النشاط الإغاثي للمؤسسات الخيرية الإسلامية .. أوجه القصور وسبل العلاج
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 3320 زيارة ) .
 
تحاول المؤسسات الخيرية في دولنا العربية والإسلامية في السنوات الأخيرة أن تركز في  نشاطها الإنساني على المشاريع التنموية، باعتبار أنها على المدى البعيد الأقدر على مكافحة الفقر والعوز، وتمكين المحتاجين من الاعتماد على أنفسهم معيشيا، وعدم الاستغراق في مقتضيات الإغاثة الضاغطة التي ترتبط بالكوارث والحروب، أو متطلبات الرعاية الاجتماعية، لمن ليس بمقدورهم العمل بسبب ظروف العاهة أو كبر السن أو غيرها.
 
ولكن كيف يمكن الموازنة بين الإغاثة والتنمية في عمل المؤسسات الإنسانية العربية والإسلامية، أو على الأقل عدم غمط الإغاثة حقها بناء على معطيات جديدة كشفت عنها منظمة التعاون الإسلامي وغيرها، والتي أشارت إلى أن العالم الإسلامي أصبح بشكل متزايد في "قلب الإعصار" بسبب الكوارث والأزمات التي تضرر منها عشرات الملايين من الأشخاص في الدول الإسلامية خلال العالم الماضي، دون أن تشمل هذه الأرقام متطلبات الإغاثة التي ارتبطت بثورات الربيع العربي، حيث "اتسع الرقع على الراقع" وبخاصة في بلد كسوريا يعاني أكثر من غيره من أوضاعا إنسانية متفاقمة، بسبب سفك الدماء، والتشرد نزوحا ولجوءًا.
 
وللتدليل على حجم الحاجة إلى الإغاثة في عالمنا الإسلامي نورد بعض الإحصائيات، أولاها طازجة، جاءت على لسان السفير عطا المنان بخيت ــ الأمين العام المساعد للشؤون الإنسانية في منظمة التعاون الإسلامي ــ مؤخرًا، خلال مؤتمر ومعرض دبي الدولي للمساعدات الإنسانية والتنمية، وهي من واقع التقرير السنوي للمنظمة، والذي من المقرر أن يصدر في وقت لاحق من هذا الشهر..
 
وخلاصتها أن: 38 دولة من مجمل 57 دولة عضوا في منظمة التعاون الإسلامي و55 مليون شخص قد تضرروا نتيجة "الكوارث وحالات الطوارئ المزمنة" خلال عام 2011.
 
وأضاف أن تلك الكوارث تسببت في إجمالي خسائر مالية قدرها 68 مليار دولار، وهو ما يشير إلى ارتفاع في المتضررين والخسائر مقارنة بعام 2010 حيث تضررت فيه 36 دولة و48 مليون شخص، وبلغت الخسائر المادية 53 مليون دولار، وللعلم فإن هذه الأرقام لا تشمل ولا تغطي الأزمات التي شهدتها المنطقة في إطار ما يعرف بالربيع العربي، بينما أورد الإحصائية الأخرى الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي الدكتور صالح بن سليمان الوهيبي حينما كشف في محاضرة له ألقاها مؤخرًا في الرياض، من أن 75% من اللاجئين في العالم هم من المسلمين، منوها بأن هذا يلقي على المنظمات والجمعيات الخيرية الإسلامية مسؤوليات كبيرة.
 
ورغم هذه الحال المؤلمة فإن واقع الإغاثة والعمل الإغاثي للمؤسسات الخيرية الإسلامية في الأغلب الأعم يعاني من جوانب قصور واضحة وارتجالية غير خافية،
وإشكالات متعددة تحتاج إلى نقاش وحلول، لعل من أهمها:

§ عدم وجود مؤسسات متخصصة في العمل الإغاثي حصرًا إلا ما ندر، وأغلب المؤسسات الخيرية الإسلامية تعمل في الإغاثة والرعاية والتنمية بآن واحد، بينما يكون عمل الإغاثة ملازما للكوارث الطبيعية والحروب والطوارئ، وحسب تعريف الأمم المتحدة فإن تعريف الإغاثة الإنسانية هو: "المساعدات التي تسعى إلى إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة عن السكان المتضررين من أزمة ".

§عدم وجود صناديق للإغاثة والطوارئ، يكون بإمكانها على الفور تقديم الدعم اللازم للإغاثة التي لا تحتمل التأخير، وهو ما يجعل أغلب الجمعيات تخصص مبالغ محدودة في البداية لعمليات الإغاثة ، ثم تضطر لإقامة حملات تسويقية لجمع التبرعات من أجل تقديم مزيد من المعونات والمشاريع الإغاثية.

§ ضعف التدريب على أعمال الإغاثة بصورة محترفة، وقلة الخبرة في العمل وفق القانون الإنساني (مشروع أسفير الإنساني والمعايير الدنيا في مجال الاستجابة الإنسانية).

§ عدم وجود مخزون استراتيجي لهذه المنظمات والذي يحوي مواد غذائية غير غذائية كالبطانيات والفرش والخيام وغيرها لتكون جاهزة وقت الطلب.

§ ضعف التنسيق بين المؤسسات الخيرية على مستوى تقديم الإغاثات في الميدان (مواقع الكوارث والنكبات والحروب)، وحتى على مستوى تنظيم حملات التبرعات.

§ ندرة وجود مظلات لتنسيق عمل الهيئات الإغاثية كما هو الحال في "أوتشا" وهي مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، حيث لا يوجد على مستوى العالم الإسلامي سوى " أمانة الشؤون الإنسانية " بمنظمة التعاون الإسلامي، والتي لها محاولات خجولة لضم المنظمات الأهلية تحت مظلتها، لكن هذه المحاولات قليلة ومحدودة.

§ ضعف الحملات التي تقوم بها هذه المنظمات للتوعية بكارثة وشيكة، والتحذير من مخاطرها الإنسانية، وطلب الدعم المسبق والتهيئة لمواجهتها، على طريقة "الوقاية خير من العلاج"، ودائما فإن تكلفة تدابير مواجهة الكارثة قبل وقوعها، أقل بكثير من الاستجابة للطوارئ والعمليات الخاصة بها، ومن أمثلة هذه الحملات  ما قامت به جمعية قطر الخيرية في دولة قطر للتوعية بمخاطر المجاعة بغرب أفريقيا، والتي قد تستفحل في الأشهر القادمة، في ما لم تتخذ تدابير وقائية لمواجهتها، وتمت الحملة بواسطة شابين قطريين تسلقا جبل كليمنجارو (أعلى قمة في القارة السمراء).

§ ندرة وضعف التفاهم والتفاوض مع الجهات الرسمية من أجل التشديد على مسألة عدم تدخلها في مجريات العمل الإنساني، وفقا لأهوائها السياسية وأجنداتها، وممارسة  الضغوط من أجل السماح لها في العمل في المناطق المنكوبة الواقعة تحت سيطرتها، كما هو حاصل في سوريا اليوم.

§ عدم وجود استراتيجيات عمل وخطط واضحة للموازنة والمواءمة بين العمل الإغاثي والتنموي في الجمعيات التي تنشط في الجانبين.

إن المؤسسات الخيرية العربية والإسلامية يمكن أن يكون لها مزيدا من التأثير في دورها الإغاثي الإنساني فيما لو عملت على تجاوز العقبات السابقة، وإيجاد حلول لها، والقيام بكل ما يتعلق بتطوير أدائها لتصل إلى أعلى درجات الفاعلية، وتحقيق الأثر المطلوب وفق أرقى المعايير المهنية الدولية، وبخاصة أنها أثبتت أن بإمكانها أن تكون سبّاقة في مواجهة بعض الكوارث، كما حصل في زلزال باكستان الأخير، متقدمة على المنظمات الغربية، وبأنها تستطيع أن تصل إلى مناطق تعجز المنظمات الدولية والأممية عن الوصول إليها، كما في الصومال، بسبب أنها تحظى بقبول أكبر من مجتمعات المتضررين، بسبب أنها لا تتوجس منها خيفة، بسبب أجنداتها كما هو حال بعض المنظمات الغربية.