متى يكون التدخل الإنساني فاعلا لمواجهة مجاعة الصومال؟!
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 2196 زيارة ) .
يثير تواصل الحديث عن المجاعة في القرن الإفريقي بعامة، والصومال بخاصة، قضية مهمة للغاية، ألا وهي التدخل الإنساني الذي لا يتم إلا عندما تزكم رائحة الموت الأنوف؛ لكثرة الضحايا من البشر والماشية، وتملأ صور الأطفال، الذين أنهكت أجسادهم الهزيلة شاشات التلفزة؛ بسبب سوء التغذية، وتصدر بعض المؤسسات الإنسانية شارات الإنذار لوجود الملايين من الناس في دائرة الخطر، بينما كان المفترض أن يكون هذا التدخل قبل ذلك، حيث تقلّ أثمانه، ويمكن بواسطته تفادي كارثة إنسانية  كبيرة أو التخفيف من آثارها بصورة ملحوظة.
 
فالجفاف، وما ينجم عنه من ندرة في الغذاء الإساسي وارتفاع في قيمته بالتالي،  مسألة مزمنة في الصومال والقرن الإفريقي منذ عقود خلت؛ بسبب انحباس المطر والظروف المناخية .. وكان بالإمكان، في ضوء الاستفادة من الدروس السابقة لمثل هذه المجاعة التي تكرر وقوعها وعرفت مسبباتها، الاستثمار في الوقاية منها ـ كما يقول الخبراء ـ ومساعدة الناس كي يصبحوا أكثر قدرة على مواجهة الدورات المتكررة من الجفاف قبل تكرار وقوعها، ويضربون على ذلك أمثلة، منها: " مساعدة المزارعين على إيجاد خيارات بديلة لكسب العيش، أو تعليمهم زراعة محاصيل مقاومة للجفاف"؛ لأنه "يعتبر أكثر فعالية بكثير من تقديم المعونة الغذائية بعد فشل الحصاد".
 
ولمعرفة الفارق في التكلفة بين الوقاية التي تسبق عمليات وقع الكارثة (المجاعة في وضع القرن الإفريقي حاليا) ومرحلة التدخل الإغاثي العاجل بعد وقوعها، ينقل تقرير لشبكة الأنباء الإنسانية عن محمد مخير، الذي يرأس وحدة الحد من مخاطر الكوارث في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، قوله: "لدينا أدلة دامغة، من بينها أدلة من إفريقيا، على أننا لا نحتاج سوى لـ [6.2 دولار] للفرد سنويا من أجل بناء القدرة على المجابهة... فإذا نظرت إلى الاستجابة للطوارئ وعمليات الطوارئ، ستجد أنك قد تحتاج إلى  [250 دولارا] لكل فرد من أجل تقديم مساعدات الإغاثة لفترات تتراوح بين ثلاثة أو أربعة أشهر فقط".
 
وفي الاتجاه نفسه، قال الباحث في معهد التنمية البريطاني (سيمون ليفين): إن  "التدابير التي كان بإمكانها إبقاء الحيوانات على قيد الحياة - لتوفير الحليب والدخل لشراء المواد الغذائية - كانت ستصبح أرخص بكثير من إطعام الأطفال المصابين بسوء التغذية. ولكن الوقت المناسب لذلك قد مر، والاستثمارات في هذا المجال (قبل التحذير من الكارثة ) كانت ضئيلة للغاية".
 
وإذا كانت الدول (كجهات مانحة) أو المنظمات الدولية الغربية تقصرّ في  جانب الوقاية من المخاطر؛ بسبب أن التركيز الإعلامي لا يكون بنفس الدرجة التي يكون عليها الحال عند الاستجابة للكوارث، أو لرغبتها في إثبات تأثير استجابتها بصورة جلية، والذي يكون أكثر وضوحا عند وقوع الكوراث، فإنه يفترض ألا يكون ثمة عذر للمنظمات الإنسانية العربية والإسلامية في ذلك؛ لأن الدوافع الأخوية والعقدية وعلاقات الجوار هي الناظم لتحركها الإنساني وتقديم مساعدتها لدولة مثل الصومال.
 
ولأننا نعيش في قلب المأساة الآن؛ فإنه ينبغي على هذه المؤسسات الخيرية والإغاثية الإسلامية، التي تطلق حملاتها الإغاثية، وتوفد مبعوثيها لمنطقة الحدث، خلال الفترة الراهنة أن تسير في خطين متوازيين: الأول: تقديم المعونات الغذائية وغير الغذائية العاجلة، والآخر: تنفيذ مشاريع الاستدامة طويلة الأجل، كإنتاج المحاصيل بطرق ذكية تتناسب مع ظروف المناخ، وتربية الماشية والأسماك، والحفاظ على الغابات التي تمكّن جميع الأشخاص من الحصول على التغذية التي يحتاجون إليها على مدار العام، كما جاء في تصريحات للأمين العام للأمم المتحدة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن.
 
ومثلما انتقل العمل الإنساني من مربّع الرعاية إلى مربّع التنمية في السنوات الأخيرة، وصار يعمل على الارتقاء بقدرات الأفراد القادرين على العمل ليتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم معيشيا، من خلال تمويل المشاريع الصغيرة المدرّة للدخل، وإقامة المشاريع لصالح المجتمعات الفقيرة، التي من شأنها إحداث أثر تنموي  فيها لصالح سكانها أيضا، فإن على العمل الإغاثي المستنير التركيز على بناء القدرة على تفادي حدوث أزمات مماثلة في المستقبل؛ لأن الوقاية خير من العلاج دائما.
 
ربما يقول البعض إن هذا الكلام ليس وقته، أو يأتي في غير محله الآن؛ بسبب حجم الضحايا، وضرورة أن تنصبّ الجهود بسرعة وفاعلية على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح تتخطفها يد المجاعة من كل حدب وصوب.. لكن رأيي هو على النقيض من ذلك تماما؛ لأننا تعودنا أن نكون منفعلين لا فاعلين،  وألا نتحرك إلا عندما (تقع الفأس بالرأس) وتتفاقم المشاكل ـ كما يقال ـ، لنكتفي بتقديم الحلول الإسعافية بعيدا عن التخطيط المستقبلي والعلاج الذي يستأصل المشكلة من جذورها،  أو الإفادة من التجارب السابقة، مع التأكيد على أن دعوتي لا تعني بحال من الأحوال أن نغفل عن واجب الإغاثة العاجلة بالطبع.