العمل الخيري وعولمة الحرب على الإرهاب
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1995 زيارة ) .
يحتل العمل الخيري مساحة كبيرة من أنشطة مؤسسات المجتمع المدني، سواء في العالم الإسلامي خاصة، أو الغرب بصفة عامة. ففي أمريكا و"إسرائيل" يطلق على العمل الخيري (القطاع الثالث)، وهو يحتل مساحة واسعة من نشاط مؤسسات المجتمع المدني في هاتين الدولتين؛ ففي "إسرائيل" حوالي 30 ألف جمعية تعمل في هذا القطاع، وفق إحصائية رسمية لعام 2003م. وبناءً على الإحصاءات الرسمية لعام 1995م، بلغ حجم الأنشطة التي أنجزها هذا القطاع 11 مليار دولار أمريكي، أي ما يساوي حوالي 13% من الناتج المحلي، ويعمل فيه ما يقرب من 145 ألف شخص بشكل رسمي، بالإضافة إلى 177 ألف متطوع، علمًا أن معظم إيرادات العمل الخيري "الإسرائيلي" تتدفق من القطاع الحكومي، وتبلغ ما يقارب 64% من حجم هذا القطاع.
 
وبخصوص القطاع الثالث بالولايات المتحدة؛ فيضم في إطاره 1.514.972 منظمة وجمعية، ويتم الترخيص يوميًّا لـ 200 جمعية تعمل في هذا المجال. وينتظم في هذا القطاع قرابة الـ 11 مليون نسمة، بينما تبلغ إيراداته حوالي 212 مليار دولار سنويًّا. ويعتبر الشعب الأمريكي من أكثر الشعوب تبرعًا للقطاع الخيري، وكمثال على ذلك وقفية (بيل غيتس) وزوجته (مليندا)، الذي يبلغ رأسمالها 24 مليار دولار.
 
هذه الحيوية والفاعلية رأينا مثلها، بل ما يفوقها، في المجتمعات الإسلامية؛ فقد لعب العمل الخيري دوراً كبيراً فى سد احتياجات هذه المجتمعات بعيداً عن التمويل الرسمي، ولكن ظلت تلك الجهود الخيرية تسير بصورة فردية إلى بدايات القرن الماضي. فمنذ بدايات القرن الماضي تطورت أساليب العمل الخيري، فلم تعد محصورة في دائرة الأفراد ومساهماتهم الشخصية للمحتاجين من الأقارب والأرحام والجيران وحدهم، بل امتد العطاء الإنساني إلى آخرين قد يكونون بعيدين عن دائرة الضوء التي يراها هؤلاء الكرماء الأسخياء. ولم يعد العمل الخيري مجرد جهود فردية مبعثرة هنا وهناك، بل صار نشاطا مجتمعياً واعيا، يستهدف رعاية (فئة) من فئات المجتمع لها احتياجاتها المتعددة التي لا تستطيع إمكاناتها الذاتية أن تفي بها، وذلك من خلال تنظيم العمل الأهلي والخيري عبر تجمعات منظمة استطاعت أن تستوعب مجالات العمل الخيري من رعاية الفقراء والمحتاجين، والاهتمام بالتعليم وذوي الاحتياجات الخاصة.. إلخ.
 
ومع الانفجار الهائل في وسائل الاتصال، والتي أحالت الكون الفسيح إلى قرية صغيرة؛  اتسعت دائرة العمل الخيري، لتتجاوز نطاق المجتمعات المحلية إلى الدائرة الإقليمية، التي ما لبثت أن اتسعت بدورها لتصبح دائرة العمل الخيري ممتدة إلى النطاق العالمي.. ورأينا وشاهدنا أمثلة حية للعمل الخيري المتجاوز حدود المكان الجغرافي أو الانتماء العرقي، ليبسط خيره على الفئات المستهدفة في أنحاء شتى من العالم.
 
من هذه الهيئات، التي تعدت حيزها الجغرافي، هيئة الإغاثة الإسلامية، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المصرية، وبيت التمويل الكويتي.. وغيرها الكثير والكثير من الهيئات والجمعيات التي أصبح لها دور على المستوى العالمى فيما يخص العمل الخيري.
 
ولكن لم تسلم مثل هذه الجمعيات من تربصات عالمية أزعجها مثل هذا النشاط الواسع للجمعيات الخيرية، هذا ما يؤكده الأستاذ الدكتور/ حامد أحمد الرفاعي
ـ عضو الهيئة الرئاسية للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة ـ بقوله: "هناك فعلاً تحديات كبيرة تواجه العمل الخيري الإسلامي، وهي في الواقع تعود لفترات سابقة لـ"11سبتمبر"، ذلك أن هذا العمل بدأ بالفعل ينافس المنظمات الخيرية العالمية، وتحديدا المنظمات التي تتخذ من العمل الخيري الإنساني غطاء للتبشير والدعوة لدين معين، ولعل ذلك هو ما يفسر الهجمة الشرسة التي يواجهها العمل الخيري الإسلامي اليوم، وإطلاق التهم عليه جزافا. وهنا نشير إلى أن ما يميز العمل الخيري الإسلامي عن غيره، وهذا يجب أن يكون واضحاً في أذهان القائمين على هذا العمل، أنه لا يخضع للاعتبارات السياسية أو الدينية؛ فهدفه إنساني أولا وقبل كل شيء، و يتلخص في التخفيف من معاناة الإنسان أيّا كان، بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو دينه؛ وذلك لتحقيق الأخوّة الإنسانية.
 
ونذكر هنا قصة "عمر بن الخطاب"  ـ رضي الله عنه ـ مع الكتابية التي أغاثها بعد أن تقطعت بها السبل، وأنقذها من هلاك محتوم، فلما رأى علامات الارتياح تلوح على قسمات وجهها حدثته نفسه بأن يدعوها للإسلام؛ لينقذها في الآخرة كما أنقذها في الدنيا، فعرض عليها الدخول في الإسلام، إلا أنه تفاجأ برفضها الشديد، وذكر عنه أنه فزع من هذا الموقف أشد الفزع، وظل يؤرقه طوال حياته؛ وذلك مخافة أن يكون قد مارس عليها إكراها في الدين.. وفي الإطار عينه كذلك نذكر موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الجنازة التي مرت عليه، فوقف إجلالاً لها، فهمس في أذنه أحد الحاضرين بأنها جنازة يهودي، فرد عليه بقوله: "أليست نفسا؟!". هكذا كان هدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته ـ رضوان الله عليهم ـ في التعامل مع الآخر، وفي العمل الخيري والدعوي بصفة عامة.
 
ومن ثم يجب الاقتداء بهم في هذا المجال. ونحن هنا لا نرفض أن يكون الهدف من العمل الخيري الإسلامي دعوة الناس للإسلام، لكن يجب ألا نربط هذا العمل بدخولهم في الإسلام؛ حتى لا نقع في الموقف عينه الذي نعيبه على الهيئات الخيرية الغربية والتبشيرية منها على وجه الخصوص.
 
وإذا كان هذا التضييق قد بدأ يصيب قطاع العمل الخيري قبل أحداث 11 سبتمبر، فإن أحداث 11 سبتمبر أدت إلى ظهور ما سمي حينها بالحرب على الإرهاب، والذي اتخذ جمعيات العمل الخيري الإسلامية هدفاً أمامه تحت غطاء ما أطلق عليه "سياسة تجفيف المنابع"، والتي اتخذت عدة محاور:
 
1- الضغط على الدول العربية والإسلامية لكي تقوم بتحجيم منظمات العمل الخيري، وفرض قيود صارمة على طريق عملها، خصوصا في جمع التبرعات والتحويلات المالية.
 
2- التحرك من خلال النظام المالي الدولي، والذي تملك الدول الغربية جميع مفاتيحه؛ وذلك لمنع أو إبطاء وتيرة تحويل المساعدات من المجتمعات المانحة إلى المحتاجة.
 
3- استخدام المحافل الدولية ،مثل: الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن، أو الاتحاد الأوروبي، لإصدار قرارات تجرّم العديد من الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية وبعض رجالات العمل الخيري".
 
وعن حجم الضغوط الغربية لمحاصرة العمل الخيري في منطقة الخليج، والذي تعتبره الولايات المتحدة المصدر الأول لتمويل القاعدة وأنشطتها، يحدد محمد الراشد ـرئيس لجنة الإغاثة بجمعية إحياء التراث الإسلامي، (وهي من الجمعيات التي تعرضت لتضييق بالغ عقب أحداث 11 سبتمبر)، نوعية الضغوط التي يتعرض لها العمل الخيري (حوار بمجلة الفرقان الكويتية 7/8/2010):
 
· اتهامه بوجود علاقة بينه وبين الإرهاب.
· محاولة إجبار الجهد الخيري على التخلي عن ربط الدعوة بالإغاثة.
· التضييق على مناشطه الدعوية خارج البلاد.
· التضييق على التبرعات والتحويلات المالية للمؤسسات الإسلامية.
· الهجوم اليهودي، متمثلاً في وسائل الإعلام، التي تهدف إلى تزييف الحقائق إزاء العمل الخيري الإسلامي.
· الحملة العلمانية والليبرالية التي يقودها مجموعة من الكتّاب في منطقة الخليج بالذات، ويريدون من خلالها تصفية العمل الخيري الدولي، متذرعين بحجج واهية، يقصدون من ورائها تقويض العمل وتصفيته، حيث نادى بعضهم بإغلاق بعض المؤسسات الخيرية؛ زاعماً أنها استـنفدت الغرض من قيامها.
 
ورغم انحسار موجات العنف وتهديدات تنظيم القاعدة للمصالح الغربية إلا أن النظام العالمي، بقيادة الولايات المتحدة، ما زال يتخذ من أحداث الحادي عشر من سبتمبر تكأة لفرض مزيد من التضييق على نشاطات الجمعيات الخيرية التي تتجاوز حدود المكان، وتسهم بأنشطتها الخيرية العالمية فى إنقاذ ملايين المسلمين من الوقوع فريسة في أيدي المنظمات التنصيرية تحت ضغط الجوع والعوز، وهي مصالح عليا يجب على هذه الجمعيات المحافظة عليها بشدة، وذلك من خلال اتخاذ العديد من الخطوات
الإجرائية على أرض الواقع، ومنها:
 
· اتخاذ العديد من التدابير الإدارية التي تسمح بمزيد من الشفافية حول طرق تلقي تمويل هذه الجمعيات وأوجه الصرف المختلفة.
· القيام بمزيد من التنسيق مع السلطات المحلية التي تملك قنوات الاتصال الخارجية، والتي تمكنها من شرح أهداف وغايات هذه التنظيمات الخيرية.
· التنسيق مع جماعات الضغط الداخلية في المجتمعات الغربية لشرح طبيعة هذه التنظيمات الخيرية؛ حتى لا يترك المجال مفتوحاً أمام المنظمات الصهيونية لتأليب الرأي العام الغربي على منظمات العمل الخيري الإسلامية، فعلى سبيل المثال قامت الندوة العالمية للشباب الإسلامي عقب أحداث 11 سبتمبر بفتح قنوات اتصال مع جمعية أصدقاء المؤسسات الخيرية في الولايات المتحدة وأوروبا (FOCA)؛ وذلك  لشرح الصورة الحقيقية للجمعيات الخيرية الإسلامية؛ مما حدا بـ "وندل بيلو" ـ رئيس الجمعية ـ لأن يصرح أنه:
"قبل الحادي عشر من سبتمبر لم يكن هناك اهتمام بالإسلام والمؤسسات الإسلامية الخيرية، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر بدأ الاهتمام الكبير بالإسلام والمسلمين، وبدأت الاتهامات الخطيرة توجه إلى المسلمين، بل وإلى المساجد في أمريكا". وقال ـ أيضاً ـ حينها:
"إن تحديات كثيرة واجهت المسلمين بصفة عامة، والسعودية بصفة خاصة، بعد هذه الأحداث العاصفة، وعلى وجه الخصوص المؤسسات الإسلامية، وبدأت تنشر الكثير من المواد المغرضة والمضللة عن الإسلام؛ ولذلك برزت الحاجة إلى تصحيح الصورة الإسلامية، وكان لا بد من دور مهم للصحفيين والإعلاميين وصناع الرأي العام في هذا الأمر، وظهرت الحاجة ملحة للوصول إلى الرأي العام، وكذلك إلى صناع القرار، وأعضاء الكونجرس الأمريكي؛ بهدف تقديم الصورة الحقيقية والمعلومات الصحيحة، وإيجاد نوع من الشفافية في نشر المعلومات".
 
ومن هنا، فإن عولمة الحرب على الإرهاب عقب الحادي عشر من سبتمبر، والذي أصاب العمل الخيري بضرر بالغ، تحتاج إلى مزيد من الجهد والتواصل حتى يمكن تخطي هذه الصعوبات؛ من أجل مواصلة هذه الجمعيات لنشاطها الذي يتعدى حدود المكان، ويصل خيره إلى المحتاجين الفقراء من المسلمين في أنحاء شتى من العالم.
 
 
 
 
 
بواسطة : سمير العركي