مسائل تنموية في مصارف الزكاة
18 اغسطس 2010 - 8 رمضان 1431 هـ( 817 زيارة ) .

تعتبر فريضة الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام, وهي قرينة الصلاة في القرآن العظيم في 28 موضعاً, وفوائدها كثيرة لا تحصى, أهمها أنها تطهر المال وتزكيه, قال تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم", كما أنها عنصر مهم في تحقيق الضمان والتكافل الاجتماعي, فتوفير ضروريات الحياة للفقراء والمساكين, سواء كان مأكلاً أو ملبساً أو مسكناً أو سداد دين، أو فك الرقاب ونحو ذلك, يقوم على التكافل الاجتماعي, والزكاة هي العنصر البارز في ذلك, كما أنها تسهم في تحجيم طبقة ذوي الدخل المحدود بحيث يغلب على المجتمع الطبقة الوسطى, التي هي غالباً ما تكون صمام الأمان للمجتمع متعدد الشرائح. ومن المسائل التنموية التي يعود أثرها في نفع مستديم على الفقراء والمساكين تنويع مصارف الزكاة بحيث تشمل أبواباً غفل عنها الناس كثيرا, ومن المؤسف أن تجد أغلب الناس اليوم ينصرفون في دفع الزكاة إلى تفطير الصائمين أو توزيع التمر أو نحو ذلك, بينما هناك أضرب من مصارف الزكاة ذات طبيعة حيوية ونفعها كبير والفقراء في أشد الحاجة إليها, وسنضرب لذلك بعض الأمثلة منها:

ـــ صرف الزكاة لحفر الآبار للفقراء:

الأصل في مال الزكاة أنه تمليك للفقراء, لذلك اتجه جماعة من العلماء على منع صرف الزكاة لحفر الآبار، وقال بعضهم إنهم يعطون الفقراء المال ويوجهون إلى وضعه في حفر بئر, ورجح بعض المعاصرين جواز صرف الزكاة لحفر الآبار للفقراء، وكل ما يقاس على ذلك في توفير الماء بشرط أن تكون هناك حاجة ظاهرة إلى ذلك ـــ كما هو الحال اليوم ـــ وألا يكون هناك مال لحفر الآبار غير مال الزكاة. ويستند هذا الرأي إلى أعمال المقاصد الشرعية, حيث إن تحصيل الماء للفقراء من أهم الضروريات قال تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".

ـــ صرف الزكاة لبناء أو شراء بيت المحتاجين:

اختلف العلماء: هل يصرف للفقراء والمساكين من مال الزكاة لشراء المساكن؟ والصحيح الجواز وفق ضوابط معينة كما يلي:

1ـ ألا يكون الفقير قوياً مكتسبا, يسد كسبه حاجته لو اكتسب.

2 ـ أن تكون قيمة البيت مناسبة لحال الفقراء بلا إسراف ولا إقتار.

3ـ أن يغلب على الظن عدم وجود مال يحصل قيمة الإيجار سنويا, وفي هذا الزمان يواجه كثير من الناس أزمة في المساكن, وفي آخر الإحصائيات أن أغلبية مجتمعنا لا يمتلكون مساكن, وبالتالي فإن توجيه هذه الفتوى للتجار وللشركات في تفعيل البرامج المجتمعية من أعظم المنافع التي تعود على المجتمع.

ـــ صرف الزكاة في دفع قيمة التكاليف الدراسية للطلبة المحتاجين:

أجاز عامة الفقهاء إعطاء الزكاة للفقير المشتغل بطلب العلم الشرعي إذا عجز عن الجمع بين طلب العلم والكسب, وألحق بعض المعاصرين بالعلم الشرعي سائر العلوم النافعة ولو كانت من العلوم الدنيوية (التطبيقية ـــ التجريبية), وذلك كون الدراسة من الحاجات المهمة في الحياة، ولما يترتب على ذلك من مصلحة كبيرة تتحقق للدارس والمجتمع, وهذا القول يتماشى مع المصالح المرسلة، وفق المقاصد الشرعية وموافق للعلة التي استند إليها الفقهاء في جواز صرف الزكاة في دفع تكاليف الدراسة للعلم الشرعي, والعلة هي فرض الكفاية. واليوم نحن في أمس الحاجة إلى العلوم التطبيقية والتقنية المعرفية التي هي عنصر مهم في التقدم والتطور, بل لا أبالغ إذا قلت إن هذه العلوم والدراسات أشد حاجة من العلم الشرعي الذي انتشر وأصبح تناوله وتعلمه ميسرا بخلاف غيره من العلوم.

ـــ صرف الزكاة لتزويج المحتاجين:

تحدث الفقهاء ـــ رحمهم الله ـــ عن كفاية الفقير ويدخل في ذلك تكاليف الزواج كونه من الحاجات الأساسية التي تنفق في مثلها الزكاة, ومعلوم أن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الضروريات الخمس ومنها حفظ النسل ولا يتحقق حفظه إلا بالنكاح, فكانت إقامته من تحقيق المقاصد الضرورية في الشريعة مع ما في النكاح من تحصيل لمصالح شرعية متعددة مثل بناء المجتمع المسلم, وتحقيق التكافل فيه, وإحصان المسلمين وإشباع حاجاتهم الأساسية, وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز صرف الزكاة لشاب يريد الزواج من أجل إعفاف فرجه.

فأجابت: يجوز ذلك إذا كان لا يجد نفقات الزواج العرفية التي لا إسراف فيها.

فتاوى اللجنة الدائمة (10/17)


وقال الشيخ ابن عثيمين: لو وجدنا شخصا يستطيع أن يكتسب للأكل والشرب والسكنى, لكنه يحتاج إلى الزواج وليس عنده ما يتزوج به فهل يجوز أن نزوجه من الزكاة؟ الجواب: نعم يجوز أن نزوجه من الزكاة، ويعطى المهر كاملا, فإن قيل: ما وجه كون تزويج الفقير من الزكاة جائزا، ولو كان الذي يعطى إياه كثيرا؟

قلنا: لأن حاجة الإنسان إلى الزواج ملحة قد تكون في بعض الأحيان كحاجته إلى الأكل والشرب, ولذلك قال أهل العلم: إنه يجب على من تلزمه نفقة شخص أن يزوجه إن كان ماله يتسع لذلك فيجب على الأب أن يزوج ابنه إذا احتاج الابن إلى الزواج، ولم يكن عنده ما يتزوج به, لكن سمعت أن بعض الآباء الذين نسوا حالهم حال الشباب إذا طلب ابنه منه الزواج قال له تزوج من عرق جبينك. وهذا غير جائز وحرام عليه إذا كان قادرا على تزويجه, وسيخاصمه ابنه يوم القيامة إذا لم يزوجه مع قدرته على تزويجه.

(فتاوى أركان الإسلام ص 440 ـ 441)


ـــ صرف الزكاة لعلاج المحتاجين:

يدخل العلاج اليوم ضمن الأمور الأساسية للفقير، ويعبر عنه عند الفقهاء بالكفاية, وأساس ذلك أن من مقاصد الشرع المطهر حفظ الضروريات الخمس ومنها حفظ العقل والبدن, فأي طريق لحفظ المريض من الهلاك يعد أمراً أساسياً تصرف فيه الزكاة ويشترط لذلك بعض الضوابط أولاً: ألا يتوافر علاجه مجاناً, فمتى توافر العلاج بالمجان، وكان محققاً للمقصود من دفع المرض بسهولة فلا يجوز دفع الزكاة فيه.

ثانياً: أن يكون العلاج لما تمس الحاجة إلى معالجته من الأمراض, فأما ما كان من الأمور التجميلية الكمالية أو كان من الأمراض اليسيرة الشائعة التي لا يلحق الشخص بتركها ضرر فلا ينبغي صرف الزكاة فيها لخروج ذلك عن الحاجات الأساسية التي يحتاج إليها الفقير. وختاماً إن زيادة الوعي بمصارف الزكاة وتنوعها يعد رافداً للأمور التنموية للمجتمع, وكلما طرق التجار وأرباب الأموال في زكواتهم أبواباً غير مألوفة كان الأجر أعظم والنفع أشمل, ومن أراد الاستزادة في هذا الباب فليطالع كتاب "نوازل الزكاة" بحث دكتوراه للدكتور عبد الله الغفيلي ففيه من التفصيل ما يكفي, والله ـــ سبحانه ـــ هو الموفق وعليه التكلان.