زكاة المال لم تفعل في المجال الاقتصادي بالوضع المطلوب
1 يوليو 2010 - 19 رجب 1431 هـ( 523 زيارة ) .

وسط المساحة «المتسعة» جدا والمشاركة «الحماسية» الهائلة للكثير من الفتاوى الخفيفة، لا بد أن يتعجب المتابع المسلم العقلاني والموضوعي من الغياب للفتاوى الجادة المؤثرة بشكل ملموس على حياته اليومية.

هناك قصور واضح لا يمكن إغفاله في الحراك العلمي والاجتهادي في مسألة حيوية جدا وركن أساسي من أركان الإسلام، والمعني تحديدا هنا هو ركن الزكاة، ذلك المبدأ الاقتصادي والاجتماعي الشديد الأهمية الذي شرع ليكون عنصر توازن بين المقتدر والمحتاج في المجتمع الإسلامي. هناك أوجه صرف شرعت لصرف الزكاة من خلالها، وهي معروفة بالنص القرآني، وكذلك هناك منابع للزكاة معروفة يتوجب سداد ما هو مستحق عليها كالذهب والفضة والزراعة والتجارة وغير ذلك، إلا أن المستجدات الكثيرة التي طرأت على العوالم المالية والاقتصادية والاجتماعية باتت تتوجب أن يكون هناك تطوير جاد وحقيقي في آليات الاستحقاق ونوعية المنابع المستحقة عليها للزكاة.

فاليوم هناك واقع جديد للفقراء والمساكين (وهما سهمان من سهام الزكاة التي حددها الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم كمستحقين للزكاة)، وبالتالي أصبحت هناك حاجة لاجتهاد جديد يوسع من مفهوم تفسير الفقر والمسكنة ليشمل المعاقين مثلا (كما حدث بالسعودية) أو المطلقات (كما حدث بالكويت) والمصاب بالفشل الكلوي (كما حدث بمصر) وغيرهم من الأمثلة الممكنة والواقعية. كذلك لا يزال الأمر «غامضا» ومحيرا فيما يخص الزكاة على الأراضي البور والبيضاء، وهي المملوكة لفترة طويلة ولا يتم إحياؤها وتطويرها وبناؤها وبالتالي الاستفادة والإفادة منها، فإذا فرضت الزكاة عليها ستجبر صاحبها إما على فعل ذلك أو الخلاص منها للغير، وهذا بالتالي سيكون مصدر حراك اقتصادي، وسيؤدي لتعميم النفع بدلا من حصره. وكذلك لا تزال زكاة المال في السوق المالية غير مفعلة بالقدر المطلوب، فغير مفهوم لماذا هي «تلقائية» و«جبرية» في المؤسسات والشركات التجارية وليست كذلك في الأسواق المالية! وكذلك الزكاة على بوالص وشهادات التأمين التي لا تفعل بحجة أن «التأمين حرام»، وهي فكرة غير صحيحة تم الترويج لها عبر السنوات بأسلوب «غير دقيق» وفيه نوع من تكرار المقولة بلا وعي حقيقي وعلم عميق، مما ولد صورة ذهنية خاطئة عن علم حديث، فتجد علماء يفتون بأن «التأمين حرام بشهادة علماء السلف الصالح». التأمين عمره لا يتجاوز المائة وعشرين عاما على أبعد تقدير، فمن المؤكد أن علماء السلف الصالح لم يحضروا هذا المجال وبالتالي لم يمكنهم الإفتاء فيه وقتها!! التأمين مجال أصبح أساسيا في حياتنا، ولا بد من التعامل بمهارة وبعلم في جوانبه، وتفعيل الزكاة على البوالص بشتى أنواعها، كذلك لم يحصل التطور الكافي في الاستفادة من أبواب «في الرقاب» وهي فرصة لتحرير المأسورين من المسلمين وغيرهم من أصحاب المشكلات، وكذلك «الغارمين» وهو مجال إصلاح ذات البين والأموال المترتبة عليها وبالتالي جواز صرف الزكاة في هذا الباب يحل إشكاليات اجتماعية هائلة، و«في سبيل الله» وتحديدا ابن السبيل، وهو ما يشمل النازحين، والمتخلفين نظاميا، واللاجئين بلا مأوى وغير ذلك من الأسباب الإنسانية المهمة. وهذه مجرد أمثلة بسيطة تظهر حجم الاحتياج الكبير بشقيه الاجتماعي والمالي وضعف الاهتمام الفقهي والإعلامي بتلك المسألة والانشغال بمسائل «صغيرة» حسمت منذ سنوات وقيل فيها ما قيل من علماء العالم الإسلامي الكبار، ويتبع هذه الآراء الأغلبية الساحقة في العالم الإسلامي.

حزين الوضع «الإفتائي» الحاصل فيه، كانت بعض الكتب الإسلامية في القديم تتحدث عن تباري العلماء وتنافس العلماء حتى وصل الحال إلى تحاسد وتناحر العلماء! مسألة حزينة ولأجلها يتم تجييش الناس والعامة للدعاء على فلان والاحتساب على فلان بالجمهرة أمام داره والدعاء عليه في المسجد وفضحه في رسائل الجوالات ومنتديات الإنترنت لتصفية حسابات خاصة وشخصية. الدين الإسلامي أجل وأعمق وأبلغ من أن يتأثر بالمعارك الجانبية هذه (وهي ليست بالأولى ولن تكون بالأخيرة)، لكنها صورة حزينة توضح بجلاء الخلل الكبير الموجود في الأولويات الفقهية اليوم.