تأملات في جهود العمل الإغاثي الإسلامي
7 مارس 2010 - 21 ربيع الأول 1431 هـ( 635 زيارة ) .

تأملت العمل الإغاثي في عالمنا العربي والإسلامي، وقد شرفت بالعمل في هذا المجال لبعض الوقت, فتألمت.
ووجدت أن هناك آراء وأفكارًا مهمةً لا بد من طرحها، إما للعمل بها أو للنقاش حولها من أجل الاتفاق عليها أو على بعضها، وتلك أضعف الإيمان.
لا بد أن نقر أن العمل الإغاثي العربي، والذي بدأ منذ عقود قليلة كان عبارة عن تجارب ناجحة لبعض الأشخاص والمؤسسات؛ هو عمل ناشئ إذا ما قورن بالعمل الإغاثي المؤسسي في الأمم الأخرى خاصة في الغرب، وكما نجحت تجربة العمل الإغاثي العربي فقد أخفقت أحيانًا فلا بأس من طرح هذا العمل للنقاش والتقويم.
وللحديث عن العمل الإغاثي لا بد من الحديث عن الأفراد والمؤسسات وأنواع الإغاثة.
أولاً:
العامل في مجال الإغاثة لا بد أن يغلب على شخصيته الجانب الإنساني، وأن ترقى هذه الصفة لتعلو فوق كل اعتبار آخر مثل رأيه الشخصي وأيديولوجيته، ورب قائل يقول إن لكل الهيئات الإغاثية الدولية أجندة أو خلفية فكرية أو أيديولوجية أو حتى عقائدية، وهم لا يعتبرون ذلك عيبًا أو خطيئةً، فلماذا يحرم علينا نحن أن نكون مثلهم, قد يكون هذا الكلام صحيحًا في جزء منه، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد الصليب الأحمر الدولي والصليب الأخضر النرويجي ومجلس الكاثوليك الإغاثي، وغيرها كثير من الهيئات التي تضمها مجالس تنسيق لترتيب أعمالها الإغاثية في الكوارث المختلفة وفق أجندتها، وعندنا نحن العرب نجد الهلال الأحمر في العديد من الدول، ونجد الإغاثة الإسلامية وغيرها من المؤسسات التي تنضوي تحت مجلس تنسيقي هو المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة يرأسه شيخ الأزهر، فلا توجد مشكلة في ذلك، ولكن الجدير بالطرح هنا أن الإنسان الذي يعمل في مجال الإغاثة والكوارث الإنسانية لا بد أن يغلب عليه الطابع الإنساني في المقام الأول، والرغبة في مساعدة الآخرين، وأن يكون حب الخير للبشر جميعًا هو الدافع له، والمؤثر عليه من أجل القيام بكل الأعمال الإنسانية النبيلة التي يقوم بها، بل لا أبالغ إذا قلت إن أيديولوجيته أو عقيدته لا بد أن تطلق فيه هذه الطاقة الإنسانية الجبارة التي تسع الآخرين، وتجعله يتفانى في خدمة البشر أجمعين، والعمل على تخفيف معاناتهم، دون النظر إلى لون أو عرق أو جنس، فلا بد للعامل في مجال الإغاثة أن يكون فارسًا نبيلاً يعطي بلا حدود.
لذلك أرى أن الخلط الخاطئ أو الدمج النكد الذي يقوم به البعض؛ سواء بقصد وسوء نية أو بسذاجة، وجهل بين الإغاثة والسياسة هو أمر غير محمود وغير مقبول، فلا بد من فصل كلا الأمرين عن بعضهما، وذلك حتى لا تفسد الإغاثة وحتى تستقيم السياسة, فالإغاثة تضار كثيرًا إذا دمجت بالسياسة، والسياسة قد تستفيد وقد لا تستفيد من العمل الإغاثي الإنساني بحسب الأحوال والمواقف, يجب أن نقرر أن العمل الإغاثي عمل إنساني فطري ثابت ونبيل، والعمل السياسي متغير دائمًا يتقلب تقلب الماء الساخن في القدر، فلا يصح أبدًا أن يتم دمج هذا بذاك.
ثانيًا:
الهيئات الإغاثية الإسلامية والعربية لها دور محمود وراقٍ على المستوى الدولي يشرف كل عربي, وقد قدمت نماذج إغاثية عربية فذة، تعلو فيها القيم الإنسانية النبيلة فوق كل اعتبار، وجدير بهؤلاء أن يلقوا التكريم اللائق بهم يومًا ما، ولكن لي وجهة نظر أن هذه الهيئات قد ركزت على نوع واحد فقط من العمل الإغاثي وتركت باقي المجالات، فالمعروف أن مجالات العمل الإغاثي متعددة، فهي تشمل الإغاثة العاجلة؛ حيث تكون الكوارث الإنسانية الكبرى مثل الزلازل والفيضانات والحروب الدامية، وفي هذا النوع تقوم الإغاثة بتوفير مقومات الحياة الأولية لضحايا تلك الكوارث من مأكل ومشرب ومأوى عاجل في صورة مخيمات مثلاً مع توفير الإسعافات والأدوية لعلاج المرضى والجرحى في حالة الحروب.
وقد ركزت الهيئات العربية والإسلامية في هذا النوع بامتياز، وكأن العرب لا يعملون إلا في الأجواء الساخنة والملتهبة، وأن الكوارث هي التي تحركهم فقط.
وأما النوع الثاني فهو الإغاثة المستدامة وفيه تقوم الهيئات بعمل برامج تأهيل نفسي واجتماعي واقتصادي لضحايا الكوارث؛ بحيث ينهضون بأنفسهم ومجتمعاتهم مرة أخرى، وتقوم بالمساعدة على إنشاء وضع دائم ومستقر يوفر لهم المقومات الرئيسية للحياة بصورة دائمة، كمسكن دائم ونظام صحي وتعليمي واجتماعي مستقر, وقد قدم عدد من الهيئات الإغاثية العربية والإسلامية بعض الجهد في هذا المجال، وغفلت عنه معظم الهيئات, ونسوا أو تناسوا أنه خير لك من أن تعطي المحتاج سمكة أن تعلمه كيف يصطاد، وغلب على تلك الهيئات قصر الأمل، وكأنه كتب علينا نحن العرب ألا نقوم بالأعمال التي تحتاج إلى النفس الطويل.
أما النوع الثالث: والذي لم يتطرق إليه مع الأسف الشديد معظم تلك الهيئات؛ فهو دورها في التنمية, فلا بد أن يكون لها دور تنموي فاعل في المجتمعات والبلدان التي تتواجد فيها، وأن يكون هذا الدور جزءًا رئيسيًّا من عملها، وأن تضعه على سلم أولوياتها، كما يجب عدم وضع العراقيل أمام الدور التنموي للإغاثة، فلا يعقل أبدًا أن يكون لهذه الهيئات دور فاعل على المستوى الإقليمي والدولي، ولا يكون لها دور أكبر أو حتى مكافئ على المستوى المحلي والوطني، وحتى لا توصم تلك الهيئات بأنها مثل القرع يمتد للخارج، وإذا فعلت تلك الهيئات دورها التنموي تكون قد حققت توازنًا مطلوبًا، وقامت بشتى أنواع العمل الإغاثي من إغاثة عاجلة ومستدامة وتنموية، وتكون قد أدت حق المجتمع عليها؛ فله الحق في أن ينعم ويستفيد من وجود تلك الهيئات، وهو الذي قدَّم لها الدعم والرعاية, أضف إلى ذلك أن العمل الإغاثي التنموي سوف يصب في توفير فرص ومجالات عمل جديدة من جهة، ومن جهة أخرى سوف يضمن لها مصداقيتها، واستمرار المجتمع في دعم أنشطتها.
أخيرًا.. أختتم بقول الحكيم: لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسيطًا، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء؛ لذا كانت هذه أفكار أرجو أن تجد سبيلها في التطبيق، فهي نتاج خبرة قليلة من العمل في هذا المجال، آثرت أن أطرحها لعل فيها الأمل والخير لنا جميعًا, آملاً أن يتسع صدر الجميع للنقاش حولها.