جهود الغرب في تحجيم البذل التطوعي الإسلامي؛ لماذا؟
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 8643 زيارة ) .
 
في تحليل ألبرت آينشتاين لأزمة الرجل المعاصر اللاديني قال "إن محور الأزمة  يتعلق بالصلة بين الفرد والجماعة، إن موقف الفرد من الجماعة يحمله على تضخيم دوافعه الفردية في حين أن دوافعه الاجتماعية - وهي بالطبع أضعف -  تتدهور شيئاً فشيئاً ... إن الناس يحسون وهم سجناء أنانيتهم من حيث لا يعلمون -  أنهم يعيشون في قلق وعزلة محرومين من الاستمتاع بالحياة الاجتماعية ... والواقع أن الإنسان لا يستطيع أن يجد لحياته -  بالرغم من قصرها -  معنى إلا إذا أعطى من نفسه للمجتمع"[1].
 
عندما أسس فكتور فرانكل مدرسة فينا الثالثة للعلاج النفسي، بعد مدرستي فرويد وأدلر، قامت هذه المدرسة على أساس نظرية فرانكل في الدافع الأساسي للسلوك البشري، هذا الدافع عند فرانكل يختلف عن الدافع عند فرويد (الرغبة في اللذة) أو عند أدلر (الرغبة في القوة)، فهو عند فرانكل ( الرغبة في أن يكون للحياة معنى To find a meaning of life) فهو لا يرى (اللذة) الهدف الدافع للسلوك بل نتيجة تحقيقه، كما لا يرى (القوة) الغاية من السلوك بل الوسيلة إليه، ويرى أن المجتمع يتحول إلى الحالة المرضية حينما تكون للذة والقوة الغلبة، فيصل المجتمع إلى حالة (الفراغ الوجودي  Existential Vacuum)، ويرى أن للإنسان أبعادا ثلاثة: الجسم والعقل والوجدان (مبعث النزوع الخلقي Spirit) وأن البعد الأخير هو الذي يجعل الإنسان قادراً على امتلاك معنى الحياة ، ومن ثم يمكنه من تجاوز الرغبات الغريزية إلى مرحلة (التسامي النفسي Self-transcendence) وأن وجود الشخص معنى للحياة يتطلب لا محالة تجاوز الإنحباس في ذاته إلى الانعتاق خارجها، وبقدر ما يبذل من نفسه  ويعطى منها لغيره أو لقضية ما بقدر ما يحقق ذاته.
 
وكما يقول أحد علماء النفس: "أن الفرد يمكن أن يحقق Actualize العوامل الخلاقة في شخصيته فقط من خلال العالم الخارجي، أي من خلال أن يبذل شيئاً ما من نفسه للناس".
 
 إن أهمية نظرية فرانكل تظهر في قوة المنطق الذي تستند إليه، وفي سهولة الإستدلال عليها من واقع الحياة، وفي استعصائها على النقد الموجه لنظريات التحليل النفسي الأخرى.
 
 ما فتئ الخبراء منذ العقود الماضية يبدون عدم اقتناعهم بكفاية "دخل الفرد" معياراً للتقدم الحضاري، ولذلك راحوا يبحثون عن معايير أكثر دقة وصدقاً، فاتجهوا   إلى المعيار "الإنساني" الذي يعني أنه كلما كانت البلد أنصع سجلاً في حماية حقوق الإنسان، وأكثر اهتماماً بالمصلحة العامة "والبذل التطوعي" كلما وجب اعتبارها أكثر تقدماً في السلّم الحضاري، ولذا اعتبروا السويد البلد الاكثر تقدما و رُقِيّا في أوربا.
 
ومصداق هذا المعيار، لو أخذنا الولايات المتحدة الأمريكية أنموذجاً لوجدنا الإحصاءات تشير إلى أن نصيب كل 200 فرد من السكان مؤسسة واحدة غير ربحية[2]،
وأنه وفق التقديرات الأمريكية الرسمية[3] لعام 2010 فإن من بين كل أربعة من السكان في الولايات المتحدة يبذل واحد منهم فترة من عمره في البذل التطوعي، وأن مجموع ساعات العمل التطوعي للمواطنين الأمريكيين تزيد على 8 بليون ساعة عمل، وتظهر بعض الإحصاءات الأخرى[4] أن دخل منظمات النفع العام في أمريكا لعام 2010 بلغ 1.5 تريليون دولار أي ما يعادل 10% من الدخل القومي لأمريكا، وأن المنظمات الدينية تحصل على ما يزيد على 35% من مساهمة المواطنين لمنظمات النفع العام[5]، وجزء كبير من هذه المبالغ تصرف على الدعوة في الخارج (التنصير).
 
****
 
مغزى ما تقدم أن "البذل التطوعي" بوصفه حاجة أساسية للإنسان ليس فقط فكرة فلسفية بل هو حقيقة علمية Scientific تتجلى في السلوك الإنساني في كل زمان ومكان،
هذا يعني أن "البذل التطوعي" ليس فقط من حقوق الإنسان بل من أولويات هذه الحقوق، وذلك يعني أن أي تحديد لحرية الإنسان في ممارسة هذا الحق، وأي حد من إمكانياته في تحقيق ذلك لا يشكل مجرد انتهاك لحرية الإنسان الشخصية، بل انتهاكاً لحق أساسي من حقوقه.
 
 وفيما يتعلق بالإنسان المسلم، فليس الأمر قاصرا على ذلك بل نعرف أنه عندما يريد العالم المسلم أن يعبر في كلمات موجزة عن "الإسلام" يقول مثل ما يقول الإمام ابن تيمية: "الدين كله يدور على الإخلاص للحق ورحمة الخلق"، أو كما يقول الإمام الرازي: "مجامع الطاعات: تعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله"، أو كما يقول الإمام الهروي عن البدايات في علم التصوف: "إقامة أمر الله وتعظيم نهيه، والشفقة على العالم".
 
وفي القرآن الكريم تواجهنا مثل هذه الصورة الرائعة:
[وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ][6].
 
ويقول سيد قطب في ظلال القرآن عند تفسيره الجملة الأخيرة من الآية الكريمة:"فهذا الشح شح النفس هو المعوق عن كل خير، لأن الخير بذل في صورة من الصور: بذل في المال وبذل في العاطفة وبذل في الجهد وبذل في الحياة عند الاقتضاء، وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائماً أن يأخذ ولا يهم مرة أن يعطي، ومن يوق شح نفسه فقد وقى هذا المعوق عن الخير فانطلق إليه معطيا باذلاً كريماً".
 
ما تقدم في الفقرة السابقة، وفي هذه الفقرة، يوضح مدى تجذر "البذل التطوعي" في شخصية الإنسان المسلم.
 
ولعل من أهم آثار "أن يكون البذل التطوعي مكونا مهما من مكونات شخصية المسلم" أن الحضارة الإسلامية قامت على أساس "البذل التطوعي" وقد أكسبها ذلك خصائصها التي انفردت بها عن الحضارات الأخرى ومن أهمها:
 
‌أ. أنها حضارة شعبية بمعنى أنها ليست كغيرها من الحضارات من صنع الأباطرة والملوك أو القوى العسكرية والسياسية، وإنما كانت تقوم كلية -  تقريبا -  على "البذل  التطوعي" من جمهور المسلمين.
 
‌ب. أنها حضارة إنسانية لأن الدافع لمنجزاتها دائما قصد البر والتقوى سواء في مواجهة الإنسان أو الحيوان أو البيئة. 
 
‌ج. إنها نتيجة للأمرين كانت دائما تستعصي على الظروف المتغيرة من أن تكون عاملا لانهيارها، فالتقلبات السياسية، والحروب واكتساح الغزاة للعالم الإسلامي من الصليبيين والتتار، كل هذه العوامل لم يترتب عليها انهيار الحضارة، بل ظلت باقية مستمرة العطاء.
 
 عندما أغار المستعمرون على العالم الإسلامي، كانوا يعرفون أن قوته الحقيقية تكمن في قوته المعنوية (الإسلام)، فتوجهوا إلى إضعافها بوسائل مختلفة، ولما كان معروفاً دور النظام الوقفي ونظام الإرصاد في وجود القوة المعنوية، وكانوا يعرفون أن هذا النظام اكتسب قوته من تشدد الفقهاء، في الحكم بعدم قابلية الأصول الوقفية للتصرف  وبأن شرط الواقف الصحيح مثل حكم الشارع، وضمان ذلك بعدم إعطاء فرصة للإدارة التنفيذية بالتدخل في هذا النظام بحصر الولاية على الأوقاف في جهاز القضاء.
 
فكان الخط الأساسي للاستعمار هو تمكين الإدارة التنفيذية من التدخل في النظام الوقفي بحجة الحاجة للتنظيم ومواجهة الحاجات المستجدة، وخلفت الحكومات العلمانية الاستعمار في هذا الاتجاه، حتى أدت بمثل مصر إلى تأميم الأوقاف بإنشاء مؤسسة عامة يشمل سلطانها كل الأوقاف في مصر (عدا أوقاف الأقباط وعدا الأوقاف التي يوقفها صاحبها بشرط النظارة لنفسه وذلك مدة حياته فقط).
 
ويعطى القانون المؤسسة العامة بعد ذلك السلطة التقديرية فيما يتعلق بالتصرف في الوقف، وفي تعديل شروط الواقف.
 
كما اتخذ الاستعمار في سعيه لإضعاف القوة المعنوية للعالم الإسلامي نشر فوضى فكرية للتشويش على التصورات والقيم الإسلامية وتشجيع الدعوة الدينية المضادة ( التنصير)  فكان من الملاحظ أن  الفرنسيين الذين يعارضون اليسوعيين في فرنسا يشجعون نشاطهم في بلدان العالم الإسلامي الواقعة تحت سلطانهم، وكان من الملاحظ أن سفارات البلدان الغربية المتنافسة والمتضادة المصالح تجتمع على تشجيع وسائل الغزو الفكري بالصورتين المشار إليهما آنفاً.
 
 في عقيدة المسلم، أن أي جهد يبذل للنفع العام مع الإخلاص هو من سبيل الله، وإن الصد عن سبيل الله بأي وجه يستحق ما وصفه الله به في القرآن، وتوعد عليه، ففي سورة الفجر والماعون نعى على من لا يحض على طعام المسكين فكيف بمن يعوق إطعامه، لقد أوضح القرآن أن منع الإنسان من العبادة الخاصة النفع به من أشنع الظلم، فكيف بمنع العبادة التي يتعدى نفعها إلى الغير.
 
وعندما يغفل أهل بلد عن هذا الجانب فلا يُقْدر قدره، فقد يغفلون أيضا عن آثار هذا الوضع المدمرة على أمن المجتمع واستقراره وسلامته، ليس الأمر قاصرا على تعويق مواجهة الحاجات الأساسية للبشر من طعام وغذاء وإيواء وتعليم وتهيئة للعيش الكريم، بل حرمان الناس  ولاسيما شبابهم الذين تملأ قلوبهم ومخيلاتهم الأشواق إلى المثل العليا والإرضاء النفسي بالبذل للغير حرمانهم من المجالات النافعة السليمة، فيدفعهم الإحساس بالفراغ Existential Vacuum، والحرمان من البذل للغير، والحاجة النفسية الملحة لملئه، إلى مجالات قد لا تكون نافعة ولا سليمة.
 
****
 
مغزى ما تقدم، أن البذل التطوعي في سبيل النفع العام في جانب الإنسان المسلم ليس فقط وسيلة للإرضاء النفسي ومن ثم تلبية لحاجة طبيعية للإنسان السوي بل هو عبادة وشوق إلى رضى الله وتلبية لنداء ملح من الضمير والوجدان.
 
هذا يعني أن أي تحديد لفرصة الإنسان  المسلم في ممارسة البذل التطوعي للنفع العام لن يكون فقط مجرد انتهاك للحرية الشخصية والمدنية بل انتهاكا لحق الإنسان في حرية العبادة، وحرية الضمير.
 
****
 
 المقصود من ايراد ما سبق، هو التقييم الصحيح لجهود الغرب الجادة في تحجيم البذل التطوعي في العالم الإسلامي، ومن أبرز مظاهر ذلك جهوده في تحجيم النشاط الخيري لبلدان الخليج في الخارج،ونشاط الغرب الدعائي المحموم في هذا السبيل:
 
‌أ. فور غياب "الشيوعية" عدو الرأسمالية "الأحمر"، رشح الغرب "الإسلام" عدوا بديلا وسماه "العدو الأخضر" (كان أول تصريح معلن بذلك الترشيح قد صدر عن الأمين
العام لحلف الأطلسي) ومنذ ذلك الوقت بدأت التهيئة لحرب باردة بديلة "الرأسمالية الغربية" في مواجهة "الإسلام "، وبرز من وقت مبكر من مظاهر هذه
الحرب قرن الإسلام بـ "الأصولية"  و"العنف"، ففي النصف الأول من العقد الأخير للقرن المنصرم كانت أوروبا كلها تشاهد فيلم "الإرهاب في سبيل الله" وكانت أمريكا تشاهد الفيلم الوثائقي "الجهاد في أمريكا".
 
ومن الحقائق أن التخطيط الغربي الذي كانت إجراءاته تنشط على قدم وساق لتنصير مجتمعات إسلامية معينة، قد واجه معوقاً جديا لانتشارالتنصير من قبل بعض المؤسسات الخيرية الخليجية، فكان من الطبيعي أن تتصدى القوى الامبريالية لإضعاف هذا المعوق أو إزالته.
 
وأعترف تقرير "لجنة التحقيق الأمريكية في حدث  11 سبتمبر" صراحةً بأن المؤسسات الخيرية السعودية وضعت تحت المجهر (أو المجاهر) الإستخبارية الغربية منذ عام 1995.
 
وأنه منذ ذلك الوقت وجدت الضغوط الدبلوماسية على المملكة العربية السعودية، كمثال، لتحجيم مؤسساتها الخيرية العاملة في خارج المملكة، ويعترف التقرير صراحة بأن هذه الضغوط لم تثمر بسبب أنه في كل مرة تطلب المملكة معلومات تبرر الاستجابة لهذه الضغوط يفشل جانب الضغط في تقديم المعلومات المطلوبة، وذلك حتى تاريخ التفجيرات الإرهابية في الرياض في مايو 2003، ويسمي التقرير صراحة هذا الحدث بأنه "تغيير الزاوية"، ويعني تغير اتجاه المملكة العربية السعودية تجاه الضغوط المشار إليها، أي أن السبب هو الحدث المشار إليه، وليس معلومات مكتشفة تبرر الإجراءات اللاحقة، بل يظهر من التقرير أن معلومات كتلك لم تقدم قط [7].
 
واللافت للنظر أن التصريحات الصادرة عن السياسيين الغربيين لا تخفي اغتباطهم - بهذا الحدث المشئوم الذي وقع في مايو 2003- وهواغتباط يبعث على الريبة واالتساؤل هل هذا الحدث المشئوم مجرد ضربة حظ للمستفيد الوحيد منه[8] – أي الغرب - في حربه الايدولوجية ضد الاسلام؟
 
‌ب. بعد الانتصار السهل السريع على الجيش العراقي في عام 2003 وترشيح المملكة العربية السعودية لتكون حلقة في سلسلة التغيير المخطط للشرق الأوسط، بدأت الإدارة الأمريكية نشاطا محموماً لإقناع الرأي العام المحلي والدولي بأن المملكة العربية السعودية بـ "أصوليتها" ومؤسساتها الخيرية خطر على "السلام العالمي" إذ تمثل بيئة صالحة لإنتاج الإرهاب وأعمال العنف .
 
ولم يقتصر الأمر على تسخير الإعلام لهذا الغرض بل اهتمت الإدارة الأمريكية بإشغال لجان الكونجرس بالاستماع لشهود من داخل الإدارة الأمريكية ومن خارجها لإقناع الكونجرس برياح الخطر على "السلام العالمي" التي تهب من المملكة العربية السعودية.
 
ويبرز ملف الشهادات الخاص بالمؤسسات الخيرية السعودية تلك الشهادات التي قدمت أمام اللجنة البنكية للكونجرس في 25سبتمبر 2003 نموذجا لهذا النشاط المحموم  وعند قراءة كامل الملف واستيعاب الشهادات المقدمة يلاحظ القارىء بدهشة أن الشهادات كانت قاصرة على الشحن العاطفي والتعبير الخطابي ولم تقدم معلومات محددة أو أدلة على الاتهامات الموجهة .
 
كان التركيز في الشهادات أمام اللجنة المذكورة على دور المؤسسات الخيرية السعودية في دعم الإرهاب، ولم تقدم أي معلومة محددة عن صلة هذه المؤسسات بالإرهاب عداً قضيتين:
 
 الأولى: أن أحد رجال المقاومة الفلسطينية حضر في مؤتمر عقدته ندوة الشباب الإسلامي العالمي في المنطقة الشرقية بالمملكة.
 
والثانية: أن المملكة العربية السعودية وافقت على تصنيف مكتبي الصومال والبوسنة والهرسك التابعين لمؤسسة الحرمين الخيرية جهتين داعمتين للإرهاب.
 
ولحق بذلك طلب أمريكا في مؤتمر صحفي، شهده العالم بالصوت والصورة، (وشارك فيه مع الأسف أحد أبناء الوطن) من الجهة المختصة في منظمة الأمم المتحدة تصنيف مكاتب خيرية أخرى، داعمة للإرهاب
 
مع أن الأصل أن هيئة الأمم المتحدة اختصاصها الفصل بين الدول في نزاعاتها وليس اختصاصها الفصل بين الدول والأفراد أو الهيئات غير الدولية.
 
فإن الهيئة الدولية عندما تستجيب لاتهام دولة ما فرداً أو هيئة خاصة بارتكاب جريمة، ثم تحكم الهيئة على المتهم بالإدانة وتوقع عليه العقاب، ليس فقط دون أن يكون ذلك نتيجة محاكمة قضائية عادلة، وإنما حتى دون أن يسمع دفاع المتهم أو أن تتم مواجهته بالإتهام أو أدلته، إنها بذلك تسجل خرقاً مشئوما لأبسط مبادئ العدالة كما تفهم في كل زمان ومكان.
 
  يبقى الأمر المزعج لأي شخص مهتم بحقوق الإنسان أن الإدارة الأمريكية وهي تكشف دورها في هذا الموقف المشين، مغتبطة به، لم تبال بالتناقض الصارخ بين هذا الموقف وبين ما يرتفع به ضجيجها عن: الحرية، والعدل، ودولة القانون، وحقوق الإنسان[9] ، كما لم تبال بخزي الهزيمة الأخلاقية التي تجللها وهي تدمر ظلما وعدوانا بناء إنسانيا خيريا عالميا بنته المؤسسات الخيرية الإسلامية، ولقد وصف تقرير لجنة التحقيق في حادث 11 سبتمبر، أحد المؤسسات الخيرية السعودية بأنها ".... في ذروة نشاطها كانت توجد في خمسين بلداً على الأقل تتكفل بثلاثة آلاف معلم يتنقلون إلى مواقع مختلفة لتعليم الناس الخير ونهيهم عن الشر، وتقدم الغذاء والمساعدات للمسلمين المحتاجين في جميع أنحاء العالم، وتقوم بتوزيع الكتب، وتنفق الأموال لمشاريع تأمين المياه الصالحة للشرب، وتعمل على إنشاء وتجهيز العيادات الطبية وتدير أكثر من عشرين مركزاً لرعاية الأيتام[10].
 
حينما أشار التقرير إلى مراكز رعاية الأيتام التي كانت تضم أكثر من ثلاثين ألف يتيم لم يشر إلى أن عدداً كبيراً من هؤلاء الأطفال بعد أن شردوا من مأواهم لم يكن لهم من ملجأ إلا إلى تنظيمات أمراء الحروب لتجنيد الأطفال في حروب أفريقيا.
 
أليس من حقنا عند تقييم الحرب الدعائية الغربية ضد البذل التطوعي الاسلامي أن نصفه بأنه: ليس مجرد انتهاك لحرية شخصية للإنسان بل <