غزة بعيون إنسانية قبل العدوان وبعده
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1421 زيارة ) .
 
بالحسابات السياسية البغيضة، وما يؤثر فيها من مؤثرات توارثها السياسيون في أوطاننا عبر الزمن، وهم يقومون بكل قواهم وإمكانيات أوطانهم من أجل إعادة الأمور لنصابها الصحيح، بهدف تعديل موازين القوى الإقليمية والدولية التي تصب دائماً في مصلحة المعتدين، فإن العمليات العدوانية علي الأراضي الفلسطينية عموماً، وعلى غزة خصوصاً، أمر قد يخضع للتفاوض العابر أو المكثف ليتوقف العدوان الصهيوني الغاشم -عادة- أو يسمح بدخول المساعدات الإغاثية من علاجات وأطعمة، والتي تعين على التعايش المؤقت تحت القصف وتحت النيران الصهيونية، التي لا تلبث أن تعود بين الفينة والأخرى. ولكن بالحسابات الإنسانية والعقدية، فإن الأمر يبتعد كثيراً عن هذه الحسابات، ويخرج عن بغض التفاوض الذي يتيح المجال أمام عدو شيطاني كل غايته الإفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل، والسعي في ممارسة دوره، الذي سيظل يمارسه على الدوام، وبكل ما أوتي من حيل، ليعمل عمله الدميم على تهويد بلاد سيظل أهلها صامدين يجاهدون من أجل مقدساتها، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس ).
 
وطوائف الحق عندما يكونون على الحق ظاهرين، يدافعون عن أنفسهم وبلادهم وهويتهم ضد عدوان طاغٍ، يرغب في طمس الحقائق، وتهويد بلادهم، وتهجيرهم وتشتيتهم خارجها، هم في كل الأحوال أحوج للدعم والمساندة المتواصلة من أجل نصرة تنتصر بها أمة الإسلام، ويعود لها مجدها. ودور المؤسسات والجمعيات الخيرية في بلدان المنطقة دور محمود على الدوام، فهي أبداً لم تتخلَّ عن تقديم ذلك الدعم المتواصل، وبكافة أشكال الدعم المادي والمعنوي، عبر السنوات، وحملات الإغاثة حملات مستمرة ومتواصلة على الدوام،  وهي وفق إجراءات إغاثية وداعمة بكل ما يتطلبه شعب تحت الحصار وفق الأعراف والقوانين الدولية، وربما تكون هذه الإجراءات بديهية غير معلنة، ولكنها نابعة من مشاعر الأخوة السامية التي تحض عليها الشريعة الإسلامية السمحة، وهذه الإجراءات تسير بشكل منظم يوازي الخطط المعلنة سلفاً، وهي تعمل على تخفيف المعانة الواقع فيها الشعب الفلسطيني الأعزل على الدوام، وتعمل في العديد من الاتجاهات، ومنها ما يلي:
 
الدعم قبل العدوان
العدوان الصهيوني عمل غاشم يطال العزل والمحاصرين، ويسقط العديد من الضحايا، وهو عمل قد تعودت عليه الأمة الإسلامية في الأراضي الفلسطينة كلها على مر العقود المنصرمة. والدعم قبل العدوان وما بين العدوان والآخر عمل قديم ومهم، وربما هو العمل الوحيد الذي قد يعين أبناء  الأمة في الأراضي الفلسطينية على الصمود والتمسك بهويتهم العربية والإسلامية، وهو ـ أيضاً ـ من الأعمال المهمة التي تشبه العمل الإعدادي أو الاحترازي، لقوله ـ سبحانه وتعالى ـ: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )). والقوة في أن يجد المحاصر المتمسك بهويته ما قد يعينه على الحياة وسط محتل غاشم، وعدو يتربص به وسينقض عليه قريباً، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.. وللمؤسسات الخيرية والمنظمات العالمية، على رأسهم الجامعة العربية وصناديق دعم فلسطين، في هذا الجانب باع طويل من تقديم المساعدات الإغاثية، والدعم بكافة صوره. وكذلك، فإن الجمعيات والمؤسسات الخيرية الخليجية تقدم في هذا الجانب أدوارا متميزة ومتواصلة، ولن تنقطع، من خلال إيمان أبناء الخليج بأهمية الدعم المادي والمعنوي والمساندة بكل أشكالها لأبناء الشعب الفلسطيني، الذي يسير بلا هوادة على خطى تحرير المقدسات والمنشآت الإسلامية.
 
الدعم إبّان العدوان والقصف
 الدعم وقت القصف والعدوان عمل شاق ومرهق، خاصة في مواجهة عدو غير نبيل وغير متزن، ويعمل ضد الشرعية الإنسانية والأخلاقية، ويعمل ضد كل المواثيق والعهود والأعراف، ولكنه عمل مهم وجبار، تتجلى فيه قدرة المؤسسات الدولية والإقليمية على اختراق كل هذه المعوقات للقيام بدورها الإنساني لتقديم الدعم بكافة صوره للمنكوبين والجرحى وغيرهم. والدعم إبان القصف يساهم في المحافظة على أرواح المصابين والجرحى؛ إذ يتم تقديم العلاجات المناسبة لهم، أو يتم نقلهم للعلاج بالخارج، ومن صوره ـ أيضاً ـ إقامة المخيمات للمشردين، وإرسال القوافل الطبية، إضافة إلى قوافل الغذاء والأطعمة، وهوعمل تدفع إليه الفطرة الإسلامية والحمية العربية دائماً بمجرد بدء العدوان والقصف، ليس فقط من قبل الجمعيات والمؤسسات الخيرية والإنسانية، بل هو عمل قد يقوده الأفراد العاديون بمقتضى رؤيتهم الأخلاقية والإنسانية للموقف.
 
الدعم بعد العدوان
غالباً فإنه عقب كل عدوان صهيوني فإن المصاب يكون عظيماً، من خلال تزايد أعداد الشهداء، وأغلبهم يكونون عائلين لأسر كبيرة العدد، أو إعاقتهم.. ومن خلال ما تمارسه القوى الصهيونية الغاشمة من ممارسات عدوانية، تقوم من خلالها بهدم البيوت والمنشآت، وتدمير المزارع والأراضي، وتقليع الأشجار، وإفساد الحياة بكل ما تستطيع على الأمة الإسلامية في فلسطين في وقت وجيز، لتؤدي مهمتها الشيطانية على أكمل وجه قبل أن تنتهي المفاوضات التي تدعو للتوقف عن مواصلة الانتهاكات والاعتداءات غير الإنسانية، ولذلك فإن التدخل الخيري يكون على قدر كبير من الأهمية؛ فهو يعتبر من الأدوات التي تستطيع أن تعين وتساعد على إعادة الإعمار للبيوت والمنشأت والمزارع المهدمة والمعتدى عليها، وإعادة توطين الأشخاص المنكوبين في بلادهم؛ مما يساعد في عدم تحقيق الأجندة الصهيونية التي تسعى لفرض هيمنتها على كل ربوع الأراضي الفلسطينية، لتحقيق حلمها الكبير في دولة صهيونية تمتد من النيل إلى الفرات، وهو وَهْم، لن يتحقق بعون الله، ولو تزايدت الاعتداءات، وتواصل التقتيل والتهجير، طالما وجدت بلاد الإسلام وأبناء الإسلام يقومون بالمناصرة وبالغوث والمساعدة، تصديقاً لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( المسلم للمسلم كالبنيان؛ يشد بعضه بعضاً )).
 
والله من وراء القصد،