المهمات الخارجية للمؤسسات والجمعيات الخيرية
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1526 زيارة ) .
 
عندما تنعكس رؤية الإسلام الشمولية الإصلاحية التامة في كافة ميادين الحياة الإنسانية، فإنها ستنعكس على الإنسانية بشكل إيجابي يحقق له السعادة والاستقرار الدائمين، وسيستطيع الإنسان أن يقوم برسالته ودوره الإنساني الموكل إليه، والمعنون به، بدون الكثير من العوائق أو المشكلات، وبالشكل الأفضل على الإطلاق.. وفي إطار هذه الرؤية الواسعة، فإن الإسلام قد أوجد الكثير من الأسباب والآليات التي تعين على الإصلاح وتحسين الأمور، وتصحيح المسار عند الانزلاق لأسبابها المتعددة في مكان يسبب الأزمات والمشكلات، ويُعمل الفقر والعوز والحاجة. ولقد وطد الإسلام العلاقات بين الناس لدرجة لم تدركها البشرية إلا في العباءة الإسلامية، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره )). والأخوة من العلاقات الإنسانية التي تجعل الإنسان يسعى لدعم ومساندة إخوانه في كل ربوع الأرض. وبمقاييس هذا العصر، فلقد ساهمت العديد من الدول الإسلامية في دعم القضايا الإنسانية التي تهم المسلمين وغيرهم حول العالم، في محاولات لا تنقطع ولا تتوقف، لتقديم الدعم والنصرة والعون والتكافل الذي يخفف المعاناة، ويقدم الغوث  لعموم المسلمين، ويحول الناس من بؤس الحاجة إلى الاكتفاء الذي يسمح لهم بالانطلاق نحو العمل والإنتاج.
 
مرونة تشريعية وإجرائية تعزز المساهمة
وبرزت في القيام بهذا الدور العديد من الشخوص، ومن الجمعيات والمؤسسات الخيرية الخليجية، فعبرت عن الإسلام وعن المسلمين كأفضل ما يكون، وساهمت
الكثير من الحكومات الخليجية، بما لديها من رؤية إنسانية مستمدة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، إسهامات خيرية مباشرة، من خلال تقديم الدعم والعون والغوث والمساندة، وتقديم كافة صور التكافل الإنساني للمسلمين وغيرهم حول العالم، وساهمت كذلك في تقديم هذا الدور بطريق غير مباشر، من خلال وضع تشريعات تسمح بإنشاء جمعيات ومؤسسات خيرية لها رؤية إسلامية إنسانية بعيدة المدى، تهتم بالانسان المسلم وغيره، حسب الرؤية والضرورة، في الداخل وفي الخارج، دون تفرقة على السواء، وتسمح كذلك بإنشاء جمعيات تقوم بدورها الإنساني في الخارج، وترك مهمة الرعاية الاجتماعية داخلياً على جمعيات أخرى لتقوم بهذا العمل المهم؛ ليتحقق بذلك التكامل والرعاية الشاملة للإنسان.
 
وتتبدى هذه السياسات الإسلامية الإنسانية في أشكال من المرونة المحققة فعلاً في التنسيق والتعاون بين الجمعيات والمؤسسات والحكومات، والذي ييسر سبل التعاون بما يجعل الأفراد والمؤسسات يتحمسون للقيام بتقديم الدعم اللازم لإخوانهم ولغيرهم حول العالم، والتنسيق والتعاون يكون من خلال المرونة الإجرائية التي تسمح بنقل وتمرير المساعدات من الداخل إلى الخارج، أو السماح بشرائها من الخارج إلى المكان الموجهة إليه، وكذلك من خلال المرونة التي تيسر سبل بعث المتطوعين وقيامهم بأدورهم دون عوائق ومشكلات، إضافة إلى الكثير من المتطلبات والمستحدثات التي تساعد على القيام بهذا الدور الإنساني.
 
جمعيات ومؤسسات تقوم بهذا الدور
حقيقة لا يمكننا استثناء أي من الجمعيات أو المؤسسات الخيرية في أغلب دول وبلدن الخليج العربي الإسلامي عن تقديم الدعم والإغاثة لفقراء المسلمين وغيرهم في الخارج؛ لأن الدعم دائماً موصول لا يتوقف، وعموم الجمعيات، وإن كانت لا تقوم بهذا الدور بشكل مباشر، فإنها تقوم به بطريق غير مباشر، عن طريق الشخصيات والجمعيات التي لها القدرة على القيام بهذا الدور دون الكثير من العوائق الشكلية والإجرائية.. ولكن بعيداً عن هذا الحديث، فقد برزت وبرعت الكثير من الجمعيات والمؤسسات والشخصيات الخليجية في تقديم الدعم والعون والغوث والمساعدة للمسلمين وغيرهم في خارج منطقة الخليج، وتعددت الجمعيات والمؤسسات التي تقوم بهذه المهمات إلى أعداد كبيرة، ومن هذه الجمعيات والمؤسسات ـ على سبيل المثال ـ ما يلي:
 
· جمعية العون المباشر:
 وهي جمعية خيرية كويتية، اهتمت وعملت على مدار وقت طويل على تقديم الدعم والغوث والمساندة للمجتمعات الأكثر فقراً في القارة الإفريقية تحديداً، لتقدم من أجلهم خدمات إنسانية خيرية متقدمة، وقد كان يطلق عليها من قبل (لجنة مسلمي أفريقيا)، وبدأت كمؤسسة تطوعية غير حكومية، تقوم بدورها بمنهجية واحترافية علمية، وكانت تهدف ـ ولا تزال ـ إلى كف المعاناة التي يعانيها سكان القارة الأفريقية، ومن شعاراتها الدائمة أن التعليم حق مشروع لكل طفل في أفريقيا؛ فالجهل ـ ومن خلال هذه الرؤية ـ هو أكبر أعداء الإنسان عموماً. واهتمت هذه الجمعية بإحياء سنن النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إنشاء المشاريع الوقفية الصغيرة. ومن أبرز رجالات هذه الجمعية: الدكتور/ عبدالرحمن السميط، وهو أحد أهم رواد العمل الخيري والإغاثة في أفريقيا، وقد أسلم على يديه ملايين من الأفارقة، وحفر ـ من خلال جمعية العون المباشر ـ آلاف الآبار، وساهم ـ من خلال هذه الجمعية ـ في إنشاء الجامعات والمدارس والمشافي، وفتح أبواب العمل، وما يزال دور هذه الجمعية ممتداً، وسيظل بعون الله القادر.
 
·  مؤسسة قطر الخيرية:
أما عن مؤسسة "قطر الخيرية"، فهي هيئة خيرية غير حكومية، من أكبر الهيئات الخيرية في منطقة الخليج، والتي عملت ـ ولا زالت تعمل ـ بشكل إنساني داخل الدولة القطرية، إضافة إلى قيامها بتقديم الجهود والخدمات على المستوى الدولي، فانطلقت في ربوع الأرض لتقدم جهودها الخيرية في ميادين شتى، فراحت تحارب الفقر والجهل، وتكافح الأمراض والأوبئة المنتشرة بالمجتمعات الأكثر فقراً، وتقدم الكساء والغذاء أيضاً، وتعمل في الميدان الإغاثي، وفي حالات الطواريء، لا يهتم العاملون فيها إلا بالإنسان، الإنسان المجرد، دون النظر إلى الجنس أو اللون أو الدين أو الجنسية والعرق.. ومؤسسة "قطر الخيرية" تتمتع بقيم جعلت لها مكاناً في قلوب من تقوم بدعمهم ورعايتهم، إضافة إلى المؤسسات والأنظمة التي تعمل تحت مراقبتهم، فقد اكتسبت احترامهم وتقديرهم، فهي تقوم بدورها بمهنية واحترافية، وتعمل بحياد، وتذلل كل سبل التعاون؛ ليتكامل العمل بجهود مضاعفة، كلما كان الأمر ميسوراً، لتتحقق النتائج المرجوة، ونتائج جهودها وأعمالها دائماً إيجابية، وهذا هو المطلوب، والذي تسعى إليه على الدوام.
 
انعكاسات ونتائج هذه المهمة الإنسانية
ينعكس الدور الخيري الخارجي، الذي تقوم به الجمعيات و المؤسسات الخيرية في المنطقة العربية والخليجية، وكافة جمعيات ومؤسسات الدول الإسلامية، على الإسلام وعلى المسلمين في الداخل وفي الخارج، لا سيما إذا كان العمل باحترافية وحيادية، لا يرجى من ورائه سوى وجه الله تعالى، وسط عالم لا يؤمن إلا بالمصالح، ولا يقدم الخدمات ـ لا سيما الإنسانية منها ـ إلا إذا كان يرغب في تحقيق كسب مواز لذلك الخير، ولعل الجماعات والجمعيات التنصيرية، التي تنطلق في البؤر الموبوءة بالتداعيات المختلفة حول العالم وفي الدول الفقيرة، خير دليل؛ فهم في كل الأحوال يعتبرون أن الطعام، باعتباره من أبسط وأقل أساسيات الحياة لمن لا يقدر على دفع الثمن، يساوي تغيير العقيدة واتباع هوى لجهات لا تعمل إلا لمصالحها المجردة، التي ربما تخرج الإنسان الحر من حريته، وتذيقه ذل العبودية والرق إلى الإنسان الذي يملك.
 
ولذلك، فإن الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية، وبطبيعتها الإسلامية، والتي تعمل بحياد ونزاهة، تواجه الكثير من العوائق التي قد تكبلها وتوقف أنشطتها، وذلك ليس لأنها تعمل بلا حيادية، ولكنها ـ وهي في مواقع الأحداث وفي بؤر المعاناة ـ لا تساوم ولا تخالف، وتعمل لوجه الله، لتجعل الكثير من بني البشر، الذين لا يعلمون عن الإسلام كثيراً أو قليلاً، ينتبهون إليه، من خلال أهله الذين يعملون بأخلاقه ويعاملونهم بطبيعة الإسلام السمحة، ومن ثم يعلنون نيتهم عن اعتناق الإسلام، ويحسن إسلامهم، وتتوطد علاقاتهم ببارئهم؛ ليتزايد المسلمون، وينتشر الإسلام حول العالم بناء على ذلك، ففعل الخير الذي تقوم به الجمعيات الخيرية، التي تقوم بمثل هذه الأدوار، هو رسالة مبسطة عن إنسانية الإسلام، وتعمل على نشره بأبسط الأدوات، وسط عالم معاصر يحارب الإسلام في مواطن مختلفة، ويحارب مؤسساته وجمعياته الخيرية بحجج كثيرة.
 
والله من وراء القصد ،،