أزمة ليبيا.. الشأن الإنساني أولاً
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1647 زيارة ) .
لمن نكن تتوقع على الاطلاق الأحداث السياسية الجارية في دولنا العربية في الشمال الأفريقي فالشباب الواعي الملتزم، الذي يؤدي فرائضه، المتطلع لحريته، انتفض ثائراً ليُسقط أنظمة قبعت كثيراً في السلطة  والحكم الذي يسمى بـ(الديكتاتوري)، دون أن تكترث لمعاناة شعوبها، وما يتعرضون إليه من ظلم وبطش، إضافة إلى الفقر المدقع ومستوى المعيشة المتردي والمتردي جدا في كثير من الأحيان.
 
ولا أسوأ من أن الشعب المصري يعيش 40% من سكانه في حالات الفقر  بدرجاته المتفاوتة حسب تقارير للبنك الدولي منشورة في جريدة المصري اليوم بتاريخ 29/6/2007. وليس الأمر بأقل مما كان الناس يعانونه في تونس الشقيقة؛ فيكفي أن التلفزة الرسمية التونسية لم تبث الأذان طيلة فترة حكم بن علي! ولكن على أي الأحوال فإن الشأن السياسي في هذه البلدان لا يعنينا على الإطلاق، و كل ما يعنينا هو الشأن الإنساني المتراجع،
 
بل المتدهور، على خلفية الأحداث الدامية التي تشهدها دولة ليبيا الشقيقة؛ فالتقارير تشير إلى أن ضحايا الثورة على نظام القذافي قد تجاوز عشرة آلاف قتيل، إضافة إلى أكثر من خمسين ألف جريح في أيام قليلة، في جريمة هي (كُفْرٌ بَوَاح، أهدر بها الكثير من العلماء دم القذافي)، ووصفت بالأبشع في التاريخ الإسلامي والإنساني.
 
كما تؤكد التقارير أن الطاغية القذافي يتبع سياسات غير عقلانية في قمع المتظاهرين، ستخلف وراءها أرقاماً أكبر للضحايا والمصابين، حيث إنه يواجه ثورتهم السلمية بالقصف العسكري عن طريق الطائرات والمدافع؛ مما أدى إلى إدانة دولية وإقليمية، وتحركات غير متوقفة؛ للعمل على كبح السياسات غير الحكيمة واللارحيمة التي يقوم بها هذا النظام المتسلط، والذي لا يزال يلوح باستخدام وسائل أكثر دموية في المواجهة، وغير إنسانية على المدى البعيد، فقد يضطر عند تضييق الخناق عليه إلى اتباع سياسة تدعى بسياسة الأرض المحروقة، يدمر فيها آبار النفط (الذي يعتبر مصدر الدخل الأول لليبيا)، والموانيء والمطارات، وكل ما من شأنه أن يدعم الاقتصاد القومي الليبي؛ بما يعني تفاقما أكبر للأزمة على المدى البعيد.
 
والأزمة الحالية تعتبر، عقب اتباع هذه السياسات القمعية اللاأخلاقية واللاإنسانية الغريبة، مركبة وعويصة؛  فقد حذر برنامج الغذاء الدولي من كوارث ومجاعات في ليبيا الشقيقة على هذه الخلفيات السياسية إزاء نقص كبير في الإمدادات الغذائية والطبية، فهي لا تنتج في هذه المجالات من الأغذية والدواء إلا النزر اليسير الذي لا يكفيها، وتعتمد في هذا الأمر على الاستيراد الخارجي، بما يعني أن الحاجة صارت ضرورية وملحة علينا كأبناء أمة واحدة، لغتنا واحدة وديننا واحد، ونقتسم الهوية، أن نتكاتف ونعلن حالة الاستنفار الخيري والإنساني من أجل مواجهة هذه الأزمة، التي نخشى أن تصبح معقدة خلال الأيام المقبلة؛ إثر تلويحات أمريكية وأوروبية باتخاذ تدابير عسكرية للقضاء على نظام القذافي في ليبيا، الذي صارت مشروعيته تساوي صفرا حسب تصريحات أمريكية. وإثر عقوبات صارمة متوقعة الآن من شأنها تقويض الاقتصاد الليبي الذي تتحكم فيه أسرة القذافي منفردة.
 
لقد أعلنت العديد من حكومات دول منطقة الخليج، منها قطر والكويت، عن تسيير قوافل إنسانية وإغاثية  وجسور جوية لتقديم المساعدات والإمدادات، ونقل المتطوعين من الأطباء لمواجهة الأزمة، التي ندعو الله أن تعبرها منطقتنا دون تدخلات خارجية؛ لما قد تسببه من إطالة أمد المشكلة. وقامت ـ حسب أخبار بثتها قنوات إخبارية ـ العديد من المؤسسات الخيرية الإماراتية بتسيير بواخر لنقل النازحين العرب والأجانب المتكدسين في تونس، بما في ذلك من آثار وتداعيات إنسانية بالتبعية على الأرض، وإعادتهم لأوطانهم.
 
لقد أوقع القذافي ببلادته وتعنته وعدم اكتراثه وغبائه وغطرسته بلاده في نفق مظلم منذ وقت بعيد. وأنا شخصياً، وقبل الأزمة الراهنة، كنت شاهداً على حدوث حالتي انتحار في إحدى المدن الليبية صيف 2010؛ جراء الفقر والظلم الذي يتعرض له مواطنو هذه الدولة العربية المسلمة، والتي تدين بالإسلام بنسبة 100%، بل يقدر عدد حفظة كتاب الله فيها أكثر من سدس السكان، الذين يصل تعدادهم 6 ملايين نسمة.
 
والمشهد الآن، بعيداً عن السياسة، يدعونا للتكاتف والعمل على دعم هذا الشعب المنتفض؛ لكي يعبر أزمته وهو يحمل فخر أنه ينتمي لأمة مسلمة متماسكة، لم تتحمل أن تشاهده يجاهد من أجل حريته التي يصبو إليها، وينكل به ويضيق عليه الخناق من كل جانب، دون تدخل خيري إنساني محمود يذكر، كتقديم الدواء والغذاء.
 
وليحذر كل إنسان لنفسه، وليعلم أن سنن الله في العباد ماضية كما حدث في الأولين، وأن الأمة والأرض مُقْدِمة على تغيير كبير، واللبيب من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ولو كره الطغاة القتلة.