العمل الخيري من منظور غير إسلامي!!
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1958 زيارة ) .
 
لعل أول ما يتبادر لأذهاننا حين تترامي إلى مسامعنا جملة "العمل الخيري" هو ربطه بالدين الإسلامي ونتخيل وقتها بنظرة محدودة الأفق أن العمل الخيري حِكر للإسلام والمسلمين وكل من يقطن الدول العربية فقط دون غيرهم من الديانات والدول الأخرى.
 
وعلى الرغم من أن ديننا الحنيف يدعو دائماً للخير وفعله,وأن القرآن الكريم بمعظم آياته والسنة النبوية الشريفة وأغلب أحاديثها, قد جاءوا بالحث الصريح, بل وأحيانا ًالأوامر القاطعة والفاصلة بالإلزام بفعل الخير, إلا أن الأمر بات واضحاً جليا للكثير من المسلمين بأن معظم الديانات الأخرى قد أتت بمعظم  تعاليمها قريبة الشبه كثيراً من تعاليم الدين الإسلامي السمحة والتي تدعو للقيام بعمل الخير.
 
إن القيم الاجتماعية وخاصة الدينية المتجذرة والمتعمقة في المجتمع العربي والإسلامي ساعدت في تعميق روح العمل التطوعي فيه بالإضافة إلى التراث الشعبي المنقول من خلال الأدب القصصي و الشعر والأمثال، والذي يشيد بهذه الروح فتظل متقدة في المجتمع حتى بعد زوال الظروف المادية التي قام عليها ذلك التراث الشعبي.
 
وحيث أن مفهوم العمل الخيري والتطوعي فى الدول الغربية ــ بصفة خاصة ــ يفصل ما بين مفهومي الصدقة من جانب ومساعدة الآخرين من جانب آخر، فإن الدين الإسلامي لا يدعو لذلك الفصل، وهو المؤثر الأساسي فى هذه المجتمعات.بل إن العمل الخيري هو بمثابة صدقة في الإسلام.
 
الخير طبيعة بشرية إنسانية
ولكننا بالطبع أمام حقيقة لا نستطيع أن ننكرها, وهى أن العمل الخيري والقيام به أمر واقع بين البشرية ككل وخاصة ًبين أصحاب القلوب الرحيمة والملتزمين من المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى, فنجد المشاركات الخيرية والتبرعات والدعم المادي من دول الغرب وشعوبها لفقرائهم وأحياناً أيضاً لدعم الدول المسلمة الفقيرة (وهو الأمر الذي يدعو بعض المسلمين والعرب للغيرة والتنافس) فكل من يعتقد في ديانة غير الديانة الإسلامية، لديه من الطقوس والتعاليم الدينية ما يحثه على فعل الخير والتراحم, وربما ــ للأسف ــ أكثر بكثير من بعض المسلمين إلا من رحم ربى.
 
"الصليب الأحمر" نموذجا
والدليل على اهتمام المجتمع الغربي وغير المسلمين بالعمل الخيري والتطوع والتبرع, هو مثال رائع وهو "منظمة الصليب الأحمر" والتي هي على غرار الهلال الأحمر, وما تقدمه من خدمات إنسانية رائعة لكل دول العالم بغض النظر عن ديانة هؤلاء المحتاجين.
 
دليل أخر يؤكد تأصيل روح الخير في نفس معظم أبناء أدم بغض الطرف عن جنسياتهم أو عرقهم أو معتقداتهم ودياناتهم هو منظور برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين:ـ
 فهى تري أن العمل التطوعى: "هو عمل غير ربحي، لا يقدم نظير أجر معلوم، وهو عمل غير وظيفي/مهني، يقوم به الأفراد من أجل مساعدة وتنمية مستوي معيشة الآخرين، من جيرانهم أو المجتمعات البشرية بصفة مطلقة"(1).
 
وهناك الكثير من الأشكال و الممارسات التي ينضوي تحتها العمل التطوعي والخيري، من مشاركات تقليدية ذات منفعة متبادلة، إلى مساعدة الآخرين في أوقات الشدة وعند وقوع الكوارث الطبيعية والاجتماعية دون أن يطلب ذلك, وإنما يمارس كرد فعل طبيعي دون توقع نظير مادي لذلك العمل، بل النظير هو سعادة ورضي عند رفع المعاناة عن كاهل المصابين ولم شمل المنكوبين ودرء الجوع والأمراض عن الفقراء والمحتاجين.
 
"كما يشتمل تعريف التطوع العالمي فى دواخله ــ من منظور الأمم المتحدة ــ على رؤيته من جانب محلي و آخر قومي أو عالمي، تماشياً مع اختلاف دوافع روح التطوع حسب عوامل عدة"(1).
 
ثروة عامة وليست حكراً لأحد
والخلاصة وما أود تأكيده مرة أخرى ,هو أن العمل التطوعي أو ما يسمى حديثاً في أدبيات التنمية "رأس المال الاجتماعي"(2) هو ثروة عامة وليست حكراً لأحد.
 
كما نستطيع أن نقول أنه: "هو تلك الروابط التي تقوم علي القيم الاجتماعية الحميدة مثل الثقة والصدق والتعاون والتراحم والتكافل، كما إنه أيضاً الروابط التي يجد المواطنون فيها أنفسهم كأفراد ومجموعات ويسعون فيها لتحقيق ذاتهم ومصالحهم المرتبطة بمصالح المجموعات التي يعيشون فيها وبها, وذلك طبعاً هو إحقاقاًً للحق ليس إلا وحتى لا نبخس الآخر حقه.
 
 
 
 
 
 
 
 
(1) منشورات مكتب برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين.
 
(2) دكتور: عبد الرحيم أحمد بلال: العمل التطوعى فى السودان، الخرطوم، مايو 2000.      
 
 
 
 
بواسطة : اميمة السيد