قياس الأداء في المؤسسات الخيرية
26 مايو 2011 - 23 جمادى الثاني 1432 هـ( 1483 زيارة ) .

تزداد في الزمن الحالي أهمية القطاع الخيري؛ لما يقدمه من أدوار تكاملية مهمة مع المنظمات الحكومية في تحقيق أهداف الخطط التنموية.

وقام كثير من المختصين والباحثين بتسليط الضوء على تعريفاته وخصائصه وأنواعه، ومن أبرز التعريفات الشاملة للعمل الخيري ما بيّنه المركز الدولي للأبحاث والدراسات (مداد)، الذي يهتم بالدراسات الاستراتيجية للقطاع الخيري، حيث قسّم منظمات العمل الخيري إلى قسمين رئيسين، هما:

القسم الأول: القطاع الاجتماعي والإغاثي: وهو مؤسسات الأيتام والمعوقين والمسنين والأسرة والطفولة والشباب والزواج ومكافحة التدخين والإدمان والكوارث ورعاية أسر السجناء والجمعيات النسائية ومراكز الأحياء ومؤسسات الإغاثة والإسكان وتنمية المجتمع والجمعيات الصحية المتخصصة وجمعيات خدمات الحجاج والمعتمرين.

القسم الثاني: القطاع الدعوي والتعليمي: وهو مؤسسات الدعوة والوعظ والإرشاد وتوعية الجاليات والمراكز والمنظمات الإسلامية والدفاع عن الإسلام وجمعيات تحفيظ القرآن ومحو الأمية وتعليم الكبار.

ونتيجة لبعض المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعرضت وتتعرض لها المؤسسات الخيرية ظهرت الحاجة الماسة إلى تطوير أدائها لتواكب متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية وتتعايش معها تخطيطا وتنفيذا، وهذا لا يمكن تحقيقه من دون تبني عملية قياس الأداء.

إن الحاجة إلى قياس الأداء في مؤسسات القطاع الخيري تظهر أهميته من أوجه عدة، منها كونها محدودة الموارد فتحتاج إلى مزيد من المتابعة والتقييم، ومن كونها تختلف عن بقية القطاعات في خصائصها وأهدافها وخدماتها فتحتاج إلى مزيد من الاهتمام بقياس الأداء لضمان نجاحها واستدامته، وكذلك من جهة الاستفادة من الفوائد والعوائد التي تتحقق للمنظمات من عملية قياس الأداء، التي تتمثل فيما يلي:

1. لعملية قياس الأداء دور استراتيجي في تحقيق ومتابعة الخطط الاستراتيجية للمنظمات، فكثير منها لديه القدرة على تبني وإعداد الخطط الاستراتيجية، لكنها تفتقر إلى تحويلها إلى أعمال وبرامج ومتابعة التنفيذ والتقييم.


2. يمكن الاستفادة من عملية قياس الأداء في التَأثير في سلوك العاملين بالتعرف على مستويات عطائهم ووضع مؤشرات الأداء لهم، ومن ثم مكافأة المتميزين وتطوير وتحسين البقية، وبالتالي زرع الولاء.


3. عملية قياس الأداء تؤدي إلى نشر ثقافة عملية التحسينِ المستمر في المنظمة، الذي هو لب نظم الجودة، وذلك من خلال التعرف على مستوى التقدم في تحقيق الأهداف وتقييمها وبالتالي تحسينها.


4. إن تطبيق عملية قياس الأداء بصورة صحيحة تؤدي إلى زرع الثقة والرضا للداعمين والمتبرعين تجاه المؤسسات الخيرية بشأن أموالهم ومساهماتهم، وبالتالي استمرارية الدعم والمساندة من قبلهم.


وعلى الرغم من أن عملية قياس الأداء معروفة ومطبقة في كثير من منظمات القطاع الخاص إلا أن القطاع الخيري لا يزال يفتقد في الغالب ذلك؛ ولذا فإن تطبيق عملية قياس الأداء في القطاع الخيري تستلزم الاهتمام بعوامل النجاح التالية:

1. التزام قيادات مؤسسات القطاع الخيري بمبدأ قياس الأداء، والاقتناع التام بأهميته والحاجة الماسة إلى تطبيقه ودعم الجهود في هذا الشأن.


2. توافر كفاءات إدارية لديها القدرة على استيعاب النظام وتطبيقه وقيادة العاملين في ذلك وتطويره وتحسينه.


3. نشر ثقافة معرفة قياس الأداء بصورة سليمة بين جميع مستويات وشرائح العاملين في المؤسسة الخيرية.


4. الصبر والاستمرارية في تبني وتطبيق أنظمة قياس الأداءِ وعدم الإحباط والتوقف؛ لأنها في الحقيقة تستهلك الكثير من الوقت والجهد والمصادر.


والسؤال هنا.. ماذا نقيس وكيف نقيس؟

هنالك العديد من أدوات قياس الأداء التي استخدمت في القطاعين الحكومي والخاص من أشهرها بطاقة الأداء المتوازن BSC، التي طورها العالمان روبرت كابلان وديفيد نورتن عام 1992، وهي أكثر فاعلية وكفاءة مقارنة بالأدوات الأخرى كنموذج الخدمة الاجتماعية الإنتاجي POW، التي طورها الباحثان كيندل وكناب في عام 2002، ونموذج الإطار المنطقي LFA التي طورت واستخدمت في الستينيات الميلادية. كما أن لها ميزة إضافية بوجود نموذج منها مختص بالقطاع الخيري الذي تم إطلاقه عام 1996.

وتعرَّف بطاقة الأداء المتوازن بأنها أداة تهدف إلى مساعدة المنشأة على ترجمة رؤيتها واستراتيجياتها إلى مجموعة من الأهداف والقياسات الاستراتيجية المترابطة وتنفيذها من خلال أربعة جوانب أساسية، أذكرها اختصارا مع تضمينها بعض المؤشرات المختصة بالقطاع الخيري كما يلي:

- البعد الأول: النواحي المالية: الذي يعنى بوضع المقاييس الداخلية والخارجية لتحديد مدى مساهمة الاستراتيجية وتطبيقاتها في تحقيق التحسينات المالية من الأرباح والخسائر والقوة المالية. ومن المؤشرات التي يمكن متابعتها عند تطبيق المنظور المالي في القطاع الخيري ما يلي: الإيرادات والمصروفات السنوية، ونسبة التبرعات من الإيرادات، ونسبة التبرعات الثابتة أو المتقطعة، وحجم الترشيد في النفقات، ونسبة فعالية التبرعات (مجموع التبرعات إلى مجموع المصروفات)، نسبة التبرعات المحصلة فعليا إلى التبرعات المعلنة، ونسبة الالتزام بالموازنة، وعدد الأوقاف، ونسبة دخل الأوقاف إلى الإيرادات ... إلخ.

- البعد الثاني: المتعاملون والمستفيدون: ويعنى بتحديد المكانة الحالية والمستقبلية للشركة في نظر المستفيدين والموردين. ومن الأمثلة على المؤشرات التي يمكن وضعها: عدد المستفيدين من الخدمة المقدمة، وعدد الشركاء، ونسبة رضاهم.

- البعد الثالث: العلميات الداخلية: ويعنى هذا البعد بالمقاييس الداخلية التي تحدد عمليات وإجراءات المنظمة الداخلية وكفاءتها، كالوقت اللازم لإنجاز العمليات الرئيسة وفاعلية أدائها، ونسبة التحسين في الإجراءات، ونسبة الأخطاء في تقديم الخدمة، وعدد الاقتراحات المقدمة ونسبة التطبيق، وعدد المشاريع الجديدة، ونسبة التعاملات الإلكترونية... إلخ.

- البعد الرابع: التعلم والنمو: يركز هذا البعد على المقاييس الداخلية والخارجية التي تظهر الإمكانات المحتملة بتطور البنية التحتية والقدرات البشرية، وتركز المؤشرات الرئيسة في هذا البعد على الكفاءات والاستثمار في الأنظمة، وأداء الخدمات الجديدة، وتطوير الأداء والمهارات بصورة دائمة في الأفراد، والنظم، والإجراءات. وفيما يلي بعض الأمثلة على المؤشرات المقترحة في هذا البعد: فرص التعليم والتدريب داخل المنشأة وخارجها، وعدد ونسبة الفرص الوظيفية للعاملين والمتطوعين، معدل دوران العمل، ومعدلات الغياب والتظلمات، وعدد الإصدارات الدورية، ونسبة مصروفات البحوث والتطوير إلى المصروفات الكلية، وعدد المشاركات في المؤتمرات واللقاءات العلمية ذات العلاقة بالعمل الخيري.

وعلى الرغم من أن بطاقة الأداء المتوازن أثبتت نجاحا ملموسا في تحسين مخرجات بعض منظمات القطاع الخيري التي قامت بتطبيقها مثل جمعية تحفيظ القرآن الكريم في محافظة جدة - التي آمل أن يتم نشر تجربتها ومدى نجاحها؛ ليستفيد منها الجميع كأفضل الممارسات - بإشراف وتنفيذ الدكتور محمد محمود مصطفى، الذي يعد من أبرز المختصين في عالمَينا العربي والإسلامي في هذا المجال، إلا أنها ليست خالية من النقد والضعف في بعض الجوانب التي يجب التنبه لها عند تبنيها وتطبيقها في المنظمة.

إن عملية قياس الأداء لمؤسسات القطاع الخيري الحالية لا ترتقي إلى الشمولية المطلقة في إدارة المنظمات، ويجب أن تتكامل مع المنهجيات الأشمل والأكمل كنموذج التميُّز المؤسسي الذي يتمثل في معايير جوائز الجودة العالمية أو الوطنية كجائزة الملك عبد العزيز للجودة، وكذلك جائزة السبيعي للجودة والتميُّز في القطاع الخيري التي قام بإعداد معاييرها المختلفة وبناء آلياتها فريق من الخبراء في علم الجودة والتميُز وباحترافية عالية تحت إشراف مركز مداد، وما زلنا في انتظار تدشين هذه الجائزة والإعلان عنها، حيث يأمل المختصون أن تكون ذات تأثير واسع في تطوير وتحسين أداء المنظمات في القطاع الخيري - بإذن الله تعالى.