التعليم العالي وهذا التخصص
3 أبريل 2010 - 18 ربيع الثاني 1431 هـ( 1386 زيارة ) .

أعتقد أنّ الكثيرين يتفقون معي في أن العمل الخيري والتطوعي من أهم الوسائل التي تجعل العالم مكاناً أفضل للعيش والحياة، ومن هنا تنبع أهمية أن يكون هذا العمل أكثر احترافية وكفاءة، مع انتشار المنظمات غير الربحية (القطاع الثالث) في العالم وقيامها بدور كبير ولافت في مساعدة الجهد الحكومي في مجالات واسعة من الميادين المرتبطة بالعمل الخيري والاجتماعي.


وشهدت الأوقاف والمؤسسات الخيرية التي تندرج تحت اسم المنظمات غير الربحية نمواً كبيراً، وأصبحت تشكِّل أحد أضلاع مثلث التنمية في العالم، ونجحت في بناء صورة ذهنية إيجابية نتيجة عملها الدؤوب لمد يد العون لكل محتاج.


ومع هذا الانتشار باتت الحاجة ملحة لتنظيم إدارة المنظمات غير الربحية، خاصة مع احتلال الموارد البشرية مكان الصدارة بين الموارد التي تحتاج إليها المنظمات غير الربحية للنجاح في تحقيق أهدافها الإنسانية النبيلة؛ وهو ما دفع إلى ظهور حقل أكاديمي متخصص في هذا المجال؛ حيث اهتمت كليات إدارات الأعمال في أشهر الجامعات الأجنبية بإنشاء أقسام متخصصة في إدارة المنظمات غير الربحية، ومنح درجتي الماجستير والدكتوراه في هذا التخصص؛ ما أوجد جيلاً من المهنيين المتخصصين في إدارة هذه المنظمات انتقلت معها إدارة هذه المؤسسات من الهواية إلى الاحتراف.


وأصبح المجال متاحاً للقائمين على إدارة هذه المنظمات لصقل الخبرة بالدراسة الأكاديمية المتخصصة؛ ما يتيح لهم خيارات واسعة من الوسائل الفنية التي يمكن تطبيقها للاستفادة القصوى من موارد المنظمات غير الربحية التي تتسم بالشح.


وانطلاقاً من أهمية الجمع بين الخبرة والتخصص الأكاديمي أتوجه بالدعوة إلى معالي وزير التعليم العالي لاتخاذ خطوة تجعل المملكة سباقة - كما هي دوماً - بإدخال تخصص إدارة المنظمات غير الربحية في الجامعات السعودية، بإنشاء أقسام لهذا التخصص بكليات إدارة الأعمال، هذا من جانب، وتحديد عدد من المقاعد في برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي لدراسته، هذا من جانب آخر، وهو ما سينعكس إيجاباً على العمل الخيري والتطوعي في مملكة الإنسانية؛ نظراً إلى كثرة الجمعيات الخيرية والرغبة في العمل التطوعي الذي يتمتع به أبناء الشعب السعودي، وإيجاد كوادر سعودية متميزة لإدارة المنظمات غير الربحية بأشكالها كافة كما حققت التميز في مختلف المجالات.


إنَّ إيجاد مثل هذا التخصص في الجامعات السعودية سيخرج أكاديمياً ملماً بالفكر الإداري، ولديه فلسفة ورؤية تمكنه من فَهْم الظاهرة والوضع الراهن، ووضع تصورات مستقبلية لما ينبغي أن يكون، تجعله أكثر قدرة على فَهْم عمل المنظمات غير الربحية وأهدافها ومشكلاتها، ومن ثم التعامل معها وإيجاد معالجات وحلول باستخدام طرق البحث العلمي والتفكير النقدي.


ويجب أن ترتكز على عدة محاور، منها التطوير التنظيمي، التخطيط الاستراتيجي، التغير الاجتماعي وإيجاد المصادر التمويلية واللازمة لتحقيق أهداف المنظمات غير الربحية.


وأعتقد أن وجود مثل هذا التخصص أصبح ضرورة ملحة يضمن بقاء واستمرار الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية من خلال الحلول العلمية والعملية المتكاملة لبناء القدرات الذاتية للمنظمات غير الربحية وتأهيل مسؤوليها لتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها ومعالجة المشكلات الاجتماعية التي تصدت لها، خاصة أن بيئة العمل في المنظمات غير الربحية تعاني من بعض المشكلات، على رأسها عدم وجود الكوادر المؤهلة والمتفرغة لإدارة هذه المنظمات؛ فالعمل يغلب عليه عدم الاحتراف.


إننا في حاجة إلى تطوير بيئة العمل التطوعي وإيجاد ثقافة الإبداع والتطوير، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تطوير الموارد البشرية والارتقاء بها فكراً وميولاً وسلوكاً عن طريق الدراسة والخبرة، وهو ما يفترض أن يقدمه هذا التخصص الذي ندعو إليه.