علي الجابر ... شهيد العملين الإعلامي والإنساني
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1879 زيارة ) .
يشترك العاملون في المجالين الإعلامي والإنساني بأداء واجبهم الأخلاقي والمهني في المناطق التي تعاني من الأزمات والحروب والكوارث، وبسبب ذلك  يدفع البعض منهم  حياته ثمنا لأداء هذه المهمة النبيلة، التي ترتبط بنقل أو نشر الأخبار الميدانية وكشف الحقائق، أو إغاثة الملهوفين، والتخفيف من معاناة المنكوبين والمتضررين.
 
وكلتا المهمتين في غاية الأهمية؛ فالأولى ترتبط بتقديم الحقائق، ونشر المعلومات بحيادية ونزاهة، ولعب دور مهم في كشف انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب. والأخرى  تتعلق بإنقاذ حياة الناس، ومساعدة الجرحى والمصابين والمتأثرين، وتلبية احتياجاتهم من الغذاء والدواء والمأوى، في إطار التدخل الإغاثي، والتخفيف من معاناتهم الإنسانية.
 
وبدلا من الهروب من المعارك والأزمات والكوارث، يلتقي أبناء هاتين المهنتين في المسارعة إليها، والدخول في أتونها، مهما كلفهم ذلك من ثمن، ومطاردة المعلومة، وملاحقة اللقطة، حينما يختبئ الناس أو يفرون من بؤرة المخاطر؛ إيثارا للسلامة.
 
ويسهم البعد القيمي والإيماني في تعزيز الدعم، وتقوية الجانب المعنوي للمنتمين إلى مهنة العمل الإنساني والإعلامي عند الشدائد والمحن، فالصحفي أو المراسل الميداني يعمل على كشف الحقائق الصحيحة ليقدمها للجمهور بعيدا عن المحاباة أو التزييف، ويقول كلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم، والمشتغل في الهمّ الإنساني والتطوعي يسهم في إنقاذ روح مهددة، أو يغيث ملهوفا، أو يفرج كرب مكروب، أو يمشي في حاجة صاحب حاجة، مصداق أحاديث رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه". و" من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة".
 
آخر ضحايا هاتين المهنتين، والذي فجع العالم بفقده، هو: الأخ والزميل والصديق مصور قناة الجزيرة (علي حسن الجابر)، تغمده الله بفيوضات رحمته، وذلك بفعل كمين غادر أثناء تأديته مهمته الإعلامية في تغطية الحرب التي تدور رحاها في ليبيا حاليا.
 
ما لا يعرفه بعض الناس عن فقيدنا الجابر هو حبه لعمل الخير، وإسهامه في تأسيس أقدم وأكبر مؤسسة خيرية ببلاده، ألا وهي " قطر الخيرية"، وعضويته في جمعيتها العمومية، وحرصه على زيارتها بشكل دوري من حين لآخر، ومساهمته المتعددة في الأعمال الإغاثية والحملات الخيرية. وبالتالي، فإن الشهيد حسن  الجابر جمع بين عشقه لعمله الإعلامي وكاميرته التلفزيونية، التي يوثّق بها للحدث والحقيقة من جهة، وبين تعلق قلبه بالعمل الخيري الإغاثي من جهة أخرى، يدعمه في ذلك التزامه الديني، وحبه للآخرين، وحرقته لمناصرة قضايا أمته،  فكأنما جمع الخير من كافة أطرافه ومختلف زواياه.
 
وبناء على ما سبق، لم يكن مستغربا أن يكون الفقيد من أوائل من سجل اسمه لتغطية أحداث ليبيا على ما في ذلك من مخاطر، كما غطّى بكاميرته الأحداث الساخنة والحروب في دول عربية وإسلامية أخرى من قبل، وكان من أوائل من وصل إلى قطاع غزة لكسر الحصار عنها عبر سفن وقوارب الحرية، رغم ما يعرفه عن مخاطر الرحلة، وساهم في أعمال الإغاثة في أوقات مبكرة، كما قام بتصوير وإخراج برامج  تلفزيونية وأفلام وثائقية ذات طابع إنساني، من أهمها: برنامح "ادفع دينارا تنقذ مسلما"، وتم تصويره في عدد من الدول العربية والإسلامية (باكستان، بنغلاديش، مصر، السودان، أوزبكستان، طشقند، وغيرها)، وفيلم عن روسيا وتركمانستان وشمال القفقاز، بعنوان " سقوط الإمبراطورية"، وفيلم عن تحرير الكويت، بعنوان "المحنة والابتلاء".
 
إن الشهادات التي سجلها قريبون من الفقيد تكشف عن أن عمله في مجال الإعلام لم يكن مجرد وظيفة للحصول على لقمة العيش منها فقط، بل كان ـ من وجهة نظره ـ رسالة يؤديها، ولطالما ردد أنه يجاهد بكاميرته، دون أن يثنيه شيء عن الزج بنفسه في مناطق الأزمات والقتال، خشية من الموت، الذي قد يتربص به هنا أو هناك؛ ليقينه الراسخ بأن الآجال بيد الله وحده، ولاعتقاده بأن نصرة قضايا الأمة لا يمكن أن تتم  بدون تضحيات. وقد أحسن العلامة الشيخ/ يوسف القرضاوي حينما اعتبر أن مهنة الإعلام بمثابة "جهاد العصر".
 
رحم الله فقيدنا الذي عرفناه عن قرب.. مشرق الابتسامة، نقي السريرة، طيب المعشر، ثابت الجنان، قوي العزيمة، محبا للخير، عونا لأصحاب الناس، مخلصا ودؤوبا في العمل.
 
حقا، لقد آن لفقيدنا أن يترجل .. بعد رحلة طويلة عبر مفاوز العملين الإعلامي والخيري، والتي ختمت ـ إن شاء الله ـ  بخير خاتمة.