الأزمة السورية ...فرصة سانحة لإعادة الاعتبار للعمل الخيري السعودي الخارجي
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1824 زيارة ) .
  بعد سنوات عشر من ادعاء محاربة الإرهاب، لم يعد خافيا حجم الظلم الذي وقع على العمل الخيري الإسلامي بشكل عام، والعمل الخيري السعودي بشكل خاص، كما يظهر ذلك جليا بكتاب " ضحايا بريئة في الحرب على الإرهاب"، وغيرها من المؤشرات البحثية والعلمية والشواهد التاريخية.
 
في الآونة الأخيرة، ومع تفاقم بعض الأزمات الإنسانية في المناطق العربية الثائرة، ومن خلال ما يقتضيه العمل في مركز بحث وتفكير يعنى بدراسات العمل الخيري من التواصل مع منظمات إنسانية وإغاثية وصحية عالمية، مثل: أطباء بلا حدود، المفوضية الأوروبية، الصليب الأحمر، وغيرها؛ ندرك حجم التضييق الذي أصاب العمل الخيري الإسلامي، حين ترى العاملين بهذه المنظمات يجوبون العالم، ويقومون بالدور الإنساني دون قيود أو تخوفات، إلا تلك التخوفات الطبيعة في أماكن النزاعات الشديدة. وفي المقابل، فإن جنود الخير يفكرون ويحسبون ألف حساب، حتى لو لمجرد تقديم خطوة عملية أو حتى استشارة علمية لهذه المنظمات العالمية!
 
 الأزمة السورية، بما تحمله من أبعاد سياسية، و دلالات إنسانية، وظروف موضوعية، وما لها من خصوصية، تشكل نقطة هامة في التحول الإيجابي في العمل الخيري السعودي الخارجي، وإعادة قوته العابرة للحدود، والتمهيد لرفع بعض هذه القيود والحساسية في ميدان العمل الخيري الإسلامي الخليجي والسعودي. هذه الخصوصية لم تأت منذ سنوات، وربما لا تتكرر في المستقبل؛ فالإرادة  السياسية والإرادة الشعبية منسجمتان إلى حد ما في الموقف، ولا يكاد يخلو مسجد كبير في السعودية من دعوات الأئمة ضد النظام الرسمي السوري وحاكمه، وكذا التصريحات المتتالية والاجتماعات المتلاحقة على المستوى الرسمي لدول الخليج العربي. كل هذه الظروف تجعل من الأزمة السورية – على ما فيها من ألم ومصائب -  مجالا خصبا لكي يعود هذا الدور الأممي المنشود للعمل الخيري الإسلامي السعودي. النشاط الخيري السعودي لإغاثة السوريين في هذه المرحلة والظروف لن يعيد الاعتبار للعمل الخيري السعودي الخارجي فحسب، بل إنه سيحقق للسعودية فوائد جمّة على مختلف المستويات، فعلى المستوى المحلي سيدعم ما يطلق عليه "الأمن القومي" و "التماسك الداخلي"، من خلال زيادة ولاء العرب والسوريين المقيمين في السعودية وباقي دول الخليج، وهو ما ظهر جليا في السعودية تحديدا خلال الشهور الماضية.
 
وعلى المستوى الدولي، فإن من شأن المساعدات الإنسانية، وخاصة في الأزمات والكوارث بشكل عام، أن ترفع من مكانة الدولة، وتزيد من احترام شعوب الدول الأخرى لها، وخاصة مع دول الجوار.  ومن الجدير بالذكر أن بعض الدول المتقدمة توظف أذرعا بحثية ( مراكز فكر ودراسات ) من شأنها تولي هذه المهمة، ومن أبرزها: معهد "هدسون"  ( Hudson Institute)، الناشر للتقرير الدوري العالمي في العمل الخيري. وأما على المستوى الشرعي، فإن نصرة المظلوم، وحقن دماء المسلم، هي من أعظم الأعمال، وكما جاء في الحديث فإن هدم الكعبة حجرا حجرا، أو زوال الدنيا، أهون على الله تعالى من أن يراق دم امرئ مسلم بغير حق.. بل وحين ندقق النظر في موضوع تقديم المساعدات من منظور إسلامي؛ نجد أن الأمر يتعدى مجرد المساعدات الإنسانية إلى كل ما من شأنه حقن هذه الدماء، وهذا ما صرح به أحد الرسميين مؤخرا – في موقف أشد من موقف الجامعة العربية - بأن تسليح المعارضة السورية أصبح ضرورة؛ حتى يتوقف "نزيف الدم والمجازر".
 
وفي سياق الحديث عن ثمار هذا الموقف، يمكن ذكر بعض الشروط والمعطيات لكي تحقق هذه المساعدات الإنسانية أهدافها، وتعظم من أثرها، ومنها: العمل بشكل استراتيجي ومنظم، الإعلان عنها، الاستمرار وعدم الانقطاع، الشمولية والتناسق، وتوفير الطواقم المؤهلة العارفة بكيفية التعامل مع النظام الإنساني الدولي المعقد، ومعرفة كيفية إيصال المساعدات للمستحقين، وحسب الأولويات، ثم تقييم الأثر والعوائد من هذه المساعدات.
 
وفي الجانب العملي لإطلاق مساعدات إنسانية، فقد جرت العادة أن يقوم بعض كبار المسؤولين  بإطلاق حملة باسمه لجمع التبرعات ( لجنة إغاثة،.....)، و من ثم يقوم بالتبرع بنفسه؛ وهذا من شأنه أن يعطي حافزا قويا لما سيتبع ذلك من حجم التبرعات، أو طبيعة المتبرعين والجهات الخيرية ودورهم المنشود، فضلا عن تنظيم هذه العملية بطريقة احترافية.
 
 وإذا كان التعامل مع طرف ثالث، وخاصة إذا كان طرفا غربيا، في تقديم المساعدات يثير العديد من التساؤلات، و منها: ارتفاع تكاليف ومصاريف هؤلاء الخبراء والمستشارين؛ فإنه قد يكون خيارا لا بد منه في ظل الأزمة السورية الراهنة؛ حيث إن حركة هذه الجهات الغربية يعد أكثر قبولا و مرونة وقوة من غيرها، ويمكن أن يقوم الهلال الأحمر السعودي بتنسيق المساعدات، وخاصة في ظل عضويته في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر، وخبرته الكبيرة في هذا المجال. كما يمكن أن يكون الدعم والمساعدات عن طريق طرف عربي مباشرة مقبولا و خيارا مفضلا في حالات معينة، كحال اللاجئين السوريين في الأردن مثلا، وقد بدأت بالفعل العديد من الجهات الخيرية الخليجية تتحرك في هذا الاتجاه.
 
بغض النظر عن التفاصيل العملية والفنية لحملة سعودية لإغاثة السوريين، وتعدد - وربما تشتت - الجهات المعنية بتقديم المساعدات، فإن الظروف والأحداث المتتالية تحتم عدم تأخر تدخل العمل الخيري السعودي الخارجي والخليجي، وهي فرصة سانحة ربما لا تتكرر لكي يعود العمل الخيري السعودي في العلاقات الدولية دون قيود موهمة ومصطنعة وظالمة.