العمل الخيرى فى ضوء مفهوم الأمة الواحدة
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1787 زيارة ) .
 
لم يكن بناء الأمة المسلمة وتوحدها بناء عنصريا أو توحدا مصلحيا، ولكنه كان بناء واجتماعا على أساس من العقيدة الواحدة والانتماء الواحد والشعور الواحد. وقد حرصت آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على تأكيد هذا الشعور في حس المسلم على الدوام، فقال تعالى: (إنما المؤمنون أخوة). وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى. الناس من آدم، وآدم من تراب" .
 
وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كُرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة".
 
هذا المفهوم الرائع للأمة الواحدة تجسد على أرض الواقع في قيم التراحم والتكافل والتعاون، التي حرص الإسلام على زرعها في وعي أتباعه؛ إذ تلعب هذه القيم دورا محوريا في تأصيل مفهوم الأمة الواحدة، التي يهب أبناؤها على شاطيء الأطلسي غربا لنجدة إخوانهم في بلاد الصين شرقا، والعمل الخيري اليوم معنيٌّ بالانطلاق من مفهوم الأمة الواحدة لترتيب خطواته، وتحديد أولوياته، وتأسيس برامجه الخيرية، ثم يعمل على تعميق هذا المفهوم في الوجود الفعلي، فالعلاقة هنا علاقة تبادلية.
 
وهذه مقترحات لما أُسمّيه عولمة العمل الخيري:
 
أولا: التوسع في تأسيس المنظمات الخيرية عابرة القارات:
والتي لا تُحَدّ بحدود دولة معينة أو قطر مخصوص أو جهة محددة؛ بل يمتد عملها داخل إطار العالم الإسلامي. ولا يمكننا أن ننكر الجهود المبذولة حاليا من جانب مثل هذه النوعية من المنظمات الخيرية، كمنظمة الإغاثة الإسلامية في المملكة العربية السعودية، والمنظمات الخيرية في دول الخليج، والتي قامت بجهد مشكور في تقديم الإغاثة الإنسانية، وبناء المساجد، والرعاية الصحية ... إلخ، وأيضا هيئة الإغاثة الإنسانية، التابعة لاتحاد أطباء العرب..
 
كل هذه جهود ملحوظة، ويجب شكرها، وشكر القائمين عليها، ولكن يجب التفكير جديا في تعظيم مثل هذا النوع من المنظمات، والتي يجب أن تلعب دورا أهليا ملحوظا في معالجة قضية الفقر على سبيل المثال، وهي القضية التي يعاني منها ما يقرب من 37%  من جملة سكان العالم الإسلامي، الذين يعيشون تحت خط الفقر، ويعانون أوضاعا مأساوية، بل وتُصنَّفُ بعض المناطق داخل الحزام الإسلامي كأسوأ المناطق في العالم من حيث تدنى مستوى المعيشة، وانعدام الحاجات الأساسية المطلوب توفرها للإنسان، مثل: الصومال وبنجلاديش. من هنا، فإن دور المنظمات الخيرية العالمية يتعاظم من أجل إعادة توزيع فوائض الثروات، والوصول إلى الأماكن والجهات المنسية، والتي تعيش على هامش العالم الذي بات لا يهتم إلا بمناطق الثروات والمصالح السياسية.
 
ثانيا: العمل على إعادة توزيع الزكاة والصدقات: فالزكاة من أكبر مصادر الدخل الخيري
وللأسف، لم تستغل الاستغلال الأمثل داخل محيط الدول الإسلامية؛ نظرا لعدم الاهتمام بها على المستوى الرسمي طيلة العقود الماضية. فالزكاة تؤخذ من الأغنياء لترد على الفقراء، وقد حدد الشارع ثمانية مصادر لإنفاق الزكاة: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم).
وتشير بعض الإحصائيات إلى وجود ما يقرب من 34 مليارديرا يحملون الجنسية العربية، تبلغ ثرواتهم مجتمعين ما يقرب من 115 مليار دولار أمريكي.. وبحساب نسبة الزكاة (2.5%) يتضح لنا حجم الأموال التي يمكن الاستفادة منها في معالجة قضية الفقر، والتي تحتاج إلى إعادة توزيع لتغطية مناطق العالم الإسلامي الأشد احتياجا وفقرا، كما أنه ينبغي تخصيص صناديق إغاثة لمواجهة النوازل والكوارث التي "تترك الحليم حيران"، والتي تتطلب تدخلا عاجلاً بدلاً من الانتظار لتدبير الموارد والأموال اللازمة.
 
ثالثاً: الاستفادة من الكوادر والخبرات البشرية المنتشرة في العالم الإسلامي:
ففتح أبواب جديدة للعمل الخيري يتطلب ضخ دماء جديدة في ميدان أعمال البر والتطوع، فمما لا شك فيه أنه توجد العديد من مناطق العالم الإسلامي المحرومة من التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وهذه بدورها تحتاج إلى الكوادر المتخصصة التي تجمع بين الخبرة التقنية والحس الخيري المدعوم بالبعد الشرعي الدعوي.
 
لذا؛ لا بد من دفع المزيد من الكوادر المدربة إلى هذه المناطق، عبر وضع حوافز مجزية تجعلهم يتركون أهلهم وما درجوا عليه من نعومة العيش وصفاء المأكل والمشرب إلى مناطق تعيش أوضاعا بالغة السوء، وهنا يمكن الاستفادة من خريجي الجامعات الشرعية، كالأزهر والجامعة الإسلامية وغيرهما، علما بأن الأزهر يخرج كوادر تجمع بين التخصص التقني كالطب والهندسة والعلوم .. إلخ ـ عبر كلياته العلمية ـ والعلم الشرعي الذي يدرسه الطالب حتى في مرحلة الثانوية.. فمثل هذه الكوادر تحتاج إلى تأهيل، ثم الدفع بها في مناطق العالم الإسلامي التي تحتاج للرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية، بل والدعوية أيضا، بدلا من ترك هذه المناطق نهبا لحملات التنصير، التي تحاول سلب عقيدتهم مقابل الخبز والدواء.
 
رابعاً: ضرورة عدم ارتباط هذه المنظمات الخيرية بالسياسة وتقلباتها وتوازناتها وألاعيبها:
بل عليها أن ترتبط بالقاعدة الشعبية، وأن تنطلق من مفهوم أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، حتى وإن قسمتها الحواجز والحدود، وستظل أمة واحدة في الشعور والارتباط والولاء.. هذا الانفكاك بين منظمات العمل الخيري والسياسة سيجعلها تنطلق على الأرضية الشعبية بكل سهولة، ولا ينظر إليها بعين الريبة والشك، ومن ثم التضييق على أنشطتها أو منعها بالكلية.
وقد أعجبني في ذات السياق ما صرح به فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر (د/ أحمد الطيب) بأن: "الأزهر ليس حزبا سياسيا، وليس مطلوبا منه أن يتقدم المظاهرات، ولكنه يبدي رأيه في القضايا الكلية التي تهم الأمة". وهذه حصافة ورجاحة عقل، تليق بمكانة المؤسسة العريقة؛ حتى لا تتحول إلى لقمة سائغة في أفواه الساسة؛ ومن ثم تفقد مكانتها واحترامها، وهو ما ينبغي أن تلتزم به المؤسسات الخيرية عابرة القارات والحدود الإقليمية حتى تؤدي مهمتها التي قامت من أجلها.
 
خامسا: مفهوم الأمة الواحدة يفرض على المنظمات الخيرية: أن تمد بصرها إلى الأقليات المسلمة التي تعاني من مشاكل جمة قد تصل إلى حد منعهم من ممارسة شعائرهم: وهنا يجب الإشادة بالجهود التي تبذلها المملكة السعودية في تشييد المساجد في الدول التي تضم أقليات إسلامية، ومدهم بالمنح التعليمية وخلافه، ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من التعاون من بقية المسلمين والمنظمات الخيرية؛ حتى يشعر هؤلاء أنهم ليسوا بمفردهم في هذا العالم الفسيح، ولكنهم ينتمون إلى أمة "إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
 
وإذا كانت الأمة الإسلامية قد فقدت ترابطها الذي ميزها طيلة عقود، وكان أحد مصادر قوتها، فإن الأمل معقود ـ بعد فضل الله تعالى ـ على دور العمل الخيري المنظم في تقوية هذا الشعور، وإعادة مفهوم الأمة الواحدة.
بواسطة : سمير العركي