نخبوية التطوع!!
12 فبراير 2011 - 9 ربيع الأول 1432 هـ( 416 زيارة ) .

يشتكي البعض من الروح القبلية التي تسيطر على بعض أذهان أبناء هذا الوطن العزيز، وهم محقّون، فالقبلية حينما تكون ممارسة خاطئة، وفكرًا ولائيًّا يتعارض مع المصلحة الوطنية العامة، غير مقبولة على الإطلاق، فالوطن بكل مكوناته، وشرائحه المجتمعية كينونة واحدة، ونسيج متّحد، له اعتباراته ومصالحه العليا، والتي تأتي في قمة أولويات كل منتمٍ له.

وبقدر ما تسيء القبلية في صورتها بهكذا شكل على الوطن، وأهله بقدر ما تسيء المناطقية، والأسرية، والعائلية حينما تتحول إلى ولاء ذاتي منغلق يتقدم على المصلحة الوطنية العامة فإن حذّر رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام من «نتانة العنصرية»، فإن أشكالها، وألوانها، وتفرعاتها قبلية، أو مناطقية، أو أسرية، أو عائلية، وجه من تلك النتانة.
* تذكرتُ كل هذا وأنا أقرأ وأستمع للشكاوى التي نقلتها الصحف السعودية عن عدد ممّن سعوا إلى المشاركة في الأعمال التطوعية التي قامت بها الغرفة التجارية الصناعية في جدة، في أرض معارض الحارثي. فسيدة وبالبنط العريض تقول: «اقفل التطوّع على أصحاب الدماء النقية»، وشابات وشبان آخرون اشتكوا من الروح العدائية، واللغة الانفعالية، والخطاب الاستعلائي الذي مارسه معهم بعض منظمي الحملة، والتي وصلت إلى إغلاق الباب نهائيًّا أمام المتطوّعين.

كما أعرف أن حجم كارثة الأربعاء الأخيرة كانت ضخمة، وتتمدد بامتداد مساحة جدة بأكملها، وأن أعداد المتضررين شمل أغلب أحياء جدة، وبأعداد كبيرة، وهذا يعني في فهمي وقد يكون قاصرًا، الحاجة إلى أعداد كبيرة من المتطوّعين والمتطوّعات لتلبية الأيدي الكافية لسد الحاجة إلى فعل الخير.. كما أعرف بيقين أن جدة ليست حصرًا على فئة دون أخرى، فأهلها هم سكانها بكل أطيافهم، وسحنهم، وهم سواعدها التي تبني هنا وهناك؛ ولهذا فكل مَن يعيش فوق تربتها، ويود مد يد العون لهذا أو ذاك من سكانها، فله الحق مثله مثل غيره، بل له الشكر والامتنان أن تبرع من ذاته بوقته وجهده لمساعدة إخوانه وأخواته من متضرري الكارثة الأخيرة.

عندما كنتُ أستمع إلى بعض القنوات الإذاعية وهي تروي قصص الأعمال البطولية التي قام بها الشباب والشابات من سكان جدة كنت أشعر بفخر وأقول لنفسي إن مجتمعنا بخير طالما كانت هذه نماذج شبابه وشاباته، ولكني صُدمت عندما عرفتُ عن كل تلك الشكاوى التي واجهها الذين أرادوا التطوّع لخدمة جدة وسكانها! فمنعتهم عقليات لم تفكر كثيرًا في ردود الفعل السلبية التي تحدثها قراراتهم أو سلوكياتهم، والتي لا تختلف بأي حال من الأحوال عن سلوكيات وتصرفات من نتّهمهم بالقبلية والعنصرية المقيتة، بل إن أسوأ صور العنصرية حينما تتلبس أسمى وأرفع عمل للذات البشرية وهو التطوع، وخدمة الآخرين.