سلسة إدارة العمل الخيري في ظل الأزمات العالمية والإقليمية (3): "العمل التطوعي مهمة خاصة (1-5)"
31 يناير 2022 - 28 جمادى الثاني 1443 هـ( 2485 زيارة ) .
 
واليوم نتحدث عن المهمة غير العادية للعمل التطوعي في ظل الأزمات العالمية والإقليمية، ذات الآثار العابرة للحدود، وطرق التعامل معها من خلال تلك المهمة الخيرية التطوعية. ولكي نبدأ الحديث عن تلك المهمة وأبعادها، يجب أن نتحدث أولاً عن بعض الآثار السلبية التي تم رصدها في المجتمعات المصابة بهذه الأزمات؛ لكي يمكن للمؤسسات والجمعيات الخيرية والمهتمين بالأوضاع الاجتماعية والإنسانية أن يدعموا الجانب الدعوي للتفاعل الجماهيري التطوعي، من خلال منظومة خيرية قومية شاملة، تعمل على استقطاب الشباب والنشء من المتطوعين، وكل من له رغبة في أن تتجاوز أوطاننا المحن والأزمات، ومن ثم تدريبهم على مهام معينة، ليقوموا بأدوار مناسبة تساهم المساهمة القصوى من أجل درء ومواجهة هذه المشكلات، فيمكننا ـ من خلال الرصد غير المرهق ـ أن نتحدث عن مسألتين أو جانبين من جوانب الخطورة التي تهدد المجتمعات إبان هذه الأزمات، يجب أن يسير العمل التطوعي في طريقهما ليؤدي دوراً استراتيجياً عملاقاً في نفعه، ومهمة جبارة تضمن للمجتمع سلامته واستقراره:
 
أولهما: الجانب الاقتصادي، ودعم منظومة دول المنطقة الإنتاجية، عن طريق التطوع بكافة سبله المتاحة، أو التي يمكن استحداث العمل فيها؛ من أجل دعم وتقويم الاقتصاد في أوقات الخلل، لتتم المواجهة والعبور السليم والمناسب، الذي تساهم فيه القوى البشرية من المتطوعين والسكان المهمومين والمهتمين بالمصالح العليا لأوطانهم، وخاصة في الشق الاقتصادي.
 
وثانيهما: الجانب الأمني، والمحافظة على سلامة المجتمع، فالأمن الاجتماعي هو الطمأنينة التي تنفي الخوف والفزع عن الإنسان، فرداً أو جماعة، في سائر ميادين العمران الدنيوي، بل وأيضاً في المعاد الأخروي فيما وراء الحياة الدنيا (1). والجانب الأمني المستقر هو الضمانة الأساسية والانعكاس الطبيعي لوجود مجتمعات إنسانية لها شكلها وهويتها التي تميزها عن المجتمعات الأخرى المختلفة، التي تحميها وتعزز وجودها منظوماتها الأمنية أيضاً.
 
ولكن قبل أن نتحدث عن الرؤية الاقتصادية المأمولة من العمل التطوعي في أوقات الأزمات؛ لتجنب الوقوع فيها، أو المساهمة الفاعلة في عبورها، والنهوض بالمجتمعات، يجب أن نتحدث أولاً عن ضرورة التطوع من أجل المحافظة على الجانب الأمني، الذي يضمن السلامة الاجتماعية. فالأمن العام والسلامة الاجتماعية هي كبرى الضمانات التي تساهم المساهمة الحقيقية الواقعية في صناعة مجتمع مثالي، يستطيع التغلب على كافة أزماته، ويستطيع أن ينهض من جديد عندما تقترب منه هذه الأزمات.
 
وبالأمن ـ أيضاً ـ يمكن للدول والمجتمعات أن تتجاوز هذه المشكلات دون الكثير من الجهد؛ فالمجتمعات التي  تكون منظومتها الأمنية قوية وعادلة تكون متماسكة بشكل كبير، ومعتزة بهويتها ومقدراتها، على عكس المجتمعات المضطربة، التي تتبدى فيها مظاهر العنف أو عدم الاستقرار والقلق بكافة أشكاله، فهذه المجتمعات ـ في غالب الأحوال ـ مجتمعات متزعزعة، ومنتقدة، ومعرضة للوصاية الخارجية التي تعوقها في الاعتماد على ذاتها، والحفاظ على هويتها، وتحولها دائماً إلى نوع مبهم من المجتمعات المقيدة مسلوبة الإرادة، التي لا تضمن حريتها، ولا استقلالها، ولا شكلها الطبيعي، حتى وإن بدت على قمة إداراتها حكومات تحكم وتدير، فهي حكومات صورية واهية، لا تملك القدرة على تقرير المصير الشخصي للمجتمع، الذي يحفظ كرامة مواطنيه..
 
وفي الجانب الاقتصادي، الذي يعتبر وجهاً من وجوه الأزمات التي تلوح بوادرها ومقدماتها في العالم هذه الأيام، تعتبر هذه المجتمعات المقيدة والمضطربة، والتي لا تضمن الأمن والاستقرار العام، وبالمقاييس الاقتصادية، تعتبر مجتمعات طاردة لرؤوس الأموال الوطنية أو الخارجية المتوقع قدومها، وكذلك كافة الاستثمارات بما لها من مردودات تدفع عمليات النمو والتقدم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فعلى العكس تتزايد الأزمات الاقتصادية عندما تحدث الانفلاتات الأمنية، مهددة بمشكلات اقتصادية وإنسانية أكثر عنفاً.
 
وللجانب الخيري التطوعي ـ في ظل هذه الأزمات ـ دور كبير في المحافظة على كافة الجوانب والمقومات الأساسية لأي منظومة أمنية تساهم في المحافظة على المجتمع من الانهيار الأمني المقصود أو المفتعل، والذي يكون بداية سيئة من بدايات الانهيار في كافة جوانب الحياة الإنسانية.
 
ولذلك يمكننا أن  ندعي أن الدور الخيري التطوعي في الجانب الأمني يجب أن يظل مهتماً بالجوانب الأساسية التي تحافظ للمجتمعات على أشكالها، وهويتها، وإنسانيتها، خاصة مع حدوث الأزمات ذات الطابع السياسي، وما تم رصده في دول حدثت بها هذه الأزمات، التي ما يزال يتداعى لها مجتمعاتها، خصوصاً مع الانهيار الطبيعي أو المفتعل لمنظومة الأمن الداخلي. وبلا شك، فإن أهم وأكبر الدول التي تأثرت جراء أزماتها السياسية، وتراجع أداء منظومتها الأمنية، كانت (مصر)، والتي طالت أغلب ربوع الجمهورية المصرية، ومست أمن أغلب مواطنيها، وكان يمكن تلافي هذه المشكلات الأمنية لو كانت هناك قاعدة جماهيرية من المتطوعين، تنتشر بما لديها من إمكانيات ـ حتى ولو كانت بدائية ـ لتستعيد أمنها وثقة مواطنيها وغيرهم، خاصة من الأجانب والزوار السائحين، بكل ما يقدمونه من أموال تصب في عصب الاقتصاد، وتدعم شكل الدولة، وتوضح ملامحها الاقتصادية.
 
وفي شريعة الإسلام، فإن المحافظة على الأمن العام من أساسيات تكوين المجتمع المسلم، الذي يضمن الإسلام لأفراده، ممن يقومون بتحقيق الأمن والسهر من أجله، دخول الجنة، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله" (2).
 
ومن ثم فإن المنظومة الأمنية التطوعية، في أوقات الأزمات التي تهدد بالانفلاتات الأمنية، سيكون لها دور موازٍ للدور الذي تؤديه قوات الأمن الداخلية أو الخارجية، أو ـ على الأقل ـ يؤدي إلى دعمها وتعزيزها، ويحافظ على عدم انهيارها كلياً، لتستعيد ثقتها بنفسها، ويستعيد المجتمع ثقته فيها وبها، ليسير نحو الرفاهية والتقدم.
 
ومن هذه الأدوار والجوانب التي يجب أن يدعم فيها العمل الخيري التطوعي أمنياً ما يلي:
 
أولاً: المحافظة على سلامة الأرواح والنفس الإنسانية:
فالعمل التطوعي وقت الأزمات العالمية الكبرى، والأزمات السياسية التي تتخذ أشكالاً عدوانية أو عنيفة، يجب أن يظل مهموماً ومهتماً بالحفاظ على الأرواح، وسلامة البشر، وتأمينهم تأميناً شاملاً ضد كل الأخطار التي تهدد حياتهم، وحمايتهم في كل أركان وبقاع البلاد، فالنفس الإنسانية مصانة، ومحرم انتهاكها أو التعرض لها بأذى بأي حال من الأحوال، في كل الديانات والتشريعات السماوية، ولقد جاءت رسالة الإسلام ناهية عن التعرض لها بأذى، منذرة بغضب الله لكل من يقتلها بغير الحق، قال تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). وجعلت التجرُّؤ على قتلها بدون الحق كأنه قتل للناس جميعاً، وكذلك أمر إحيائها يساوي إحياء الناس جميعاً، فقال تعالى: ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )).
وقد جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتل المسلم أعظم من زوال الدنيا بأكملها، فعن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم".
 
والعمل التطوعي في أوقات الأزمات يكون أكثر نفعاً وجدوى إذا وجد الآلية التي يستطيع بها المحافظة على الأرواح ضد القتل، وضد كل عنف أو اعتداءات تهدد كيان المجتمع، ولعل الإحصاءات الصادمة، الوافدة من مصر، بعيداً عن ميادين العمل السياسي، والتي تؤكد ارتفاع معدلات القتل والاعتداءات بين المواطنين عن معدلاتها بنسبة زادت عن 200% في الشهور الأولى من أزمة مصر المتواصلة؛ هي ما يدعم مقترحنا بضرورة التدخل الخيري التطوعي لإعادة الاستقرار الأمني والإنساني.
 
ثانياً: المحافظة على المنشآت والمؤسسات العامة:
إذ ستبقى المنشآت، والمؤسسات العامة، والمقار الحكومية، والبنوك، والمستشفيات، وكل البنى التحتية، وفي كل الأحوال، وتحت أي ظروف كانت، ستبقى هي ثروة الأمة القومية، التي يجب أن يقف المتطوعون بكل قواهم من أجل المحافظة عليها، ففي أوقات الأزمات، خاصة الأزمات السياسية، عندما تكون الحكومات وأنظمتها الأمنية في أضعف حالاتها، تكون هذه المنشآت معرضة للخطر، وتستطيع أي قوى متربصة أن تعمل على تخريبها، وسرقتها، ونهبها.
ولهذا؛ فإن العمل الخيري التطوعي يستطيع أن يفرض حماية أهلية وقتية أو دائمة تحول بين هذه القوى المتربصة ومخططاتها الشيطانية في كل الأحوال، ويكفينا أن نشاهد ما تتعرض له المنشآت الحكومية المصرية من اعتداءات وحرق، لتكون النتيجة الطبيعية في المستقبل القريب في المجتمعات التي تحدث فيها هذه الأزمات هي تكبد الخزانة العامة لدولها إعادة البناء والإصلاح والترميم بكلفته الباهظة، وسيحُوْل ذلك دون تقديم خدمات يشعر بها المواطنون ويلمسونها بشكل مباشر يسمح للرضا والقناعة أن تعم.
 
ثالثاً: المحافظة على المكتسبات والممتلكات الشخصية:
فالمكتسبات والممتلكات الشخصية هي حق مشروع ومكفول للأفراد، تعمل الحكومات من خلال منظوماتها المتعددة على حمايته، و في كل المجتمعات الإنسانية، وهذه الحقوق والمكتسبات تكون أكثر عرضة للتهديد تحت وطأة الأزمات العالمية؛ نظراً لأسباب كثيرة، ربما يكون أهمها هو ضعف أصحابها، وعدم قدرتهم منفردين على حمايتها، خاصة عندما يفقد الكثير من المجرمين ضمائرهم ويقومون بالاعتداء عليها. ولهذا؛ فإن التطوع، وفي هذا الشق، مطالب بأن يعمل على حفظها لأصحابها، وحمايتها ضد كل اعتداء أو خطر يطوف حولها.
 
رابعاً: التصدي للخارجين على القانون كلما أمكن:
ويكون ذلك بصناعة الوعي الخيري العام، الذي يجعل الأفراد قادرين على تقييم الأداء الأخلاقي لبعضهم البعض، واكتشاف الأشخاص الذين لديهم شطحات إجرامية، ومن ثم العمل على تقويمهم وإعادة تأهيلهم، أو مواجهتهم والتصدي لهم من قبل الوحدات الأمنية التطوعية؛ من أجل الحفاظ على كرامة المجتمعات الإسلامية، وتنقيتها من المجرمين والخارجين على القوانين، خاصة في أوقات الطواريء والأزمات.  
 
خامساً: تقديم رسالة قوية للعالم الخارجي:
فهي رسالة بديهية تصل للعالم بكل ما فيه من محبين أو متربصين كارهين، بأن المجتمعات التي تحفظ قواها الأمنية التطوعية جوانب الحياة وأركان المجتمع فيها، بأنها مجتمعات قوية متماسكة، سيندحر ويعود خائباً كل من تسوِّل له نفسه بأن يحيك حولها المؤامرات، سواء كانت في السر أو العلن..
ولعل التهديدات الخارجية التي تحوط ببلادنا العربية من عدة كيانات وقوى متربصة هي خير دليل. ولذلك؛ فإن العمل التطوعي، الذي يضمن سلامة المجتمع أمنياً في الداخل في الأوقات العصيبة، سيكون له دوره الكبير في وقف هذه التهديدات، وسيجعل القوى المتربصة تعمل على إعادة صياغة حساباتها بشكل يضمن الأمن والسلام العالمي.
 
 
 
 
 
 
المراجع:
 
 
1- كتاب الإسلام والأمن الاجتماعي، الدكتور: محمد عمارة،  ص 12.
 
 
2- رواه الترمذي.
 
 
3- سورة النساء، آية رقم (93).
 
 
4- سورة المائدة، آية رقم (32).
 
 
5- رواه الترمذي والنسائي.