نشر ثقافة التبرع بالدم - الضرورات والآليات
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 4103 زيارة ) .
التصنيف :التطوع
 
التبرع بالدم من الصور الإيجابية التي تحث عليها وتدعمها المسؤوليات الأخلاقية والاجتماعية للإنسان المعاصر، ويعزز ضرورات الحث عليها  والدعوى إليها الدواعي الطبية والعلاجية الطارئة والحرجة، التي تساهم  فيها إجراءات نقل الدم من الإنسان السليم إلى أخيه المريض بالنسبة الأكبر من الشفاء والتعافي.
 
حكمة إلهية
الحياة الإنسانية والسلامة الصحية من أكثر المجالات التي توليها المؤسسات العالمية والدول والحكومات اهتمامات تصل إلى درجة الأولويات المقدسة  التي لا يمكنها أن تنحيها جانباً، أو تقلل ميزانيات دعمها أو وسائل تمويلها ومشروعات الإنفاق عليها؛ فالإنسان هو الكنز الكبير والصناعة العظيمة التي تحتمي بها الدول، والتي تسعى للمحافظة عليه بكل أشكال الدعم والإمكانيات، فتعد لذلك المؤسسات الطبية العملاقة والمشافي الكبيرة، وتشرف على إعداد وتجهيز الكفاءات والكوادر الطبية المؤهلة، أو تستقدمهم من الخارج، ليكونوا تحت إمرة المرضى وفي خدمتهم، لمعالجتهم، والقضاء على معانتهم، وتهتم ـ أيضاً ـ بعمليات الصناعة الدوائية، والعلاجات والأمصال، ولكن من الطبيعي أن تتجلى الحكمة الإلهية في الجسد الإنساني، وفي  طرق وصور علاجه، فجعل الله ـ تجلت قدرته - علاج الكثير من الأمراض والحوادث التي يتعرض لها البشر يحتاج إلى دعم جسدي تطوعي من الجسد المعافى السليم إلى الجسد المريض المأنون، وهذا الدعم ـ بما يمثله ـ قد يكون في صورته البسيطة، وهي التبرع بالدم، الذي يمثل الغوث والمساعدة في التغلب على المرض، أو يساعد في الإنقاذ من الموت في أغلب الحالات التي تستدعي نقل الدم، قال تعالى:  (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). [سورة الذاريات، آية 21]. وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (.... كمثل الجسد الواحد). [رواه البخاري ومسلم]. بما يجعل المرء في حاجة دائمة لأخيه الإنسان أن يقدم له دعماً روحياً في حالات شدته، ودعماً روحياً  وجسدياً في حالات مرضه، حتى وإن كانت لديه القدرات المالية التي يستطيع بها العلاج والدواء، فسيبقى التبرع بالدم من أجله عملاً تطوعياً خيرياً يراد به وجه الله، حكمة الله، وإعجازه في خلقه.
 
ماذا يعني مفهوم ثقافة التبرع بالدم ..؟
هو صناعة الوعي، والإدراك اللازم والضروري الذي يساهم في صناعة متبرع يعلم يقيناً بأن هناك ضرورات إنسانية، ومزايا صحية، تجعله يؤدي هذا الدور الإنساني، دون أن يتأثر سلبياً أو صحياً، ويعتاد التبرع لصالح المرضى، ومن أجل مستقبله الصحي ومستقبل عائلته وأسرته، عبر الجهات المخول لها تلقي هذا النوع من التبرعات. وعملية صناعة الوعي هذه تتطلب تحالف جهات متعددة، كالمؤسسات الصحية، متمثلة في وزارات الصحة، ومستشفيات وطواريء الأطفال، والحروق، والأمراض المزمنة، والجهات والهيئات الأهلية التي  تدعمها أو ترعاها، وبنوك الدم، والمؤسسات الدعوية والإعلامية الرسمية والخاصة، واستخدام كل الوسائل التقليدية والمبتكرة من أجل التشجيع على إكساب الجماهير الوعي المناسب الذي يجعلهم متأهبين دائماً للتبرع من تلقاء أنفسهم، أو عبر المبادرات الإنسانية التي تتكرر من وقت لآخر من قبل الجهات التي تهمها المصالح الصحية والإنسانية والاجتماعية لأفراد المجتمع عموماً.
 
ضرورات التبرع بالدم
تتعدد ضرورات التبرع بالدم إلى العديد من الضرورات، نذكر منها:
 
1- ضرورات إغاثية:
لا شك أن أكبر الضرورات التي توجب على الإنسان أن يذهب إلى مراكز التبرع بالدم هي الحالات الطارئة والكارثية، والأمراض التي قد يتعرض لها الأقران وتهدد حياتهم، والتي يكون نقل الدم فيها للمريض والمصاب بمثابة الإغاثة والإنقاذ من أجل استعادة الإنسان حياته، التي قد تهلك لو لم يتم إغاثتها عن طريق نقل الدم، قال تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً). [سورة المائدة، آية رقم 32]. و "الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه", وليس هناك عون أو مساعدة أكبر من مساعدة الإنسان في استعادة صحته وحياته التي قد تهلك جراء الأمراض والحوادث.
 
2- ضرورات أخلاقية وإنسانية:
فعملية التبرع بالدم فضيلة تحث عليها مكارم الأخلاق؛ فهي قمة الوفاء، ومنتهى العطاء من الإنسان إلى أخيه الإنسان, فهي التزام من الالتزامات الأخلاقية، التي يجب أن يتحلى بها كل فرد مسلم، ويسعى أن يقوم بها من أجل بني جلدته ودينه, في أوقات الضرورة وغيرها، طالما كانت ظروفه الصحية تسمح بذلك، فالإنسان المسلم يلبي حاجة أخيه في كل الأوقات، فهو عونه وسنده الدائم, ولا شك أن نوبات المرض والوهن والحوادث، التي تستدعي حالات الإنقاذ والشفاء فيها إجراءات نقل الدم، هي التي تجعل المسلم صاحب الأخلاق والمروءة في طليعة المتبرعين من أجل إنقاذ إخوته ودعمهم، ولو بدمائه.
 
3- ضرورات اجتماعية واحترازية:
فالدم الإنساني مادة حيوية  من المواد التي تهب الحياة، مصدرها الوحيد هو عمليات التبرع الإرادي والاختياري، التي يقوم بها الأفراد من تلقاء أنفسهم لضرورات إنسانية علاجية وطبية، والضرورات الاجتماعية تحتم على الإنسان أن يتبرع من أجل أقرانه أو أفراد عائلته، أو من أجل طاريء قد يحيط به أو بأي من أحبائه ـ لا قدّر الله ـ في المستقبل, مع العلم أن الدم مادة لا تباع ولا تشترى، ولا تستورد، والضرورات الصحية توجب على المعافى أن يحترز لمستقبله، وأن يأخذ من قُوَّتِه لضعفه، ومن صحته لمرضه، ومن شبابه لشيبته وشيخوخته.. ولا شك أن بنوك الدم العربية والخليجية، بقدراتها العلمية التوثيقية، قادرة أن تضمن للمتبرع أن يحصل على الكميات التي قد تبرع بها ولو مَرَّت عشرات السنين.
 
4- ضرورات صحية وعلاجية:
تتعدد الضرورات الصحية التي تحتم على الأفراد أن ينتبهوا لضرورات التبرع بالدم، ومنها:
‌أ- استحالة أو صعوبة استيراد دم آمن من الخارج، فكل التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن إمدادات الدم الإنساني لا تكفي سوى 18% من سكان العالم؛ بما يوجب على السواد العظيم منهم أن يتلافى تلك المشكلة الكبيرة، ويسعى إلى تحفيزالتشجيع على التبرع بالدم.
 
‌ب-  تأكيد منظمة الصحة العالمية، وكافة الخبراء، بأن الدم من أكثر المواد الناقلة لعدوى الأمراض المهلكة، كالإيدز والأمراض الكبدية الوبائية وغيرها، وهنا تقع الخطورة الكبيرة لاستحالة استجلاب الدم السليم والآمن من الخارج, بل من شخص سليم ومعافى، تحت إشراف خبراء معتمدين من قبل وزارات الصحة وبنوك الدم في الداخل.
 
‌ج- الحالات الصحية الحرجة، التي قد يعاني منها المرضى ومصابو الحوادث، وتحتم على الجهات الصحية أن  تحث المتطوعين وتستجلبهم من أجل المساهمة في عملية الإنقاذ الإنسانية والأخلاقية، خاصة في أوقات النقص أو العجز في الإمدادات والمخزون بالمستشفيات وبنوك الدم.
 
‌د- استفادة المتبرعين والمتطوعين من إجراء الفحوصات الدورية، واكتشاف ما قد يطرأ على حالاتهم الصحية من وقت لآخر، مع العلم أن التبرع بالدم يستدعي أن يكون
المتبرع والمتطوع في حالة صحية آمنة، يقدرها الأطباء والخبراء، وفقاً للفحوصات الطبية الكاملة التي يجرونها للمتبرع قبل الإجراء في عملية سحب الدم منه، بصورة لا تؤثر إطلاقاً إلا بشكل إيجابي على صحة المتبرع, كما أن عملية التبرع بالدم من فرد واحد قد تساهم في إنقاذ أربعة مرضى على الأقل.
 
آليات نشر ثقافة التبرع بالدم وتفعيلها في منطقة الخليج والعالم العربي
1- اعتماد الضرورات السابقة ومثيلاتها كنقطة انطلاق يجب أن تحرك الحكومات والمؤسسات والجمعيات، وكل من يصلح أن يكون داعماً في المنظومة الخيرية، للعمل على تشجيع الشباب وكافة الجماهير من أجل إعلامهم بضرورات التبرع بالدم الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية والصحية، في عملية تعليمية وتثقيفية دائمة
وممتدة.
 
2- تكثيف الإعلانات عن مبادرات التبرع بالدم، التي تنادي بها المؤسسات الوطنية والإقليمية والمنظمات الدولية، كمنظمة الصحة العالمية، التي اعتمدت يوم (14) يونيو من كل عام  كيوم عالمي للتبرع بالدم؛ مما يساهم في إشراك الأعداد الكبيرة من المواطنين بمساهمة إيجابية في عمليات التبرع بالدم، وبصورة دورية في المستقبل القريب ـ كلما أمكن.
 
3- دعم المؤسسات الحكومية والأهلية، والشركات والكيانات الاقتصادية العملاقة في بلدان المنطقة، ودعوتها لتبني مبادرات سنوية للتبرع بالدم من أجل المرضى من الأطفال، وأصحاب الأمراض المزمنة، ومصابي الحوادث.
 
4- نشر ثقافة التبرع بالدم بين  الشباب البالغين من طلاب الجامعات؛ بإعتبارهم كوادر الأمة، وداعمها الأساسي في كل الاتجاهات والمجالات، لا سيما مجالات التبرع
بالدم، وحث الطلاب على المشاركة التطوعية في المجالات الصحية الخيرية المتنوعة، لا سيما مجال نشر التثقيف الميداني اللازم، من أجل المساهمة المجتمعاتية الواسعة في ميدان التبرع بالدم.
 
5- التوعية بالميزات الصحية والطبية التي يتمتع بها المتبرع، عن طريق مقالات طبية في الصحف والمجلات، ونشرات ومعلقات في مختلف الأماكن، يساهم فيها كبار
الخبراء، والأطباء، والمؤسسات والمنظمات الطبية.
 
6- نشر فروع ومراكز متكاملة لبنوك الدم الوطنية بكافة المدن والأقاليم؛ للتيسير على المتبرعين سبل الوصول إلى مبتغاهم، دون  إهدار الكثير من الجهد والوقت والنفقات.
 
7- اعتماد إرسال رسائل نصية عبر شبكات الاتصالات المعتمدة في  كافة الدول عن أهمية التبرعات، وضروراتها الوقتية، (كالنقص الكبير في الكميات الموجودة
بالمستشفيات وبنوك الدم)، وأماكن التبرعات،  وإرسال رسائل تفصيلية ونشرات دورية عبر خدمات البريد الإلكتروني والمواقع الإلكترونية المتعددة.