الكوارث وعلاقتها بالتطور السريع!!
19 مايو 2010 - 5 جمادى الثاني 1431 هـ( 462 زيارة ) .

تمر الأمم والدول بتحولات تفرض عليها في بعض مراحل النماء الإقدام على مشاريع تنموية يتم تنفيذها بشكل سريع لتلبية حاجات مجتمعيه لا تنتظر التأجيل. ودافع الحاجة قد يرافقه اختزال الوقت وتجاوز بعض متطلبات الدراسات المستفيضة التي تأخذ في الحسبان عوامل آنية ومستقبلية مثل نمو السكان وما يترتب عليه من خدمات صحية وتعليمية ومرافق عامة.
وقد شاهدنا في السنوات الأخيرة الكثير من الحالات التي كان بالإمكان تلافيها لو أن التخطيط والتنفيذ للمنجزات التي تمت خلال العقود الماضية، كان مدروسا بشكل وافٍ، ونفذ وفق معايير مجربة لضمان الجودة، مع تهيئة الكوادر الوطنية للتشغيل والإدارة.
هذه ثوابت يفترض أن تكون في مقدمة استراتيجيات برامج التنمية المستدامة، ولكن الحاجة الملحة فرضت علينا سرعة التنفيذ تحت ضغط ظروف معينة، دفعتها الطفرة المالية التي مرت بها المملكة نتيجة للقفزات السريعة في الدخل القومي بسبب ارتفاع أسعار النفط وتوفر موارد مالية كبيرة، ورغبة صادقة من القيادة العليا لتسخير تلك الثروة لتلبية حاجة المواطن في أسرع وقت ممكن مهما كانت التكلفة المادية. ولأن العنصر البشري المحلي والخبرة والتجربة العملية أيضا لم تكن متوفرة فقد كان الاعتماد على الخبرات المستوردة والعمالة الوافدة التي تقوم بالتنفيذ، من الأمور الحتمية التي فرضتها الحاجة لتلك المشاريع. وعندما تجد الدول نفسها في ظروف غير عادية فإن اجتهاداتها لتلبية حاجة شعبها تكون محفوفة ببعض أوجه القصور التي قد لا تظهر عواقبها إلا بعد سنوات طويلة.
* فالمال أتى فجأة بسبب عوامل اقتصادية وتحولات عالمية، وكان في ذلك بشائر نعمة حديثة رحب بها الجميع.
*والخبرة والمهارات كانت أيضا مستوردة بشكل سريع وبدون تمعن في ملاءمتها للبيئة المحلية،
*والعمالة استقدمت على عجالة بأعدادٍ كبيرة لضمان التنفيذ في أوقات قياسية ودوافع اجتماعية لا تحتمل التأخير رغبة في اللحاق بالدول المتقدمة في أسرع وقت ممكن.
وفي ظل تلك المعطيات لابد أن نراعي بأن جودة التخطيط والتنفيذ تحسنت مع استمرار الوقت، كما أن سقف متطلبات المجتمع وتطلعاته أيضا تغير وأصبح أكثر وأدق تفحصا لما يدور على الساحة، والمقارنة بما يحصل في دول أخرى سعيا للأفضل مقابل حجم الإنفاق على تلك المشاريع وتجهيزاتها.
ورغم القيود التي كانت تعيق التغطية الإعلامية في المرحلة الماضية، إلا أن دور الإعلام أخذ في التحسن...خاصة في السنوات الأخيرة... وأصبح من الأدوات الفعالة لتسليط الضوء على بعض الحقائق التي لم يكن أحد يجرؤ على ذكرها في الماضي. وقد شاهدنا ذلك بوضوح خلال تغطية أحداث الأمطار التي حصلت في جدة خلال موسم الحج الماضي، وأخيراً ما حصل في عاصمة البلاد – الرياض- والمناطق الأخرى من المملكة حيث كانت التغطية مكثفة وبدون قيود تحد من جرأتها.
ولعل ما شاهدناه خلال الستة الأشهر الماضية يجعلنا نفكر بجدية في إعادة النظر في الممارسات الإدارية على كل المستويات، ونركز على العمل المؤسساتي بدلاً من الأساليب القديمة التي أدت عملها بدرجات متفاوتة في الماضي واتضح أننا بأمس الحاجة لتجاوزها مثل : آليات اختيار القيادات التنفيذية اعتمادا على الثقة على حساب مراعاة الخبرة والكفاءات الأخرى، واعتماد المشاريع بدون دراسة مستفيضة تحدد التكاليف ومدة التنفيذ، والقدرة الاستيعابية حسب رؤية مستقبلية، وعدالة التوازن بين احتياجات المناطق من المشاريع وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذها.
كما يجب تحديد صلاحيات أمناء المدن بوضوح لسد الذرائع فيما يخص الضغوط التي تحيط بعمل البلديات وأوامر تطبيق المنح الكبيرة التي يجب النظر في إيقافها بالكامل وتخصيص المساحات المتبقية في أطراف المدن الكبرى لذوي الدخل المحدود لتمكينهم من بناء مساكن لهم ولأسرهم.
والسؤال الملح في هذه المرحلة: هل نستمر في مسألة الماضي بما له وما عليه على حساب المضي قدما إلى الأمام، والاعتراف بان النهج المؤسساتي هو السبيل الأمثل لتجنب تكرار سلبيات مراحل الطفرات الماضية واتخاذ الخطوات الضرورية للانتقال إلى مرحلة ما بعد الطفرات المالية، وانتشار العشوائية؟ إلى مرحلة أكثر شفافية، وأدق حزما في تطبيق الأنظمة حتى لا تتكرر الممارسات اللا أخلاقية؟
إن الكوارث التي حصلت في الفترة الأخيرة هي نواقيس خطر، منها ما هو خارج عن إرادة الإنسان، ومنها ما كان بالإمكان اخذ الاحتياطات الضرورية قبل حدوثها للحد من آثارها السلبية على مسيرة الوطن التنموية... والله من وراء القصد.