المساعدات الخيرية..إغاثية تفتقر لمشاريع تنموية
28 فبراير 2010 - 14 ربيع الأول 1431 هـ( 1022 زيارة ) .

المساعدات الخيرية..إغاثية تفتقر لمشاريع تنموية


"تكافل":الأزمة المالية الخانقة شلت مشاريع البرنامج


"الإسلامية": نقدم المساعدات حسب طلب الجهات الداعمة


"شارك": فشل بعض المشاريع لعدم توفر المهارات التسويقية


اقتصادي: المشاريع التنموية تساهم في معالجة البطالة

 

سارعت أم أيمن جبر لتتخذ لها مكانا وسط الزحام أمام احد أفرع المؤسسة الإغاثية CHF في شارع الجلاء والعرق يتصبب من وجهها لتستلم كابونتها الإغاثية التي حصلت عليها.


اتكأت الحاجة جبر على عصاها ساحبة أوراقها الثبوتية من جيبها لتمدها إلى موظف الجمعية، وبعد التأكد من شخصيتها وقع لها لتأخذ كيس الطحين وقليلا من الأرز وبعض المعلبات , ثم سارعت بالمناداة على حفيدها لحمل ما جلبته لأفراد أسرتها.


"الرسالة نت " سلطت الضوء على تلك الظاهرة لمعرفة مدى حاجة المواطنين لتلك الجمعيات الإغاثية، وما هدف المؤسسات المانحة من وراء هذا الدعم؟ وهل تساهم المشاريع الصغيرة التي تقدمها الجمعيات المانحة للشباب في حل مشكلة البطالة؟.


قوت أبنائها


السبعينية أم أيمن تقول والحياء يكسو وجهها:"أحصل على بعض المساعدات من الجمعيات الخيرية وأساعد بها أسرة ابني الوحيد لأخفف عنه الأعباء فدخله محدود ولا يستطيع جلب كل ما يحتاجه أبناؤه".


أما أم محمود بارود فقد استقلت إحدى سيارات الأجرة متوجهة إلى الجمعية الخيرية التي تساعدها لجلب ما ينقص عائلاتها من احتياجات أساسية، فزوجها الأربعيني الذي أقعدته إصابته اثر وقوعه من الطابق الثاني أثناء عمله في احدى أبنية القطاع مما جعله يفقد مصدر دخله .


لم يكن أمام أم محمود سوى التجول من جمعية خيرية لأخرى علها تستطيع جلب قوت أبنائها الخمسة الصغار.


وتقول أم محمود لـ"الرسالة نت " ومعالم الأسى والشقاء مرتسمة على وجهها الثلاثيني:"اشعر بالخجل حينما اذهب لطلب المساعدة من الجمعيات الخيرية،ولولا الحاجة لما لجئت إليهم"،متمنية من إحدى الجمعيات مساعدة زوجها بمبلغ بسيط عله يستطيع أن يفتح دكانا صغيرا لإعالة أبنائه ويغنيهم عن طلب الحاجة.


ولم تكن أم محمود وحدها من بات يعتاش على المساعدات الغذائية بل ثمة شريحة كبيرة من أبناء القطاع يعتمدون على قوتهم اليومي من المؤسسات الخيرية المانحة،لاسيما بعد فرض الحصار الخانق واستمرار إغلاق معبر ايرز أمام عمال "إسرائيل" مما خلف شريحة كبيرة عاطلة عن العمل جعلت رقعة المؤسسات الخيرية تتسع لتقديم المساعدات العاجلة للأسر المحتاجة كالطرود الغذائية أو المساعدات المالية الرمزية.


من جانبه ذكر أمين عام الجمعية الخيرية الإسلامية بغزة نسيم ياسين أن خمسة آلاف أسرة تستفيد من المساعدات التي تقدمها الجمعية،وتقدم المساعدات الإغاثية العاجلة حسب طلب الجهات المانحة.


وبحسب ياسين فان شروط المتقدم للاستفادة من الإغاثة العاجلة التي تقدمها الجمعية أن يكون رب الأسرة عاطلا عن العمل ووضعه المادي ضعيف.


وحول المشاريع التي تقدمها الجمعية الإسلامية لتشغيل عدد من الأيدي العاطلة عن العمل أشار إلى أنها مشاريع زراعية وفي الثروة السمكية والحيوانية،بالإضافة إلى افتتاح بقالات ومخابز لتشغيل أرباب الأسر الفقيرة.


وكشف ياسين عبر "الرسالة" عن رفع الجمعية الإسلامية مشروعا للمؤسسات الإغاثية المانحة لتشغيل الأسر المستورة ،موضحا انه في حال تمت الموافقة عليه سيعطى كل رب أسرة خمسة آلاف دولار ليبدأ بالمشروع الذي يتقنه.


وقال ياسين :"سنضع الضوابط اللازمة لعدم فشل المشاريع لتلاشي الفشل الذي حققه أصحاب المشاريع السابقة لعدم خبرتهم الكافية في إدارة مشاريعهم التي اختاروها".


توقف برنامج تكافل


أبو احمد خلف "44" عاما  لدية ثمانية من الأبناء أربعة منهم يدرسون في جامعات القطاع حاله كحال آلاف العمال الذين أوصدت أبواب معبر ايرز في وجههم ،بعدما كان وضعهم المادي أفضل من موظفي القطاع رغم الشقاء الذي كانوا يلاقونه أثناء خروجهم للعمل ،إلا أنهم كانوا راضون عن دخلهم, على حد قوله.


ويقول متحسرا:" مدخراتي التي حصلت عليها من عملي داخل الاراضي المحتلة عام 48 أنفقتها على أبنائي طيلة العشر سنوات ،ولم يتبق أمامي سوى اللجوء للمؤسسات الإغاثية لتوفير كابونة تسد رمقهم".


وأضاف خلف :"لا أريد الكابونات الإغاثية المؤقتة بقدر حاجتي لمشروع صغير استطيع من خلاله الأنفاق على أبنائي "،مطالبا الجمعيات الخيرية بتوفير فرص عمل بدلا من تقديم الطرود الغذائية المؤقتة.


يشار الى ان برنامج " تكافل لتوفير فرص العمل" يقدم مساعدات خاصة بعمال "إسرائيل" , وكان هذا البرنامج قد انطلق في مارس 2008 بدعم من تجمع مؤسسات خيرية محلية وعربية عبر نظام تشغيل عمال عاطلين لمدة شهر واحد مقابل 200 دولار، كإغاثة طارئة في مواجهة معدلات البطالة القياسية في غزة.


لكن الأزمة المالية ونقص التمويل  تسببت في توقف برنامج تكافل الاغاثي لإعانة وتشغيل العمال العاطلين في قطاع غزة بعدما كان يعمل على مدار عشرين شهرا من انطلاقته.


وفي هذا السياق قال مدير عام البرنامج صلاح أبو عبدو:"استمرار الحصار الإسرائيلي الخانق وعدم استجابة الجمعيات الخيرية لإنقاذه من الإفلاس دفعنا إلى الإعلان عن توقفه وشلل أنشطته”.


وذكر عبدو أن البرنامج الذي يعد الأكبر من نوعه في دعم العمال الفلسطينيين يواجه أزمة مالية خانقة منذ عدة أشهر وصلت حد انعدام توفر أي تمويل بسبب نقص الدعم الخارجي و التشديد على نقل الأموال إلى غزة.


وأوضح أن البرنامج تمكن من تشغيل 41 ألفاً من العاطلين بمعدل ألفي عامل شهريا، وبموازنة إجمالية بلغت ثمانية ملايين ونصف دولار وبالاعتماد على تنفيذ مشاريع حكومية وأهلية تنموية مختلفة.


وحث مدير البرنامج الدول العربية والإسلامية ومؤسساتها الخيرية على استئناف دعم “تكافل” لاستئناف برامجه في تشغيل أكبر عدد من العمال الفلسطينيين العاطلين في ظل معاناتهم من البطالة والفقر المدقع.


المهارات التسويقية


يشار إلى ان وجود بعض المؤسسات الخيرية تمنح بعضا من الشباب فرصا لتحقيق مشاريعهم من خلال ما تقدمه لهم من رأس مال للبدء بتأسيس مشروع يمكنهم من فتح باب رزق لهم بدلا من الاعتماد على الغير.


الشاب عمر مسعود "22" عاما يطل على زبائنه من وراء "بترينة" عرض بداخلها مجموعة من الهواتف الخلوية والى الجانب منه طاولة يضع عليه بعض الجوالات التي يصلحها.


طرق مسعود جميع الأبواب عله يجد فرص عمل تتناسب مع تخصصه -صيانة الأجهزة الخلوية- الذي تعلمها في إحدى المراكز التدريب الصناعية بالقطاع لكنه لم يجد مؤسسة تشغله .


ويقول مسعود :"لجأت إلى المؤسسات الخيرية حتى وجدت ضالتي في إحداها حينما منحتني إحدى الجمعيات مبلغا ماليا استطعت من خلاله فتح محل لتصليح الأجهزة الخلوية "،مشيرا إلى أن محله بعد فترة من افتتاحه جلب له المال الذي مكنه من الإنفاق على إخوته الستة باعتباره المعيل الوحيد بعد وفاة والده.


وبالنسبة للمؤسسات التي تقدم منحا مالية التقت "الرسالة" مدير منتدى شارك الشبابي مهيب شعث فقد ذكر أن المنتدى نفذ ما يقارب الـ 58 مشروع خلال السنتين الماضيتين في قطاع غزة ،مشيرا إلى أن تلك المشاريع استهدفت الأسرة الفقيرة  معدومة الدخل عبر شبابها العاطلين عن العمل .


وعن كيفية تمويل المشاريع التي يقدمها المنتدى قال:" كل شاب تنطبق عليه المعايير التي وضعها المنتدى يقدم فكرة مشروعه ومن ثم ندرسها ونعد خطة اقتصادية لها بناء عليها يمول المشروع "،مبينا أن الشباب يخضعون لدورات تمكنهم من كيفية التسويق والتعامل مع الزبائن وتسجيل الأرباح اليومية للإيرادات لمعرفة مدى نجاح المشروع.


و نسبة رأس المال التي تمنح لصاحب المشروع تتراوح مابين 500 إلى 5000 دولار كما بين شعث، مضيفا: يدفع المبلغ بطريقة غير مباشرة من خلال وجود مراقب يشرف على شراء المواد التي يحتاجها المشروع ،وتبقى مدة المتابعة لستة شهور حتى ضمان نجاح المشروع.


وأوضح شعث أن 80 % من المشاريع التي استهدفت حققت نجاحا بسبب طبيعة المهارة الاقتصادية التي يمتلكها لصاحب المشروع.


ويعزو فشل بعض المشاريع لعدم توفر المواد الخام لاسيما بعد الحرب،بالإضافة إلى عدم وجود المهارات التسويقية ومتابعة الحسابات .


وبحسب شعث فان الإجراءات القانونية التي تتخذها المؤسسة بحق صاحب المشروع في حال عدم التزامه بالعقد هو استعادتها لرأس المال ضمانا لعدم سوء استخدامه.


الفقر والبطالة


ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين في قطاع غزة أن المساعدات الغذائية لا تعتبر حلا دائما لمشكلة الفقر،وأن أبناء القطاع بحاجة إلى مشاريع تنموية هذا ما أكد عليه المحلل الاقتصادي محمد مقداد قائلا:" ما تقدمة الجمعيات الخيرية من مساعدات غذائية لا علاقة لها بالتنمية ولا تعتبر حلا دائما أو مؤقتا لمشكلة البطالة، و أن مشكلة الفقر لا تعالج بطريقة إغاثية ".


ولفت إلى أن الإغاثات العاجلة ضرورية ومفيدة لكنها ليست الوحيدة لمعالجة مشكلة الفقر والبطالة ،مطالبا أن تتحول من دعم اغاثي إلى تنموي لان الشعب الغزي معطاء ولا يمكن تحويله للاعتماد على العطايا بقدر احتياجه لأدوات تمكنه من العمل .


وكانت الغرفة التجارية الفلسطينية قد أصدرت تقريرا لها  حذرت فيه  من تصاعد معدلات الفقر والبطالة في قطاع غزة جراء الحصار الإسرائيلي والإغلاق المستمر لمعابر القطاع.


وأوضح التقرير أن 85% من سكان القطاع أصبحوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية المقدمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "اونروا " وبرنامج الأغذية العالمي والجمعيات الخيرية والإغاثية المختلفة.


وأكد على أن الإحصاءات الاقتصادية توضح أن ما يقارب من 200 ألف عامل فلسطيني في غزة عاطلون عن العمل نتيجة إغلاق المعابر والحصار المفروض على قطاع غزه الأمر الذي أدى إلى توقف الحياة الاقتصادية بشكل كامل وحرمان هؤلاء العمال من أعمالهم.


ويشير التقرير إلى انه وفقاً للتعريف الموسع للبطالة بالنظر إلى معايير منظمة العمل الدولية فقد بلغت نسبة الأفراد الذين لا يعملون سواءً كانوا يبحثون عن عمل أو لا يبحثون عن عمل 44.8%


في قطاع غزة.


وشهد القطاع بعض المشاريع الصغيرة التي تمولها بعض المؤسسات الخيرية المانحة وحول ذلك


قال المحلل الاقتصادي مقداد:"فكرة المشاريع ايجابية لكنها تحتاج إلى رقابة وتنسيق بين كل من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والمؤسسات المانحة حتى يتحقق الهدف المرجو من المشروع"،مضيفا :المشاريع التنموية أفضل من الطرود الغذائية لأنها تساهم في معالجة مشكلة البطالة.


وبالنسبة للقوانين التي تضمن المشاريع الصغيرة لفت مقداد إلى أن الحكومة لا تطبق القوانين على المشاريع نتيجة الوضع الذي تمر فيه ، معتبرا أن مشاريع القطاع كافة تعد صغيرة .


وبين التقرير الصادر عن الغرفة التجارية الفلسطينية أن عدد العاملين في القطاع الصناعي بلغ قبل الحصار 35 ألف عامل لينخفض بعد الحصار إلى أقل من 1400 عامل في مختلف القطاعات الصناعية حيث أغلقت 96% من المنشآت الصناعية البالغ عددها 3900 منشأة قبل الحصار نتيجة عدم توفر المواد الخام،مضيفا أن باقي المنشآت التي استمرت بالعمل بطاقة إنتاجية لا تتجاوز الـ15% في مجال الصناعات الغذائية.


ولفت إلى إغلاق جميع المصانع بمنطقة غزة الصناعية وتعطل نحو 2500 عامل كانوا يعملون لدى تلك المصانع التي كانت تعتمد على تصدير منتجاتها للخارج.


وبالرغم من المساعدات الغذائية التي تقدمها المؤسسات المانحة لأبناء القطاع إلا أنهم بحاجة إلى مساعدات مالية تمكنهم من فتح مشاريع جديدة يعتمدون عليها كمصدر رزق ،لكن في ظل الحصار المفروض سيواصلون البحث عن مساعدات غذائية تسد رمق عائلاتهم.