سوريا.. المشهد الإنساني وخطط الإغاثة العاجلة
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 2308 زيارة ) .
 
بعد شهور طويلة من المطالبات السلمية من قبل الشعب السوري الطامح في عملية التحول السياسي الديموقراطي المشروعة، عبر الاحتجاجات والمظاهرات السلمية ليس إلا مقتدياً ببعض الشعوب العربية في دول الجوار، فيما يسمى بـ "ثورات الياسمين" أو "الربيع العربي"؛ راغباً بكل إصرار في أن يكون من نصيبه بعض مما أحرزته هذه الشعوب من نتائج إيجابية، فإن المشهد الإنساني الآن أصبح يتداعى فيه الشعب السوري كله جراء الغطرسة والعنف الممنهج من
قبل النظام القمعي الحاكم، والاستخدام المفرط  للقوة، وكافة الطرق المبتكرة في عمليات الترويع والقمع لإثناء هذا الشعب ـ الذي يتسلح بحناجر لا تتوقف ـ عن هذه
المطالب المشروعة، وعن هذه الرغبة التي لا بد لها أن تتحقق ذات يوم.
 
ومع الصبر الطويل من قبل الأنظمة السياسية العربية والإسلامية، التي ربما كانت تطمح في أن تجد السياسة السورية حلاً حكيماً وسلمياً تحقن به المزيد من دماء المواطنين البسطاء، الذين يعبرون عن أقل ما يأملونه من أولياء أمورهم، وهو أن يجد المواطن كرامته كإنسان كرمه الله، مع نظام سياسي غير ملتو يعمل على احترامه وإعطائه القليل من حقوقه، بعدما طالت سنوات الصبر والتحمل لعقود عديدة، لتكون السنوات الطويلة في ظل النظام ذاته بسياسته نفسها خير شاهد على التراجع والتدهور الكبير لشعب ودولة كانت بمثابة منارة من منارات الحضارة الإنسانية، ومركزاً من مراكز قيادة الأمة الإسلامية في أوجها، ومع الأيام الأخيرة يتزايد الأمر سوءا، ويكون المشهد الإنساني لا آدمياً تجأر منه الأرض والإنسانية في كل شبر، وتستنجد بأبطال المشهد الدموي في كل لحظة وفي كل حين لعلهم يتوقفون أو يتراجعون، ولكن لا شيء  يتغير! وقبل أن نقترح بعض  خريطة عمل إنساني لمواجهة الأزمة الإنسانية الكبيرة التي صار يعاني منها الشعب السوري، يجب أن نصف الوضع الإنسانس المتردي في بعض النقاط؛ لعلها تصف بعضا من الحقيقة وتنقلها لأهل الخير والمهتمين بالشأن الخيري والإنساني،  ومنها: –
 
القتل الممنهج:
فالإحصاءات الرسمية الواقعية المؤكدة، و المرصودة من قبل العديد من المؤسسات والهيئات الحقوقية والإنسانية الداخلية في سوريا، ومن قبل العديد من المنظمات
العالمية المهتمة بالوضع الإنساني السوري المتراجع جراء هذه الحرب الضروس، تؤكد أن عدد الضحايا قد تجاوز 4000 قتيل، منهم أكثر من 307 أطفال، إضافة لأكثر من 100 حالة وفاة تحت التعذيب، وما تزال عمليات الشجب والإدانة والدعوات اللحوحة بضرورة التوقف وإيجاد حلول سلمية فورية هي أهم المواقف التضامنية من قبل العديد من المؤسسات والمنظمات والدول وحكوماتها.
 
الزيادة الكبيرة جداً في أعداد الجرحى والمصابين إصابات خطيرة ومزمنة:
الإحصاءات الرسمية تؤكد أن تعداد الجرحى تجاوز 12 ألف جريح، وهذه الإحصائية تؤكد أن أكثر من 12 آلف أسرة قد تضررت  ضرراً مباشراً وجسيماً بسبب إصابات عوائلهم؛ مما يهددهم بالفقر الشديد حالياً وفي المستقبل، خاصة في حالات الإصابات الخطيرة التي تسبب إعاقات وتشوهات جسدية يصعب علاجها، والتي لن تقل عن النصف في أغلب الأحوال.
 
حملة الاعتقالات الواسعة:
وهي التي أشارت إليها العديد من التقارير الحقوقية والإنسانية، وتأكيدها على اعتقال أكثر من 40 ألف مواطن سوري من قبل النظام الغاشم، وهم لا يزالون يعانون في
ظلام السجون، ويتعرضون لانتهاك آدميتهم بشكل يخالف الدين والشرع والأعراف الدولية؛ مما يؤكد حلول المشكلات الإنسانية المادية والنفسية العنيفة بأكثر من 40 ألف إنسان وأسرهم.
بروز أزمة إنسانية كبيرة وموازية، أبطالها النازحون والفارون من العنف تجاه دول الجوار كتركيا والأردن والعراق ولبنان، ومشكلات التهجير بقساوتها ومظاهرها المؤلمة، وأهمها المخيمات، التي تفتقر إلى أبسط ما يحتاجه الإنسان، وبما تسببه من مشكلات نفسية مؤلمة للأسر والأطفال، وصعوبة دمجهم؛ بسبب الإطالة في الأزمة، وعدم تعاون الجانب السوري، وتأخر الكثير من الجهات الإغاثية والمانحة في تقديم الدعم وإيجاد الحل الناجع والمطلوب.
 
تزايد التقارير التي تؤكد استغلال النساء جنسياً:
وهذا ما يخالف العقيدة والقوانين والأعراف الأخلاقية والإنسانية، فالنظام السوري المتغطرس يستخدم النساء كسلاح جنسي من أجل أن يدحر الثائرين ضده، وهذا الأسلوب اللا أخلاقي لم يستخدم في التاريخ إلا في القليل من المشاهد الأكثر وحشية ضد الإنسانية، ومنها الغزو التتري لبلاد المسلمين، وهذا ما سوف يؤدي لأضرار نفسية واجتماعية كبيرة إبان هذه الأزمة وحال انتهائها في المستقبل القريب، ويجب علينا التنويه إليها للمساهمة المستقبلية في إيجاد الحلول المناسبة لآثارها.
 
حصار المهجّرين الفلسطينيين في مخيماتهم: 
حيث يقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سورية عام 2010 ( 488) ألف لاجئ فلسطيني. وبحسب معطيات المجموعات الإحصائية السورية يقيم 68.8 في المئة من هؤلاء في العاصمة السورية دمشق، والمخيمات القائمة في ضواحيها، ولا شك أن الأضرار التي طالت الشعب السوري المكلوم قد طالت الفئات والأعداد الكبيرة من النازحين واللاجئين الفلسطينيين في مخياماتهم بمختلف مناطق الجمهورية السورية؛ لتحط فوق مشكلاتهم الإنسانية والاجتماعية  والنفسية مزيدا من المشكلات والأزمات.
 
هدم المساجد والمنازل وانتهاك الحرمات:
وهذه الحملة الأسدية تتعامل بعنصرية واضحة، وتهدم المنازل والمساجد، لا تثنيها حرمة إقامة الشعائر ولا كرامة المشايخ، ولا ترجعها عبادة العباد ولا تضرعهم ودعواتهم، وانتقلت لتهدم البيوت على سكانها، لتفضح عوراتهم، وتشردهم جراء آمالهم المشروعة في غد أفضل لم يروا له مقدمات عبر سنوات طويلة من القمع والانتهاكات والمشكلات، وهذا ما يؤكد وجوب عمليات التدخل الإغاثي الإنسانية للمساهمة في السيطرة على هذه الأزمة المستمرة.
 
عقوبات اقتصادية وعزل سياسي: 
إن الغطرسة الكبيرة من قبل النظام السوري، واستمراره في استخدام العنف المفرط، الذي لا ينفك يتوقف أو يتراجع ويندحر، وهو ما لا يطيقه أهل الشرق والغرب؛ وهذا أدى إلى عزل سياسي للنظام السوري، تلوح بوادره في الأفق، إلا من بعض الأذرعالشيطانية التي لا تريد إلا الإفساد في الأرض، وكذلك توقيع عقوبات اقتصادية لزيادة الضغط لعلهم يتراجعون أو يتوقفون، ولا شك أن هذا الأثر المؤلم لن يعانيه سوى المواطن السوري البسيط دون غيره.
 
غطرسة  النظام السوري، ورفضه تقبل المساعدات الإنسانية التي يراد بها وجه الله وإعانة منكوبي العمليات العسكرية الواسعة، التي لم تتوقف طيلة أشهر عديدة، وكأنها عملية يراد بها زيادة التنكيل من أجل القضاء على شعب كامل، من أجل أن يحيا فرد واحد بكل ذنوبه وعيوبه وإرادته اللاإنسانية واللامشروعة.
 
وهذا ما ينذر بتفاقم الوضع الإنساني، ويدعونا جميعاً لأن نتكاتف لعلنا نجد الحلول الإيجابية التي نستطيع بها دعم الشعب المنكوب إثر تطلعاته، فهناك حالة من التربص والشك الكبير تعتري النظام السوري في إجراءات استقبال حملات الإغاثة والدعم، وهذا ما يعزز ضرورة العمل لاتخاذ المزيد من الإجراءات التي تسمح بإدخال المساعدات الإنسانية للشعب السوري المحصور في محنته، ومنها: –
 
· ضرورة التوحد من قبل الهيئات والجهات والشخوص المانحة المهتمة بالشأن الإنساني المتراجع في سوريا، خاصة في منطقة الخليج العربي، والتعاون مع المؤسسات الإغاثية والخيرية العالمية الموثوق فيها من أجل تشكيل الضغط اللازم على النظام السوري ليسمح بدخول المساعدات الإنسانية والأدوية، وأدوات العمل الخيري والإغاثي بكافة أشكالها، والعمل على إيصالها لمستحقيها من الضحايا والمنكوبين.
 
· اتخاذ السفارات السورية المنتشرة في كافة الدول الخليجية أو غيرها كنقطة محورية وضمانة رسمية معتمدة من قبل النظام السوري لتكون المنسق المباشر الذي يضمن أن يقبل النظام السوري المساعدات الإنسانية في كافة أشكالها، والتي يجب أن تقدم لأسر القتلى وللمصابين والمنكوبين من العزل في كافة المناطق السورية.
 
· اتخاذ الضمانات اللازمة لإيصال هذه المساعدات لمستحقيها من الأسر المضارة والفقراء، وأسر الضحايا والمصابين، وعدم استخدامها بشكل يسبب المزيد من الضغط على الشعب المنكوب.
 
· ضرورة استخدام مراقبين من الهيئات والمنظمات الإغاثية الخليجية والدولية، وفق المواثيق الدولية المتعارف عليها، لإجراء بحوث ميدانية من أجل قياس الأضرار الإنسانية التي سببتها هذه الحملة العدوانية من النظام السوري ضد شعبه، ووضع خطة شاملة يكون باستطاعتها تقديم الغوث وتضميد الجراح في أقرب وقت، لاحتواء مشكلات قد تودي تداعياتها النفسية المستقبلية بالمجتمع السوري إلى اللامأمول، واعتماد التقارير المتعارف عليها دولياً لإيصالها وإعلانها للمانحين والمهتمين.
 
· ضرورة الاعتماد على كوادر بشرية من المتطوعين السوريين، ومن المؤسسات الأهلية الخيرية السورية، لتكون يد عون تساهم في إيصال المساعدات والأدوية لمستحقيها.
 
· وجوب الأخذ في الاعتبار أن النظام السوري قد يستمر في تعنته الأعمى ضد شعبه، ويرفض ما يسميه بالتدخلات في الشؤون الخارجية، ووجوب اعتماد خطط بديلة.
 
· وجوب الاحتياط والحذر، ووضع خطط استباقية احترازية، من شأنها العمل على تقديم المساعدات والإغاثات في حال توقيع عقوبات عسكرية من قبل مجلس الأمن والأمم المتحدة ضد النظام السوري، وما قد تحدثه من تفاقم الوضع الإنساني المتردي وتعقيده على الشعب السوري.
 
· وجوب التآلف والامتزاج والتعاون بينالمؤسسات والهيئات والشخوص المانحة في منطقة الخليج العربي؛ باعتبارهم من أهم المانحين الخيرين في منطقة الشرق الأوسط والعالم، لوضع استراتيجيات خيرية واضحة وفق القوانين والأعراف الدولية، تعمل على تسهيل العمل الخيري في كافة الظروف، خاصة وأن المنطقة تحيط بها الكثير من الأحداث التي تهدد الإنسان فيها، ولأن منطقة الخليج بمؤساساتها وإسلامها وأهلها هي من أكبر الآمال والرواد في مساعدة البشر وانتشالهم من أزماتهم، ولا شك أن الإسهامات الخليجية الخيرية حول العالم قد برهنت على ذلك، فكيف ومصابنا الكبير في الشعب السوري العربي المسلم؟!