وذلك إيماناً وعملاً بقول النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( أعطوا السائل وإن جاءكم على ظهر فرس ))(1).
  
ولكن بعيداً عن ذلك، فإن ضرورات إغلاق الطرق والدروب والأسباب التي تجلب الفقر وتعمل احترازياً على مواجهته من خلال أدوار فعلية دقيقة ومنظمة تتغلغل داخل الأزمة وتدحرها، فهي التي تجعل العمل الخيري يسير في اتجاه لا رجوع فيه كلما كان مهموماً من خلال القائمين عليه والداعمين الذين يرغبون في تحقيق نتائج تحقق النجاح والنمو الدائم، ولذلك فإن ثمة علاقة بين الجمعيات والمؤسسات الخيرية وجمعيات ومؤسسات حماية المستهلك تجعل الهم واحداً، وكلاهما يخدم الآخر بأدواته ووسائله، وكأنها دوائر لا متناهية تخدم هدفا واحدا ولغاية واحدة غاية في النبل والسمو.
 
الجمعيات الخيرية والجمعيات الرقابية أدوار منعكسة
العلاقة بين القطاع الخيري وقطاع حماية المستهلك، من خلال الجمعيات والأجهزة المعنونة بكلا القطاعين، علاقة تكاملية وأدوار متشابهة، تنعكس تأثيرات الخلل في إحداهما على الأخرى؛ فعندما ترتفع الأسعار فإنها بآلية تضعف القدرات، وتصل بغير القادرين لدرجات الفقر في الحال أو مع الوقت، وترهق المتبرعين والداعمين، وبالتالي يطالب العمل الخيري بدور أكبر وتدخلات أكثر فاعلية، ومن ثم فإن مكافحة غلاء الأسعار، والتي تقوم عليها جمعيات حماية المستهلك والأجهزة الرسمية والجهات الأهلية والخيرية المهتمة به في كل دولة، يخفف عبء المسؤولية، والالتزامات الخيرية التي تقع على كاهل القطاع الخيري، باعتباره قطاعا معالجا للأزمات، داعم للمجتمع وأفراده، مكافح للفقر والحاجات التي تؤدي للفقر كوظيفة رئيسية من أهم وظائفه، كما أن التدخل المبكر من جانب القطاع الخيري، من خلال دعم السلع الرئيسية، وتوجيه جزء من أموال العمل الخيري في إتجاهات مختلفة من أجل مكافحة البطالة والركود، وكذلك في قطاعات الإنتاج الوطنية، عمل يخدم الأسعار، ويعين أفراد المجتمع على التمكن منها والحصول عليها دون مشكلات أو عوائق.
 
كما أن العمل الخيري عمل ضد البطالة وضد الركود، فتساهم تلك الأموال التي تبث في طريق مكافحة الفقر بكافة صوره وتداعياته في فتح آفاق العمل أمام المتعطلين، ودعم صور الإنتاج المتعددة، وكلها من دعائم زيادة الإنتاج؛ وبالتالي زيادة السلع، وظهور المنافسة بين المنتجين؛ وبالتالي زيادة جودة المنتجات وانخفاض الأسعار.
 
جمعيات حماية المستهلك جمعيات خيرية
التكافل الإنساني عمل عظيم يحض عليه الإسلام، وباب مفتوح لكل من يريد أن يدخل، وطريق لا متناهٍ يحتاج لعدد من الخطوات، وحماية المستهلك ـ سواء أكان غنياً أم فقيراً ضد غلاء الأسعار وضد الاستغلال وضد الغش وغيرها من الصور التي قد يتعرض لها ـ هي عمل إنساني وخيري مهم، فلهذه الجمعيات التي تعتمد في مهماتها وأدوارها على العمل الأهلي والتطوعي، كما في غيرها من الجمعيات الخيرية، تأثيرات إيجابية تصب في الصالح العام للمجتمع وأفراده، وتحد من عمليات استنزاف الموارد التي قد تنعكس إيجاباً على منظومة العمل الخيري الموجه، كما أنها تعتمد في مواردها على التبرعات، والتي قد يكون فيها الاختلافات على مدى دخولها تحت مسميات العمل الخيري. ولكن في أحوال كثيرة فإن هذه الجمعيات تقوم بأعمال اجتماعية وإنسانية يمكن تصنيفها على أنها في صميم العمل الخيري، وإن كانت في كثير من الأحوال تحتاج لأن تقوم بهذا الدور الخيري المباشر الذي تدعم به السلع والمنتجات للفقراء وغيرهم من المعوزين إلى أن تبدأ السير في هذا الدرب المهم، لتكون المعين والداعم لغير القادرين، ومن هذه الأعمال التي تصب في صميم العمل الخيري: مكافحة التدخين، ومكافحة صناعة واستيراد الخمور، وتشديد الرقابة على دخول كافة المنتجات التي حرمها الدين الإسلامي.
 
والله من وراء القصد ،،
 
 
 
 
موطأ مالك، رواية يحيى الليثي،  كتاب الصدقة // باب الترغيب في الصدقة // حديث رقم 1810، الجزء الرابع.