التخصص: تركيز في العطاء.. واتقان في الأداء (2-2)
17 مارس 2010 - 1 ربيع الثاني 1431 هـ( 332 زيارة ) .

أشرتُ في الأسبوع الماضي إلى أن التنازل عن بعض الخدمات التي تقدمها جمعيات البر والجمعيات الخيرية بكل أنواعها يحتاج إلى قدر من الشجاعة، لاسيما وأن المؤسسة أو الجمعية -سمّها ما شئت- هي أدرى بمكامن الضعف والقوة، وبالتالي فإن التنازل لغيرها من قائمة الخدمات العديدة التي تقدمها، فيه تخفيف من الأعباء وإتاحة الفرصة لتقوية الآخرين في مجالات محددة لتقديم خدمات أفضل، وأُضيف إلى ما قلته بأنه حتى خيار الاندماج ينبغي أن يكون حاضرًا في أذهان الغيورين من العاملين في المؤسسات الخيرية.
وأريد بعد ذلك أن ألفت الانتباه إلى ما يحدث عند إصدار السجلات التجارية فترى في سجل الأفراد أو المؤسسات والشركات أشكالاً من التخصصات منصوصًا عليها في السجل، ومسموحًا لصاحبها بممارستها مثلاً: تجارة الجملة والقطاعي، استيراد وتصدير، تشغيل وصيانة، مقاولات، عقارات... إلخ. السؤال: هل يجوز تعدد المناشط في شركة أو مؤسسة واحدة؟ أليس من الأنسب العناية بالتخصص والتركيز على نشاطين أو ثلاثة كحد أقصى ووفق ضوابط محددة. مثال آخر في المجال الطبي، فقد لوحظ أن بعض أطباء العظام يروّجون لأنفسهم، وكأنهم متخصصون في العمود الفقري، والكتفين، والورك، والقدمين، والركبتين... إلخ في الوقت الذي يعرف الجميع انه من الصعوبة بمكان أن يتخصص في كل ما ذكر، أمّا أن يكون لديهم إلمام ببعض هذه التخصصات فالأمر مستساغ، وبعض الأطباء في العالم الثالث يستخدمون بعض العبارات التي توحي بتخصصهم، وهم غير متخصصين أصلاً، ويندرج هذا الأمر حتى في طريقة كتابة اللقب العلمي الذي يشبه إلى حد كبير الطريقة التي يلجأ إليها بعض ضعاف النفوس من التجار عند رغبتهم في الإعلان عن التخفيضات في محلاتهم، فيكتب تخفيضات 40% بخط كبير جدًا، وكلمات صغيرة يصعب قراءتها (تصل إلى)، والفرق بين الطبيب والتاجر أن الطبيب في عنقه القسم الذي أدّاه، وبعض التجار ليس لديهم الوازع الخلقي ليردعهم.
ومن مظاهر الأذى والهدر الذي يحدثه عدم التخصص ما نراه في القضاء، ومرافقه المختلفة، حيث يتعذّر أن يعنى نفس القاضي بقضايا الأحوال الشخصية بكل فروعها، وقضايا الحقوق العامة، وقضايا الأوقاف المختلفة والجنايات، وغيرها من القضايا المتنوعة، ولقد تم فصل قضايا العمل، وقضايا المنازعات التجارية، وقضايا الأوراق المالية في الماضي القريب، ويحدونا الأمل أن نرى ثمار مشروع الملك عبدالله لإصلاح القضاء، وما نعلّق عليه من آمال، وقد جعل مهمة التخصص فيما ينظر من قضايا في سلم أولويات هذا المشروع، وأن يتزامن هذا مع دورات تأهيلية للقضاة، وسيرفع هذا الأمر عن الناس معاناتهم ويقلل من بعض الأخطاء التي يقع فيها القاضي ربما من غير قصد. والله من وراء القصد.