المملكة .. وثقافة الإغاثة
18 اغسطس 2010 - 8 رمضان 1431 هـ( 451 زيارة ) .

انطلاقاً من دورها كقبلة للمسلمين، وموئل أفئدة المؤمنين، وانسجاماً مع رسالتها الإنسانية التي رسمها لها قادتها منذ الملك المؤسس، رحمه الله، وحتى ملك الإنسانية الذي جعل منها القلب النابض لكل فعل إنساني، وأجرى في شرايينها، بمواقفه وشهامته وحسه الإنساني، دم الوفاء لأمته تطبيقاً لمعنى الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، صدر التوجيه الملكي الكريم لسمو النائب الثاني وزير الداخلية، للشروع في حملة شعبية لإغاثة الشعب الباكستاني الشقيق الذي تعرض أخيراً لفيضانات جارفة هدمت المنازل، وشرّدت آلاف الأسر، وقطعت الطرق، وعزلت كثيرا من المناطق الباكستانية عن العالم، وجاء هذا التوجيه الملكي الكريم امتداداً للجسر الجوي الإغاثي الذي أمر به خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، يحفظه الله، فور حدوث تلك الفيضانات، ولا يزال يواصل مهماته الإنسانية.

لقد تحول مفهوم الإغاثة بالنسبة للمملكة إلى ثقافة دولة وثقافة شعب، وليس أدل على ذلك من تلك المبادرات التي شملت أصقاع الأرض كافة عند وقوع أي كارثة طبيعية، حيث سجلت المملكة أسبقيتها في هذا الميدان، منطلقة من قناعات راسخة بأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، وأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، بل ليس أدل على ذلك من تدافع مواطني هذا البلد ومقيميه لتقديم المدد في مثل هذه المناسبات المؤلمة، وتخلي بعض النساء عن حليهن للإسهام في الغوث، وهي أخلاقيات تناغمت فيها القيادة والشعب، وصاغت منها مفهوماً إنسانياً باهراً تخطى عتبة الذات، إلى الإحساس بالآخرين والألم لآلامهم، والتفاعل مع مصابهم بكل أريحية، بدافع إيماني وإنساني فريد أهّلها لأن تكون بالفعل وبالقول والعمل مملكة الإنسانية بجدارة.

وهذه القيم النبيلة التي تلتحم فيها القيادة ممثلة في الملك القائد، وسمو ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني، وما يقدموه كمثال حي للقدوة الصالحة، مع المواطنين بدأ برجال الأعمال والمؤسسات والشركات وحتى صغار الموظفين كل بقدر إمكاناته هي عماد هذه الثقافة الاستثنائية التي أصبحت محط الأنظار، حيث لا يتبعها منّ ولا أذى، إذ تأتي في سياق الواجب الذي تفرضه الشريعة السمحة، وتدعمه النخوة والشهامة والمواقف الأصيلة التي تكرست بفضل الله، ثم بتتابع تلك المواقف منذ بواكير النضال في دعم صمود الأشقاء الفلسطينيين، وتاليا في إغاثة المنكوبين في كل مكان ، عندما تحول العمل الإغاثي إلى عمل مؤسسي تتصدى له وزارة الداخلية ضمن آليات دقيقة باتت محل احترام الجميع، وموضع ثقته.

ولعل الحملات المتتابعة التي أسهمت بشكل كبير في مواساة بعض البلدان المنكوبة، وخففت من وقع الكوارث عليهم، بأرقامها المالية السخية، ومدفوعاتها العينية ما هي إلا ترجمة لتلك الثقافة، وتأكيد سلوكي وعملي لنبض هذا الوطن قيادة وشعبا، ومدى إيمانه بدوره سواء على مستوى العالم الإسلامي أو على المستوى الدولي وهذا ما يجعل منها وجها حضاريا مشرقا بقدر ما يقدم للآخرين صورة الإسلام وسماحته وأدبياته في الغوث والمدد، بقدر ما يقدم في الوقت ذاته صورة إنسان هذه الأرض الذي يأبى إلا أن يكون في طليعة كل عمل إنساني يهنأ بالوقوف إلى جانب كل منكوب، ويجد في مثل هذه المواقف ما يؤكد إنسانيته وحبه للخير كجزء رئيس من عقيدته وإيمانه، ولا شك أن هذه الحملة التي تتجه إلى الأشقاء في باكستان، ستجسّد مرة أخرى ــــ إن شاء الله ــــ هذا المعنى العظيم الذي يتطاول يوما بعد يوم بسمو الإيثار والرغبة فيما عند الله من الأجر والثواب، خاصة في هذه الأيام المباركة، وفي هذا الشهر الكريم الذي تعظم فيه الأجور وتتضاعف فيه الحسنات.