مخاطر التسول على العمل الخيري المنظم
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 2837 زيارة ) .
 
العمل الخيري المؤسسي المنظم، من خلال جمعياته ومؤسساته، يعتمد اعتماده الكبير في تأدية برامجه الخيرية والاجتماعية والإنسانية على التفاعل والتواصل، ولعب دوره الكامل الأصيل كهمزة الوصل بين المتبرعين والمحتاجين. وفي سبيل ذلك فإن أغلب الجمعيات والجهات الخيرية تقوم باتخاذ إجراءات من شأنها أن تساعد الفقراء والمحتاجين من خلال المقتدرين والمتبرعين، فهي بذلك تصل للقادر المتبرع،  وتعلن له عن برنامجها وخطتها، ودورها الذي تقوم به خدمة للفقراء والمحتاجين؛ لتحصل على الدعم الذي يعينها على القيام بهذه المهمة التي تبدو شاقة في ظل وجود تنافس به من الحدة ما قد يعوق هذه الجهات التي تعمل بشكل مؤسسي منتظم عن تقديم هذا الدور بالشكل الأفضل.
 
ومن الطبيعي أن تكون الدولة الإسلامية، متمثلة في الأنظمة والحكومات وأولياء الأمور، هي التي تقوم على أمر جباية واقتطاع الزكاة والصدقات، ولقد ورد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يرسل السعاة لجمع الزكاة، ففي الحديث المتفق عليه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أرسل معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن كان من ضمن وصاياه المتعلقة بمعاملته لمن يقوم عليهم ما قاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم )). وهكذا فعل الخلفاء والتابعون وأولياء الأمور من بعده، تصديقاً لقوله تعالى: (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها )) (1). 
 
ولكن في عصور متقدمة من عمر الدولة الإسلامية قد برزت ظاهرة اجتماعية إنسانية دميمة، تتمثل في قيام الأفراد بالتسول وجباية الصدقات والزكاة بأنفسهم لصالح أنفسهم، ولم يعرف البداية الحقيقية لهذه الظاهرة، وإن كان من المرجح أنها قد تكون ظهرت في أوقات الاستعمار الغربي للعالم قبل عدة قرون، وتوغلت في الوقت المعاصر لتكون بذلك منافساً في الجباية للجهات الشرعية الموكول إليها هذا الأمر، وأعوانها المتمثلة في الجمعيات والمؤسسات الخيرية، كما أنها تمثل الخطر الأكبر على العمل الخيري المؤسسي المنظم في جوانب كثيرة، نذكر منها ما يلي:
 
- التسول يعني الغلو في استقطاب وإرهاق المتبرعين:
المنافسة في استقطاب المتبرع بها من الإيجابية التي تنعكس في شكل نتائج مهمة تتحقق للأفراد وللمجتمع إذا كانت تسير في نفس الإطار المؤسسي المنظم الأكثر قدرة على العمل الاحترافى الذي يواجه مشاكل الفقراء، ويعمل على إنهائها في الحال أو مع الوقت، حسب الخطة والمعطيات والآليات التي تعتمد عليها الجهة الخيرية، ولكن عندما تسير الأمور في الاتجاه الآخر الذي تلطخه العشوائية ويعتريه الغلو الذي يقوم به فئات غير مسؤولة من الأفراد الذين يحترفون التسول كمهنة تدر عليهم عوائد مادية لا تتوقف، معتمدة على الطبيعة الخيرية للمجتمعات المسلمة المتضامنة على الدوام لإزالة كل صور ومظاهرالتداعيات السلبية التي تتبدى على الأفراد الذين يعبرون عن فقرهم وحاجاتهم في الأماكن العامة والطرقات، دون تراجع أو خجل أو تورع، وذلك حسب الفهم الشعبي للدين، الذي يدعو إلى التعاطف مع المتسولين باعتبارهم في حاجة ماسة إلى المساعدة ( 2)، فالتسول في مفهومه الموجز يعني طلب الصدقة من الأفراد في الطرق والأماكن العامة (3).  وهو عندما يكون حرفة يجد العاملون فيه من الحيل ما يجعل لديهم القدرة على استنفاذ مدخرات الداعمين والمتبرعين، وبالتالي فإن الأمر يعتبر من الأمور السلبية التي تؤدي إلى إفقار وإفلاس المؤسسات الخيرية، لا سيما إذا كان المتبرعون من الرقة ما يجعلهم ينساقون ويقعون في شراك المتسولين وأطماعهم وابتزازاتهم, ومن ثم عدم الانتباه أو الاهتمام بالعمل المؤسسي المنظم، الذي يعمل على مكافحة مظاهر وظواهر الفقر والحاجة بطرق تؤدي إلى الإشباع الذي يجب أن يكون هو الغاية من العمل الخيري والتكافلي في الإسلام.
 
- التسول عمل ميداني  قوي:
التسول عمل ميداني احترافي قوي، يتاجر فيه المتسولون بآلامهم وآهاتهم عياناً بياناً في الأماكن والطرقات العامة، فالمتسول يحمل على عاتقه مهمة خوض التجربة دون خجل ودون تورع، وهو بالتالي يختلف عن العمل الخيري المؤسسي، الذي يتعفف القائمون عليه عن خوض مثل هذه التجربة التي تبدو غير عقلانية، فالعمل الخيري المؤسسي ـ وإن كان يعرض لنماذج وصور من الحالات التي يقوم عليها ـ فإنه لا يهتم على الإطلاق بالاختراق الميداني الكبير، الذي يعلم الكافة بكنه ما يقوم عليه، ولذلك فإن الكفة تميل ميدانياً في صالح المتسولين إذا كانت المجتمعات أقل وعياً للانتباه للمشكلة والبحث عن العلاج الأكثر نجاعة لإزالة معاناة ومسألة فردية قد يطول أمدها بطول متاجرة المتسول بمشكلته، وهذا الأمر لا يتم إلا إذا كان المتبرع يتجنب الانتباه والنظر للمتسول، وفي نفس الوقت العمل على توجيهه للجمعية أو المؤسسة الخيرية التي تستطيع أن تقدم له يد العون والمساندة، فهي الأجدر بأن تتلقى الدعم، وهي الأجدر في إزالة معاناة المتسول وغيره بشكل شافٍ.
 
- التسول لا يؤدي إلى الإشباع: 
من المعقول أن نعتقد أن الفرد الذي يسعى لهذا العمل المذموم هو فرد لا يرغب في حل مشاكله، وإلا لكان قد سعى لطرق كل الأبواب المشروعة التي قد يجد فيها الحل المناسب لمشكلته قبل خوض غمار هذه التجربة التي تفقده الكثير من الميزات الاجتماعية التي يتمتع بها أقرانه، ولا يمكننا الاعتقاد مع ذلك بأن الظروف وضغوط الحياة والمشكلات هي التي زجت به في هذا الطريق، فما تزال الأمة في أغلب أماكنها بخير، تعين الفقير، وتساعد المعدوم، إلا إذا حلت الفواجع المهلكات لتكون المشكلة ليست مشكلة فرد أو أكثر، بل مشكلة جماعة كاملة تحتاج لتكاتف على مستوى متقدم لكي يتم مواجهتها، وهو أمر لا يعين على التسول، وإن كان يعين على العمل على إيجاد الحلول الحقيقية والتعاون مع الداعمين، ولكن المتسول هو فرد لا يسعى للإشباع أو الاقتناع؛ فهو ـ من وجهة نظر بعض الباحثين والمهتمين ـ صاحب مهنة ليست اعتيادية؛ لكونها تجاوزت الحاجة إلى المال وإلى الإشباع، ومن الطبيعي في هذا الأمر أن نجد مجموعات ممن يحترفون هذا التسول ممن لا يعيرون العمل الخيري المؤسسي بالاً، يقودون فرقا من المتسولين من الفئات الأقل مسؤولية، كالأطفال، ليكون هؤلاء المتسولون غير المسؤولين اليد التي تحارب وتبطش بالعمل الخيري المؤسسي المنظم، وتقود الحملات التي تحاربه وتعوقه. 
 
- عدم مشروعية التسول مع وجود مؤسسات خيرية:
لا اختلاف في أن التسول عمل غير مشروع، يجب أن تحاربه الدول والحكومات، وأن يبغضه الناس، حتى لو تعاطفوا مع أبطاله، وهو يخالف ـ كذلك ـ تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، الذي أقر أنه عمل بغيض، ويكلف المعتاد عليه ملاقاة الله وهو ليس في وجهه مزعة من لحم، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم )) (4). وهو ـ كذلك ـ عمل مرفوض في أغلب التشريعات المعاصرة، التي وإن كانت قد قدمت المزيد من الدعم والتعاون من أجل عمل أهلي وأدوار فردية تعين على التقدم والارتقاء بالإنسان ومكافحة مشكلاته في إطار أهلي به الكثير من اللين والمرونة وسهولة الإجراءات، ولكنها من المفترض أن تسعى لأن تحكم قبضتها على العمل المؤسسي، وتعمل على تحسينه.
والمتسولون ـ باعتبارهم من الفئات التي تحارب العمل الخيري المؤسسي المنظم ـ فإن الكثير من الدول والحكومات الإسلامية والعربية والخليجية عملت وتعمل، ويجب أن تعمل، على سن تشريعات وقوانين لتواجه بها هذه الفئات غير المسؤولة؛ باعتبارهم مجرمين ومذنبين، ولعل من أقدم القوانين التي سنت في هذا الإطار هو قانون مكافحة التسول رقم 49 لسنة 1933 في مصر.
والتهاون في سن وتطبيق القوانين بمثابة فرصة لظواهر اجتماعية سلبية، أهمها هو تزايد أعداد المتسولين، وتهديد العمل الخيري المنظم من خلال الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تتزايد أعدادها ومهماتها في دول العالم من حولنا، وتقل الرغبة في دعمها في أوطاننا في مقابل ذلك، رغم انتشار النزعة والفزعة الخيرية في أغلب بلاد المسلمين.
 
ولذلك؛ فإننا يجب أن نشدد على أن التبرع والدفع والأداة للجهات والمؤسسات الخيرية المسؤولة هو عون للقضاء على هذه الظاهرة، ودفع للمال في مكانه الصحيح، حتى إن تم خصم مصاريف إدارية مثل المرتبات وغيرها، فإنها من الأشياء المعمول بها في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم ـ والخلفاء من بعده وحتى الآن في مؤسسات الوقف والزكاة، فهي مشروعة ومباحة في الإسلام بصريح النص القرآني؛ لقوله تعالى: (( والعاملين عليها ))(5). فلا يصح أن يكون العاملون عليها أفراداً لا ينتمون لجهة رسمية تقوم على هذا العمل الذي هو أحد أركان الدين الإسلامي، ولا تعرف هويتهم أو إلي أين يتوجهون بها. والزكاة والصدقات من المسلم به أنها إحدى دعائم الدولة الإسلامية، فلا يصح لدولة الإسلام أن تشاهد وترى من يساعدون على تضييع مصادرها، وسلب وإهدار مواردها تحت أي مسمى، ما دامت تمتلك المؤسسات أو تصرح لها من أجل تقديم دعم ورعاية أكثر جودة للفقراء والمساكين.
 
والله من وراء القصد ،،  
 
 
 
 
 
1. التوبة: 103.
2. ظاهرة التسول للدكتور/ فاروق محمد العادلي.
3. معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، أحمد زكي بدوي، ص37.
4. من حديث ابن شاهين، باب: ما يزال الرجل يسأل الناس. 
5. التوبة: 60.