التأهب للكوارث الطبيعية يقلّل خسائرها
28 ديسمبر 2009 - 11 محرم 1431 هـ( 765 زيارة ) .

دهشة مشوبة بالقلق بعثها (إعصار جونو)، الذي ضرب سواحل سلطنة عمان المجاورة، ووصلت تداعياته إلى الإمارات، حين لم يجد عدد من الأهالي في الإمارات وسيلة لتأمين أنفسهم وأبنائهم سوى الخروج من منازلهم والإقامة في خيم نصبوها خوفا من الإعصار القادم من جهة البحر، ما كشف حينها عن غياب مقلق لثقافة الكوارث والطوارىء في مجتمعنا، بدلاً من الابتعاد عن الساحل ومواقع قدوم الفيضانات المحتملة، ما كشف حينها عن غياب ثقافة الكوارث والطوارئ في مجتمعنا، فيما يعني أن شرائح واسعة لا تعي الفارق بين الهزات الأرضية وسواها من أشكال الكوارث .
هذا السلوك الاجتماعي الباحث عن الأمن في ظرف استثنائي، بعد أن خرجت الطبيعة عن سياقها، يبعث الكثير من الأسئلة من سباتها حول أمننا، ومدى استعدادنا لمواجهة مخاطر الطبيعة . ما يتفق عليه المختصون أن الهزات المتعاقبة وعدد من الكوارث التي لحقت بدول مجاورة تستدعي رفع حالة التأهب والاستعداد من قبل الجهات والقطاعات المعنية، لمواجهة أي كوارث طبيعية محتملة، وما إعصار جونو في سلطنة عمان ببعيد، فضلا عن حريق خيمة الجهراء في الكويت، وانتهاء بسيول جدة .
السؤال الذي لا يمكن التغاضي عنه، إذا كانت مجرد أمطار تتسبب بحالة استنفار وخسائر مادية، بينها أضرار في الطرق والبنى التحتية، كما يحدث في السنوات الماضية، كيف سيكون الحال لو داهمت الإمارات سيول جارفة وكوارث طبيعية لا تحمد عقباها، وهناك أيضا من يطرح سؤالا آخر ذا صلة: لماذا ننتظر الكارثة، ولما لا نستبقها بالتخطيط الإستراتيجي والاستعداد الشامل !!


آثار الهزات في الذاكرة وعلى الجدران


“الخليج” زارت بلدة مسافي، في مستهل بحثها عن واقع الأمن الجيولوجي في الإمارات، والتقت ميدانيا عددا من الأهالي والمسؤولين في المنطقة، لترصد الآثار المتبقية للهزات الشهيرة عام 2002 في جدران المباني العامة والخاصة، فيما حاولت التوغل في (ذاكرة الخوف) بين الناس من تكرارها، وهو ما حدث فعليا طيلة السنوات الماضية، وإن كان بدرجات أقل من سابقتها .
خدمات ونقلة نوعية في المنطقة لا يمكن تجاهلها، بادية للعيان في أكثر من موقع، أبرزها مستشفى مسافي الجديد، وهو مبنى حديث وكبير، إلى جانب 32 منزلا جديدا، تم تشييدها وتعويض المواطنين بها عن الأضرار التي لحقت مساكنهم جراء هزات ،2002 لكن مشهد الهزات وحالة الفزع التي ارتابت الأهالي لا تزال عالقة في الذاكرة .


مركز صحي متهالك


رغم الارتياح الذي يبديه علي خميس، من أهالي البلدة، إزاء التطور النوعي في البنية التحتية، ومن أهمها مستشفى مسافي الجديد، الذي يفتتح قريبا، إلا أنه يؤكد أن “المنطقة لا تزال بحاجة لعدد من الخدمات الأساسية، لمواجهة المخاطر الجيولوجية واحتمالات وقوع زلازل” . ويتناول أوضاع المركز الصحي في المنطقة التابعة لإمارة رأس الخيمة من البلدة، والذي دخلته “الخليج”، حيث سجلت آثار بعض التشققات التي خلفتها هزات عام 2002 جاثمة على جدران المركز، وهو مبنى متواضع للغاية، وعبارة عن مسكن مستأجر . ويعاني، كما يقول المحرزي، من “أوضاع إنشائية صعبة، نظرا لقدمه وتهالك المبنى، الذي افتتح عام 1986م، ويستدعي إحلاله عاجلا”، متسائلا: “إذا كان المركز الصحي ذاته متهالكا، كيف سنواجه إذا احتمالات وقوع المخاطر والكوارث” .
ويتطرق خميس، وهو مشرف لجنة حصر الأضرار خلال هزات ،2002 إلى أن “عدد المنازل المتضررة بلغ آنذاك في مسافي والمناطق الجبلية المحيطة بها 300 مسكن ومبنى تقريبا، تعرضت لشروخ وتشققات متفاوتة، بينما لم تغط المساكن التي تم تشييدها وتعويض الأهالي المتضررين بها احتياجات جميع الأهالي، وهو ما ظلت تعاني منه شريحة واسعة من الأسر المواطنة في المناطق النائية” .
ويطالب جهات الاختصاص ب”توعية منظمة للأهالي بالسلوك المنضبط، وكيف يتصرفون عند وقوع الزلازل، وكيف يحمون أبناءهم” . خميس، الذي ساهم في توزيع 150 خيمة على الأهالي، قدمتها هيئة الهلال الأحمر خلال هزات ،2002 يلفت إلى “مشاهد لا تفارق ذاكرته، تكشف جميعها عن جهل الأهالي بمبادىء السلامة خلال الأزمات، أخطرها تواجد كثيرين منهم تحت المباني والمساكن مباشرة” .
مصادر في مسافي تلفت إلى أن “سقف مبنى المركز غير مسلح، ومكون في أجزاء منه، خاصة صالة انتظار المرضى، من أسبستوس، ما يجعل المطر يخر داخل المركز . كما أن المرضى كانوا لسنوات طويلة يفتقدون تخصصات طبية حيوية، من ضمنها التوليد والنسائية والعيون، وهي المشكلة التي يضع المستشفى الجديد في المنطقة حدا لها” .
ويضم مركز مسافي الصحي طبيبين و3 من أعضاء الهيئة التمريضية، ويتوفر على سيارة إسعاف، في حين يستقبل المركز يوميا عددا يتراوح بين 50 إلى 60 مراجعا .
في مقابل سوء حالة مبنى المركز الصحي وتواضع خدماته، يشكل مستشفى مسافي في البلدة ذاتها، الذي يفتتح العام المقبل ،2010 صورة ناصعة للاهتمام بالخدمات الصحية في المناطق النائية والمعرضة أكثر من غيرها للهزات .
تفصيلا، يقول الدكتور محمد عبد الله بن سعيد، مدير منطقة الفجيرة الطبية: “إن المستشفى، الذي جاء بمكرمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يعكس اهتمام القيادة بهذه المناطق، فيما يتركز الاهتمام فيه على علاج إصابات الحوادث، ويشتمل على أقسام الطوارىء، والجراحة، والعناية المركزة، والباطنية، والنساء والولادة، والأطفال، والعيون، والأنف والأذن والحنجرة، ويضم 48 سريرا” .


لغز 2002


عدنان أبو جراد، من أهالي مسافي، عمل مديرا لمدرسة مسافي الثانوية للبنين أكثر من 30 عاما، ويعيش في البلدة منذ 1966م، يسوق حقيقة تثير الدهشة وهي “أن البلدة والمناطق المجاورة لم تعرف الهزات الأرضية ولم تتعرض لأي زلازل طيلة 43 عاما قضاها في ربوعها، فيما انطلقت شرارتها عام ،2002 حين وقعت الهزات الشهيرة، لتشهد طيلة السنوات اللاحقة سلسلة من الهزات متفاوتة القوة، في حين يبدو الباحثون والمختصون في حيرة عند محاولة تفسير أسباب بروز الهزات منذ ذلك التاريخ، إلا أن أرجح التفسيرات تفيد أن المنطقة معرضة للزلازل والهزات وفقا لتاريخها الجيولوجي” .
من زاويته يتحدث خليل محمد، الذي يقيم في مسافي منذ 29 عاما، عن “رحيل عدد من الأسر المقيمة عن البلدة بعد هزات عام ،2002 خوفا من تبعات الهزات، فيما لم تفلح محاولاته الشخصية لثنيهم عن الرحيل وطمأنتهم” .
يتابع حديثه عن حالة القلق التي تركتها الهزات وراءها: “اضطرتنا قوة الهزات حينها وتكرارها للنوم مدة أسبوع تقريبا في العراء، لم ندخل خلاله منازلنا حتى عادت الطمأنينة إلى النفوس، قضيناها داخل خيم تم نصبها خصيصا، فيما بصمت الهزات على جدران بعض بيوت البلدة بتشققات واضحة” .


اللجوء للشوارع


أم محمد، واحدة من المتضررين من الهزات الأرضية التي تعرضت لها مسافي ومناطق أخرى في الدولة في مارس/ آذار ،2002 بعد أن تعرضت جدران منزلها للتصدع، تقول: “لا نشعر بالأمن بسبب تكرار الهزات” . وتعود بذاكرتها إلى الوراء، حين وقعت الهزات الأشد من نوعها قبل 7 أعوام، وتصف المشهد: “كدنا نموت من الخوف حينها، ما دفعنا إلى مغادرة منازلنا صوب الطرق العامة، خشية أن تنهار البيوت فوق رؤوسنا، وما فاقم حجم الأضرار أن معظم المساكن التي لحقتها أضرار من الهزات هي من المساكن الشعبية القديمة، وبعضها متهالك أصلا” .
وحول ما تنشده أم محمد، وهي موظفة حكومية، لتعزيز إجراءات الأمن والسلامة في حال وقوع زلازل أو كوارث طبيعية، تشير إلى “ضرورة زيادة عدد الأسرّة والطواقم الطبية في المناطق البعيدة الأكثر تأثراً بالهزات، لمواجهة حالات الطوارىء بكفاءة، وإنشاء مرافق عامة قادرة على استيعاب الأهالي في تلك الحالات، إلى جانب المساهمة في جهود الإنقاذ والإغاثة والتوعية، مثل الحدائق والملاجىء والأندية والمراكز الثقافية والاجتماعية”، وتتساءل بمرارة: “أين نذهب بعيالنا، ونحن نفتقر بشدة إلى مرافق عامة” . وتشير إلى أن “منطقتها لا تضم أي ناد نسائي أو مركز خاص بالأسرة والطفل” .
ورغم صور النقص التي تتحدث عنها، تلتفت أم محمد إلى “إنجازات تحققت على أرض الواقع على صعيد الخدمات والبنية التحتية، في مقدمتها مستشفى مسافي، وهو على وشك افتتاحه رسميا، كما أن الهزات المتعاقبة في ربوع المنطقة نشرت حالة نسبية من الوعي الرسمي والشعبي بالكوارث وخطورتها، وإن كانت غير كافية حتى الآن، تجلت في زيادة الدورات التدريبية والتثقيفية، التي ينفذها الدفاع المدني، خاصة في المدارس، حول التصرف السليم خلال الكوارث” .
ويحدد محمد أحمد الحمودي، 35 عاما، أهم احتياجات المنطقة، تحسبا لأي طارىء، وهي “تقوية أساسات المساكن والمباني، لتكون مقاومة للهزات والزلازل، بعد أن لحقت أضرار عديدة بها، بسبب الهزات السابقة، وإلزام شركات المقاولات بمراعاة ذلك قبل تنفيذ المشاريع الإنشائية”، مطالبا ب”وضع شروط إنشائية أكثر صرامة في المناطق المعرضة أكثر من غيرها للمخاطر الجيولوجية، وصولا إلى جعل جميع المساكن والمرافق العامة مقاومة للزلازل” .
وينوه ب”تعويض حصلت عليه والدته وأشقاؤه، تمثل في مسكن جديد، جراء تضرر مسكن الأسرة من الهزات الشهيرة” . ويتذكر وقائع هزات 2002 “كنت وقتها في عملي في أبوظبي، بينما زوجتي وأبنائي في المنزل في مسافي، ولم يكن بيدي حيلة سوى الاتصال هاتفيا بهم للاطمئنان عليهم، ونظرا لظروف العمل لم أستطع العودة إلى المنطقة فور وقوع الهزات . كما أن الوضع سرعان ما هدأ، وعادت الأمور إلى طبيعتها في المنطقة” .
سعيد أحمد، 23 عاما، أعزب، كان في السادسة عشرة حين وقعت هزات مسافي عام ،2002 عايش بعدها هزات أقل حدة خلال السنوات المتعاقبة، يطالب ب”تكثيف برامج تدريب الأهالي، خاصة الشباب والطلبة والأطفال، وتثقيف الأسر والنساء حول المخاطر الزلزالية والجيولوجية”، لافتا إلى أن “معظم الناس هنا لا يعرفون كيف يتصرفون إبان حالات الطوارىء” . ويرى أن “ما تحتاجه المنطقة لمواجهة أي طارىء هو بيوت ذات أساسات مدعمة، وخدمات صحية شاملة لإنقاذ وإسعاف الجرحى والمصابين فورا، دون انتظار نقلهم إلى المدن الكبيرة” .


16 هزة


في حين يستند العلم إلى لغة الأرقام، فإن عدد الهزات الأرضية التي وقعت في الدولة منذ هزات مسافي مارس/ آذار عام 2002 حتى يومنا، يبدو ضائعا، بسبب الافتقار حينها إلى مراصد متخصصة كافية، إلا أن عبد القادر فندي، خبير الزلازل في المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل، يشير إلى “أن عدد الهزات التي رصدت منذ إنشاء الشبكة الوطنية لرصد الزلازل في أغسطس/ آب ،2008 بلغ حتى الآن 16 هزة أرضية، تراوحت قواها بين 2 .1 إلى 6 .3 درجة، حسب مقياس ريختر، تركزت في دبا والمناطق المحيطة بها، وكان بعضها محسوسا بدرجة خفيفة” .
يقول: “إن المصادر الزلزالية في الدولة تتركز في الصدوع الأرضية في الإمارات، وتمر الصدوع بفترات نشاط وأخرى تكون خلالها في حالة خمود، وتغيب معها الهزات الأرضية، بينما اتضحت الصدوع النشطة أكثر مع استمرار عمليات الرصد للزلازل في المنطقة عبر الشبكة الوطنية” .
ويوضح “يوجد في الدولة حاليا 3 مراصد للزلازل، هي الشبكة الوطنية لرصد الزلازل، التابعة للمركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل، وتغطي المناطق الشمالية والشرقية من الدولة، في شعم ومسافي وأم القيوين وقصر العجبان والعين، إلى جانب شبكة زلازل بلدية دبي، التي تغطي إمارة دبي، وهناك محطة دولية، ضمن الشبكة العالمية لرصد الزلازل GSN، تابعة لجامعة الشارقة، بالإضافة إلى عدد من محطات رصد الزلازل المخصصة للحركة القوية، تتبع الجامعة الأمريكية في الشارقة” .
ويبين أن “إدارة الكوارث في الإمارات تقع على كاهل الهيئة الوطنية لإدارة الطوارىء والأزمات، بالتعاون مع الوزارات والمؤسسات الاتحادية ذات العلاقة، فيما يشكل المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل أحد تلك المؤسسات” . ويواصل شرحه لواقع الاستعداد لوقوع أي زلزال أو كارثة طبيعية، مركزا على الجانب البحثي، بالقول:”أجريت سابقا وتجري حاليا دراسات مختلفة في أنحاء الدولة، من قبل الجامعات والمراكز البحثية ووزارة الطاقة، إلى جانب المركز الوطني للأرصاد الجوية، إلا أن أنها ما تزال غير كافية، لاسيما من ناحية المسح الجيولوجي التفصيلي لكافة أراضي الدولة” .
وحول احتمالات أن تشهد الإمارات، والخليج العربي عامة وقوع زلازل مدمرة مستقبلا، يقول: “التنبؤ بالزلازل ما زال طي الغيب، وعلمها عند الله، عز وجل، فيما يمكن القول إنه لا تخلو منطقة في العالم من احتمالات وقوع زلازل” . ويحدد فندي “المصادر الزلزالية الرئيسية في المنطقة، وهي صدع ماكران في خليج عمان، وصدع أوين في بحر العرب، ومضيق هرمز، وجزيرة قشم، وسلسلة جبال زاغروس، بالإضافة إلى سلسلة الجبال العمانية” .


لا علاقة للهزات ب”التغير المناخي”


الباحث المعروف في حقل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، الدكتور زغلول النجار، أستاذ علوم الأرض، رئيس لجنة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر، أكد ل”الخليج” في اتصال هاتفي من “القاهرة” أن “لا علاقة بين ظاهرة التغير المناخي والهزات الأرضية في الإمارات” .
وبوضح أن “الهزات الأرضية في الدولة ترجع إلى أن الجزيرة العربية تتحرك في اتجاه الشمال الشرقي، أي عكس اتجاه عقارب الساعة، ما يؤدي إلى اصطدامها باللوح الإيراني، وهو ما يفضي إلى وقوع الهزات، إلى جانب عامل آخر هو اتساع باب المندم بمعدل 1 إلى 3 سنتيمترات في السنة الواحدة، وتوسع البحر الأحمر عامة بسبب النشاط البركاني وسطه، ما يؤدي في المقابل إلى انغلاق مضيق هرمز في الخليج العربي” .


تفسير ديني


كعادته في الربط بين الدين والعلم، يعزو تزايد وقوع الهزات الأرضية في الإمارات والجزيرة العربية خلال السنوات الأخيرة، وفي الدولة تحديدا بدءا من عام ،2002 إلى تفسير ديني، يجد صداه في حديث نبوي شريف، يشير فيه الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى أن من علامات الساعة كثرة وقوع الزلازل، نصه “لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل . .”، معتبرا أن “كثرة الزلازل تطال العالم بأسره في السنوات الماضية، وليست منطقتنا فحسب” .
وحول مغزى تصاعد نسبة وقوع الهزات بعد هزات مسافي عام ،2002 يرى أن ذلك “نشاط غيبي، لا يعلمه إلا الله، سبحانه، بينما العلم الحديث يربط تزايد الزلازل في الجزيرة العربية بزيادة نشاط البراكين وسط البحر الأحمر وبحر العرب” . ويطمئن الدكتور زغلول إلى أن “الثابت علميا أن الدول العربية محمية من الزلازل المدمرة، باستثناء المغرب والجزائر، نظرا لبعدها عن خطوط الزلازل الرئيسية في العالم، وهي على حدودها وليست في قلبها” .
يشير تقرير صدر عن جامعة الإمارات في ،2002 تضمن دراسة جيولوجية للدولة، إلى أن “عدد الزلازل المحسوسة في الإمارات بلغ نحو 40 هزة أرضية، تجاوزت شدتها 5 .4 درجة على مقياس ريختر، على مدى الثلاثين عاما الماضية”، وهو ما تم رصده بواسطة مراصد زلازل في البلدان المجاورة، لافتقار الدولة خلالها إلى المراصد، إلا أن زلزال مارس ،2002 الذي تعرضت له الفجيرة ورأس الخيمة، أتاح الفرصة لدراسة وتقييم تأثير الزلازل على المنشآت القائمة، ودراسة الاحتياطات التي يجب اتخاذها عند إطلاق مشاريع إنشائية جديدة . في ضوء ذلك شكلت الجامعة بعثة لزيارة المواقع المتأثرة بالهزات .


وتيرة متسارعة


التقرير توصل إلى أن “بوسع المباني القائمة في الإمارات وفق تصاميمها الحالية مواجهة الهزات الضعيفة أو متوسطة الشدة بشكلها الحالي، بينما المطلوب احتياطات أكبر” . ويسجل ملاحظة نوعية هي أن “وتيرة الهزات التي تشهدها الدولة تتسارع، والاحتياطات القائمة حاليا توازي الهزات، والحاجة ملحة لإقامة شبكة وطنية واسعة لرصد الزلازل والتوسع في عدد المحطات لرصد الزلازل داخل الدولة” .


احتياطات لهزات أكبر


يؤكد الدكتور أشرف بده، أستاذ الإنشاءات وخبير التقوية وتدعيم المنشآت في كلية الهندسة المدنية بجامعة الإمارات، عضو الجمعية الكندية للزلازل “رغم تعرض الإمارات لعدد من الهزات الأرضية، من غير المتوقع وقوع زلازل مدمرة فيها، في ضوء بعد الإمارات عن مناطق الهزات الشديدة، التي تأتي من الزلازل عميقة المركز، ما عدا بعض المناطق في الإمارات الشمالية، في حين أن معظم الهزات التي تشهدها الإمارات تأتي من الفالقين في منطقة مسافي والإمارات الشمالية” .
ويستطرد حول قدرة المنشآت في الإمارات على مواجهة الهزات الأرضية: “معظم المباني من الخرسانة المسلحة استطاعت فعليا مقاومة الهزات المتوسطة، ربما لشيوع استخدام نظام الجسور، مع استعمال جدران من الطوب كفواصل داخلية، ما يساعد على تدعيم جسم المبنى . كما تمثل المباني من الطوب أو الحجر أغلب المباني القديمة، وهي بلا شك أكثر النظم الإنشائية عرضة للتأثر بالزلازل، مقارنة بالمباني الخرسانية أو المعدنية، لكونها لم تصمم لمقاومة الزلازل، إضافة إلى أن الطوب بطبيعته لا يتصف بالمرونة” .


خبرات ميدانية


الدكتور عبد الرحمن فولر، أستاذ جامعي أسترالي متخصص في الجيولوجيا التركيبية، ألقى الضوء على أسباب وقوع الهزات الأرضية، وهي “نتيجة لتفريغ الضغط المتراكم على القشرة الأرضية، حتى تتكسر الصخور تحتها . وفي الهزة الأرضية، تنطلق كمية كبيرة من الطاقة المخزنة، فيما يتراكم الضغط تحت باطن الأرض في الإمارات الشمالية، كنتيجة حتمية للاصطدام البطيء بين الصفيحة العربية في شبه الجزيرة العربية والصفيحة الآسيوية”، وهو ما يفسر، كما يقول فولر، “حدوث هزات أرضية كثيرة في إيران، نتيجة لهذا الاصطدام تحت طبقات الأرض، إلا أن اصطدام الجهة الغربية للطبقة، يفوق في سرعته ما يقع في الناحية الشرقية . أما شمال الإمارات فهي أقرب للشرخ الرئيسي في الطبقة تحت الأرضية من الصفيحة العربية، وهذا الشرخ يتسع بشكل أكبر في الجهة الغربية للصفيحة، بالمقارنة مع الجهة الشرقية لها، ويحدث هذا الصدع فروقا في سرعة الحركة بين الشقين، مؤديا إلى انزلاق يؤدي إلى الشعور بالهزة الأرضية في الإمارات الشمالية” .
وحول قدرات الدولة الحالية في مواجهة الكوارث الطبيعية يرى أن “القوات المسلحة وشرطتي أبوظبي ودبي تملك خبرة ميدانية اكتسبتها من مساهماتها في جهود الإغاثة في زلازل باكستان والهند وإندونيسيا” . وينبه إلى “مواصفات معمارية وهندسية محددة يتحتم التقيد بها في المشاريع الإنشائية في المناطق الأكثر عرضة للهزات الأرضية، لتمتص الاهتزازات الناتجة عنها” .


غياب الدراسات


يبدو الدكتور حيدر بكر، أستاذ الجيوفيزياء التطبيقية في قسم الجيولوجيا بجامعة الإمارات، متحفظا في الإدلاء برأيه حول عوامل وقوع الهزات الأرضية في الإمارات، لا لشيء بقدر ما يتعلق بغياب الدراسات العلمية المتخصصة محليا وعربيا، والافتقار إلى أبحاث متطورة في هذا الحقل . يقول: “لا توجد بين أيدينا دراسات كافية نستند عليها، سواء للبت في أسباب وقوع الهزات، أو لتقدير احتمالات تطورها إلى زلازل مستقبلا”، إلا أنه يؤكد أن “الإمارات بعيدة عن حزام الزلازل الموجود على الحدود الإيرانية في منطقة جبال زاغروس”، لافتا إلى “تصاعد اهتمام الدولة بإنشاء المراصد الزلزالية، ودعم المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل ورفده بالخبرات” .
وفي ضوء المعلومات المتاحة، يقول: “منطقة الخليج تشكل نقطة التقاء الصفيحة العربية والصفيحة الأوروآسيوية، وخط التقاء الصفيحتين يتمثل في امتداد جبال زاغروس في إيران، والصفيحة العربية في حركة دائمة باتجاه الصفيحة الأخرى، فيما تغطس تحتها، ما أدى إلى خلق حزام زلزالي على طول سلسلة جبال زاغروس” . ويضيف: “تقع الإمارات داخل الجزء المستقر للصفيحة العربية، بعيدة عن الحزام الزلزالي، إلا أن هذا لا يعني عدم تأثرنا بالزلازل التي تحدث في المناطق المجاورة، كون الزلازل لا تقف عند حدود جغرافية، والطبيعة الزلزالية للدولة غير معروفة بشكل كامل، لعدم توفر البحوث الجيولوجية المتكاملة عن التراكيب الجيولوجية” .
ويتطرق بكر إلى “دراسات حول تصرف الحيوانات قبل وقوع الزلازل، وهناك طريقة حديثة لمراقبة التغيرات التي تسبق الزلازل في مجالات المغناطيس والكهرباء والفيزياء الأرضية، على اعتبار أن التنبه للزلازل يلعب دورا كبيرا في حماية الأفراد” . ويضرب مثالين على أهمية التنبؤ بالزلازل، والعجز عن تحديد مواعيدها، وقع الأول في 4 فبراير/ شباط ،1975 حين تنبأ المختصون بوقوع زلزال شمال شرق الصين، وأخطروا السكان بالمغادرة إلى مناطق آمنة، ووقع الزلزال فعلا ظهر ذلك اليوم، وخلال ثوان طال التدمير 90% من المباني، ومن خلال التنبيه المبكر وإخلاء المنطقة تم إنقاذ عدد كبير من الناس . وعلى العكس في 28 يوليو 1976 لم يحالف الحظ المتخصصين بالتنبؤ بزلزال تعرضت له شرق بكين، بقوة تصل إلى 9 .7 درجة، ما أدى إلى دمار وخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات .


خطورة متوسطة


الدكتور أمان موافي، الأستاذ المساعد في قسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة في جامعة الإمارات، الذي نشر بحثا متخصصا في مجلة (التصميم الإنشائي للمباني المرتفعة) الأمريكية عام 2006 حول تأثير الزلازل على المباني المرتفعة في دبي يوضح “أهم سببين لتعرض الإمارات للزلازل، الأول يرتبط بالفوالق الزلزالية في الدولة، مثل الفالق الزلزالي في دبا، والثاني بزلازل مصدرها خارج الدولة، كالتي تحدث في إيران” . ويضيف: “يمتد تأثير الزلازل إلى المناطق المجاورة لإيران، لاسيما أن السواحل الإيرانية الجنوبية تعتبر من المناطق التي تتعرض للزلازل باستمرار . أما الإمارات هي منطقة متوسطة الخطورة في إمكانية تعرضها لزلازل مدمرة، والهزات التي تعرضت لها الدولة سابقا تعد دون معدل الخطر” . ورغم ذلك يرى أن “الخطر قائم”، ودليله تعرض الدولة في وقت سابق لزلزال بقوة 6 درجات، وبالتالي لا يمكن التهاون في هذا الجانب، مشددا على “ضرورة عدم تخطي المشكلة، كأن شيئا لم يكن، لأن الزلازل ظاهرة لا يمكن التهاون معها، وينبغي اتخاذ كافة الاحتياطات لمواجهتها، ويفترض أن تطبق الدولة الإجراءات اللازمة لمواجهة احتمالات وقوع زلازل أشد خطرا” . ويشيد بمبادرة بلدية أبوظبي لتبني وإلزام جميع المصممين الإنشائيين بالكود الأمريكي لتصميم المنشآت المقاومة للزلازل في الدولة اعتبارا من العام المقبل .


استنزاف المياه الجوفية


الدكتورة أسماء الكتبي، أستاذة الجغرافيا الطبيعية في جامعة الإمارات، ترى أن “استنزاف المياه الجوفية يشكل سببا لوقوع الهزات المتعاقبة، التي شهدتها الإمارات الشمالية خلال السنوات الماضية، وتحديدا في رأس الخيمة والفجيرة . وحذرت من عواقب وخيمة لهذا الاستنزاف المتواصل، في ظل عدد كبير من شركات المياه المعدنية العاملة، والتي تستغل الثروة المائية في جوف الأرض” . وتؤكد أن “الاستنزاف المتواصل للمياه الجوفية من باطن الأرض يؤدي إلى خلخلة الطبقات الجيولوجية، بعد أن يتسبب بإحداث مساحات فارغة في المواقع التي كانت المياه الجوفية تشغلها في طبقات الأرض، ما يسهل مرور موجات الهزات الأرضية عبر المساحات الخالية” . وتوضح أن “الدراسة العلمية لتطور الأوضاع البشرية في الدولة خلال العقود الماضية تؤكد الصلة بين الطفرات البشرية المتعاقبة في الإمارات وزيادة معدل وقوع الهزات الأرضية، وهو ما حدث فعليا في الإمارات منذ عام 1968م، إذ أدت الزيادات السكانية إلى ارتفاع حجم استهلاك المياه، ورفع شركات المياه المعدنية طاقتها الإنتاجية لتلبية الطلب، عبر سحب كميات إضافية من المياه الجوفية” .
وتشير إلى “تجربة ذات صلة لشركات النفط، التي تتحاشى خطورة الاستنزاف المستمر لمكونات طبقات الأرض، بحقن كميات من المياه في جوف الأرض، في إطار تغذية راجعة، كبديل لكميات النفط التي يتم استخراجها” . وترى أن “الإمارات خارج حزام الزلازل، وهي حقيقة علمية، لكنها تدخل في نطاق ما يعرف بتوابع الزلازل” . وتنبه في المقابل “قد ندخل في حزام الزلازل بعد مدة تقدر بين 20 إلى 30 مليون سنة، جراء تحرك اللوح العربي، أو ما يعرف ب(الرفرف)، باتجاه إيران، وهو ما كان يعرف في الجغرافيا بزحزحة القارات، قبل تعديله” .
الدكتور سليمان العابد، أستاذ مساعد في المعادن والصخور في قسم الجيولوجيا بجامعة الإمارات، يرى “ضرورة تبني الدولة لإجراء دراسة جيولوجية زلزالية وافية لواقع ومستقبل الهزات الأرضية في الإمارات، يعكف عليها متخصصون” . ويؤكد أن “شبه الجزيرة العربية خارج النطاق المعروف للزلازل المرتبط بحدود ما يسمى جيولوجيا بحركة الصفائح التكتونية، وهي عبارة عن 16 صفيحة، يتكون منها سطح الأرض، تطفو فوق الجزء المنصهر من الوشاح الواقع أسفلها، وهي جزء من غلاف الأرض الخارجي، والقارات والبحار جزء من تلك الصفائح . وتحدد الألواح التكتونية نطاق الزلازل، وللزلازل خريطة تحدد بؤرها، وفي ضوئها نكتشف أن الجزيرة العربية بعيدة عن منطقة الزلازل التي تنشط حولها” .
دون تردد يؤكد العابد أن “الإمارات خارج حزام الزلازل، رغم أن زلازل قوية تحدث بالقرب من الجزيرة العربية، وفي مناطق جغرافية قريبة من الدولة، تقابل سواحل الإمارات، مثل عدد من مناطق إيران والبحر الأحمر، كمنطقة مكران المقابلة لخليج عمان”، لافتا إلى أن “الهزات الأرضية التي شهدتها الإمارات لم تسبب دمارا، إلا أن ذلك لا يدفعنا للاطمئنان مستقبلا، ويحتم اتخاذ التدابير الضرورية” .


صدعا دبا ووادي حام


من الأسباب التي يوردها الأستاذ الجامعي لوقوع الهزات في الإمارات “التركيب الجيولوجي للمنطقة الذي يسهل وصول موجات زلزالية، في ظل نوعية الصخور وتراكيبها”، مشيرا إلى “ما يعرف بنطاق دبا وصدع وادي حام، وهما صدعان قديمان، عبارة عن شقين كبيرين، يمتد الأول من مسافي إلى دبا، ويواصل امتداده داخل خليج عمان، ويقترب هناك من صدع آخر قادم من إيران شمالا، يعرف الأخير ب(صدع زندان)، ويمتد الثاني من الفجيرة إلى مسافي، حيث يلتقيان فيها” . ويوضح أن “وقوع زلازل في إيران المجاورة قد يؤدي إلى تحريك الصدعين، وبالتالي حدوث هزة، إلا أن افتقارنا للدراسات الزلزالية، وعدم وجود فريق عمل متخصص، وغياب المعلومات الجيوفيزيائية الدقيقة يجعل التفسيرات مجرد اجتهادات لا يمكن الجزم بها” . ويركز على بعد يلفت الانتباه في ملف الهزات الأرضية في الإمارات، يتصل بتوقيت وقوعها، قائلا: “إن شهر رمضان المبارك شكل قاسما لوقوع الهزات خلال السنوات الثلاث الماضية، ما قد يعني أن لتلك الهزات توقيتا زمنيا محددا، وهو يثير العديد من الأسئلة التي يمكن للدراسات العلمية المتخصصة فقط أن تجيب عليها” .


الكسارات


حول ما يتداوله أهالي ومراقبون من ربط بين وقوع الهزات ونشاط الكسارات، فإن رأي الأستاذ المتخصص يحمل وجهين، أولهما يشير فيه إلى أن “رصد هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية كشف عن بؤرة إحدى الهزات في منطقة الطويين، وهي من المناطق التي تضم عددا من الكسارات . ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن الكسارات تعمل على تغيير التضاريس والمساس بالجبال، التي تناغم العلم الحديث بصددها مع ما ورد في القرآن الكريم حول دورها في تثبيت الأرض” . ويرى العابد أن “هذا التفسير احتمال وارد، فأصحاب وجهة النظر تلك يعتقدون أن نقل كميات كبيرة من الصخور المأخوذة من الجبال، يشكل خطرا جيولوجيا يساهم في وقوع الهزات، رغم أن الحقائق العلمية تكشف عن أن ما يتم نقله لا يشكل سوى نسبة متواضعة للغاية من الجبال، وبالتالي يصعب الجزم بالدور السلبي الذي تلعبه” .
ويحدد عميد معهد البيئة والمياه والطاقة أبرز المخاطر الجيولوجية في الإمارات، وهي الزلازل والانهيارات الجبلية والسيول الفجائية في مواسم الشتاء، وفي الأخيرة تكمن الخطورة أن بعض الأودية تتحول في لحظات من أودية جافة إلى أنهار متدفقة سريعة الجريان، ما يشكل خطرا داهما على المشاة والركاب .
حمدان الغسيه، باحث أكاديمي في مرحلة الدكتوراة، تخصص كوارث طبيعية في جامعة بيدفورد شاير في المملكة المتحدة، وهو حاصل أيضا على دبلوم في إدارة الأزمات والكوارث، يسعى إلى دراسة الواقع الجيولوجي والجغرافي في الإمارات، وأسباب وقوع عدة هزات خلال السنوات الماضية، يعتبر من جهته أن “أبرز الحركات الجيولوجية في الإمارات هزات مسافي عام ،2002 وفيضان منطقة القرية في الفجيرة عام 1995” .
يضيف: “تقع الإمارات على طرف اللوح التكتوني العربي، الذي يشمل دول الخليج واليمن والأردن وفلسطين وسوريا والعراق ولبنان والجزء الغربي من إيران . وبالرغم من أن الصفيحة العربية تعد من أكثر الصفائح ثباتا، إلا أن هذا لا يجعل الدولة آمنة تماما من الزلازل، حالها في ذلك حال باقي دول العالم، والدليل في تاريخ الهزات الأرضية في الدولة، وأقواها كانت هزات ،2002 بلغت قوتها 1،5 بمقياس ريختر . وموقع الدولة في آخر الصفيحة العربية، يجعلها أكثر عرضة للهزات الأرضية، لقربها من مركز التصادم مع اللوح الأوراسي على حدود الصفيحة” .
“أثبتت الدراسات العلمية”، وفقا للغسيه، أن “اللوح العربي دائم الحركة في الشمال الشرقي، ويتجه نحو إيران عبر الخليج العربي، صادما للقشرة الأرضية المتواجدة فوقها منطقة شرق إيران، ما يؤدي إلى العديد من الزلازل القوية في إيران، وهو ما يجعلنا نشعر بتوابعها” .
ووفقا لوجهة نظر الباحث المتخصص فإن “طبيعة الموقع الجغرافي للإمارات وجوارها لإيران، التي تتسم بكثافة عالية من الصدوع النشطة، لا يعني أن الدولة تقع ضمن نطاق الزلازل النشط، وما نتعرض له هو ترددات للاهتزازات” .
المقدم علي الطنيجي: توفير إجراءات السلامة
في 70% من المدارس وتدريب طلبة 16 مدرسة
إدارة الدفاع المدني في الفجيرة تلقت بدورها 7 بلاغات حول وقوع هزات أرضية خلال العام الماضي ،2008 في حين بلغ عدد البلاغات خلال العام الحالي حتى أكتوبر/ تشرين الأول الماضي 8 بلاغات . وكان مصدر البلاغات إما الأهالي أو المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل في أبوظبي، بينما شكل أهالي منطقتي مسافي ودبا مصدرا لغالبية البلاغات، وهو ما ينسجم مع كون المنطقتين الأكثر تعرضا للهزات .
باعتبار الفجيرة من أكثر الإمارات التي تسجل معدلا من الهزات الأرضية، يشرح المقدم علي الطنيجي، مدير إدارة الدفاع المدني في الإمارة، طبيعة الاستعدادات ومدى القدرة على مواجهة احتمالات وقوع كوارث مستقبلا، مؤكدا “أهمية الشفافية في التعاطي مع هذا الملف الحساس، والدفاع المدني في الدولة جزء من منظومة متكاملة تتولى إدارة الأزمات، تضم عدة جهات مختصة” . ويرى أن “إدارة الدفاع المدني في الدولة مؤهلة لمواجهة الكوارث، في ضوء الإمكانيات المتاحة لها والمهام المناطة بها . وتضم قوة بشرية مدربة، إلى جانب الآليات والمعدات” . إلا أن ما ينقصنا هو ثقافة الأمن والسلامة الغائبة عن الناس، وسيادة مفهوم الاتكالية، الأمر الذي يرتبط بالشعور بالأمن في كل موقع في بلادنا، وهي نعمة كبيرة، بسبب قلة وقوع الكوارث الطبيعية في هذه البقعة من العالم . ومع أننا لا نستطيع منع وقوع الحادث، لكننا بالوعي والسلوك السليم بإمكاننا التقليل من خسائره، محذرا من “خطورة تدني الوعي الشعبي في مواجهة الكوارث، وأهمية السلوك الانضباطي خلالها” . ويعتبر أن “إدارة الدفاع المدني تملك القدرة على التعامل مع الأزمات . وعند تقييمنا للقدرة على التصدي للكوارث الطبيعية يجب أن يشمل التقييم إمكانات الدفاع المدني بصفة عامة على مستوى الإمارات، وهي تتولى الشق المناط بها في إطار خطط مواجهة الكوارث، ومهامنا تنصب على الإنقاذ والإسعاف والإطفاء .
محمد خلفان الرميثي:


خطة وطنية موحدة لإدارة الطوارىء والأزمات


محمد خلفان الرميثي، مدير عام الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات، الجهة الأكثر اختصاصا في محور هذا التحقيق، يشرح دور الهيئة ومسؤولياتها، قائلا: “إنها تعمل تحت مظلة المجلس الأعلى للأمن الوطني، وتعتبر الجهة الوطنية الرئيسية المسؤولة عن وضع معايير إدارة الأزمات والطوارىء وتقييمها، وتنسيق كافة الجهود ذات الصلة، ووضع خطة وطنية موحدة للاستجابة لحالات الطوارىء، ويلقي ذلك على عاتق الهيئة تطوير القوانين وتوحيد السياسات واستمرارية الإجراءات المتعلقة بإدارة الأزمات وحالات الطوارىء على المستوى الوطني”.
تقوم رؤية الهيئة، كما يواصل الرميثي حديثه، “على المحافظة على سلامة الأرواح والممتلكات، وضمان استمرارية العمل في كل قطاعات الدولة الحيوية، عبر تنسيق الجهود الوطنية، لجعل الدولة في وضع استعداد دائم لمواجه حالات الطوارىء، والتعافي من مختلف الأزمات” . ويتابع أن “الهيئة وضعت نصب عينيها أهدافا إستراتيجية، تشمل صياغة واقتراح قانون اتحادي موحد لإدارة الطوارىء والأزمات، وإنشاء مركز وطني للعمليات، إلى جانب مكاتب تنسيق في جميع إمارات الدولة، لإدارة تبعات الأحداث، وإنشاء معهد وطني للطوارىء، لتطوير معايير التأهيل والتدريب في هذا المجال الحيوي، إضافة إلى تعزيز الخدمات الصحية والقطاعات الأخرى المساندة لقطاع الطوارىء” .


الأبراج العالية والزلازل


يدعو الدكتور جمال عبد الله، رئيس قسم الهندسة المدنية في الجامعة الأمريكية بالشارقة، للحذر في التعاطي مع الهزات الأرضية التي تشهدها بعض إمارات الدولة، ويقول: “الزلزال والهزة الأرضية يشكلان مفهوما واحدا، فيما يتفاوتان في مقدار قوة اهتزاز الأرض”، مؤكدا أن “لا فرق يذكر بينهما، إذ في الحالتين تهتز الأرض” . ويستدل على رأيه بالمصطلح العلمي الموحد لكليهما في الإنجليزية، وهو (earth quake) .
ويقرع ناقوس الخطر من “أثر كبير تخلفه الزلازل التي تقع في إيران المجاورة على المباني في الدولة، خاصة ما يقع منها في بندر عباس، البعيدة عن سواحل دبي والشارقة 170 كيلومترا تقريبا، وتحديدا على الأبراج شاهقة الارتفاع، وهو ما يرجعه إلى الموجات الزلزالية طويلة البعد، التي تترك تأثيرات سلبية على الأبراج، لقربها من موجات المباني الشاهقة ذاتها، وهي صفة ديناميكية في المباني، ما يفضي إلى اهتزاز الأبراج أكثر من سواها من المباني الأخرى” . ويحدد “المباني الأكثر تأثرا بالزلازل والهزات هي التي يبلغ ارتفاعها 25 طابقا وأكثر” .
ويحذر الدكتور عبد الله، الذي سبق أن أجرى دراسات لتقييم المخاطر الزلزالية في المنطقة، وشارك في مؤتمرات علمية متخصصة، من “احتمال تسبب الهزات الأرضية العنيفة في المنطقة مستقبلا في انهيار بعض المباني المرتفعة، فضلا عن إحداث تصدعات فيها” . ويلفت إلى أن “المشاريع الإنشائية في الإمارات أخذت في العشر سنوات الأخيرة بمراعاة مفهوم مقاومة الزلازل، بفضل تصاعد اهتمام بلديات الدولة بهذا الجانب” .
يستبعد الدكتور عصام عبد الجواد، أستاذ جيولوجيا البترول في جامعة الإمارات، أي دور لاستخراج النفط من باطن الأرض في التسبب بوقوع هزات أرضية، مؤكدا أنه “لم يثبت قطعيا أي علاقة بين سحب البترول ووقوع الهزات” . ويوضح أن “الخالق، سبحانه وتعالى، جعل الأرض تستعيد توازنها، بعد سحب أي من مكوناتها بصورة تلقائية، عبر ترسبات طبقات الأرض في الأحواض البترولية، لتحل محل الفاقد، إذ يتم تعويضه بما يوازيه من أحمال، وهو ما يعرف علميا ب (التوازن الآيدوستاتيكي)، حتى لا تختل الأرض وتفقد توازنها”.


ضاحي خلفان:
نتدرب على أكثر من سيناريو
الفريق ضاحي خلفان، القائد العام لشرطة دبي، يؤكد “التنسيق بين الجهات المعنية في إمارات الدولة، في إطار عمل الهيئة الوطنية لإدارة الطورائ والأزمات” . وحول القدرة على مواجهة كوارث طبيعية مستقبلا يقول: “كجهات أمنية بي تدربنا سابقا، ونعمل على الاستعداد لأكثر من سيناريو، ولدينا في شرطة دبي فرق مختصة ومدربة” .
ويضيف: “سبق أن تعاملنا مع حوادث ومشكلات نوعية، ونجحنا في إدارتها، منها عدد من حوادث اختطاف الطائرات أواسط السبعينات، وحادث سقوط طائرة في الفجيرة عام 1971م، وحادث سقوط آخر لطائرة في منطقة سيح الدحل بدبي بداية عقد الثمانينات . كما تعاطينا مع حوادث طبيعية في المنطقة الشرقية التابعة لإمارة الفجيرة”، مقيما مستوى إدارة تلك الحوادث بالممتاز، “في حين منحتنا التجارب رصيدا مميزا من الخبرة”، لافتا إلى أن “الإمكانات التي نملكها حاليا تفوق نظيراتها في تلك المراحل بكثير، ما يجعل قدراتنا حاليا على التصدي لأي كوارث، ومنها الزلازل، أفضل بمراحل” .
ويؤكد القائد العام لشرطة دبي أن “الجهات المختصة تطمح دائما إلى الأفضل، وتبحث تحسين قدراتها، رغم أنه لا أحد بوسعه الوقوف في وجه الكوارث الطبيعية ومنعها، وكل ما بأيدينا هو الحد من الخسائر البشرية والمادية المترتبة عليها” .


العميد عبدالله جمعة:
إمكاناتنا لا ترتقي لمواجهة كوارث


العميد عبد الله جمعة، مدير الإدارة الأمنية في مجلس التعاون الخليجي سابقا، يرى أن “الاستعدادات لمواجهة أي كوارث طبيعية في الدولة غير كافية، وجاهزية مختلف الجهات الأمنية وسواها من المؤسسات المختصة ضعيفة حتى الآن، رغم النقلة النوعية التي شهدتها السنوات الماضية على صعيد التسليح والتدريب وتوفير المعدات والتقنيات الحديثة وتطوير القوى البشرية، لاسيما في الدفاع المدني” .
يوضح أن “الاستعداد لموجهة حالات الكوارث تندرج ضمن منظومة الأمن الداخلي المتكامل، والتي يتقدمها دور إدارة الدفاع المدني إلى جانب القوات المسلحة ووزارة الداخلية، ورغم التطورات في السنوات الماضية، إلا أن إمكاناتنا في الإنقاذ والإغاثة وسواها من متطلبات التصدي للكوارث الطبيعية لم ترتق بعد إلى مستوى كوارث بحجم الزلازل مثلا” .
الشامسي: خسائر لا تقدر بثمن
نجيب الشامسي، مدير الإدارة العامة للدراسات والبحوث في مجلس التعاون الخليجي، اعتبر في حديثه ل”الخليج” من (جدة) في السعودية أن “الخسائر المادية التي تخلفها الكوارث لا تقدر بثمن، ولا يمكن تقييمها ماديا، لكونها تتجاوزها إلى الخسائر البشرية في الأرواح، والآثار النفسية المترتبة عليها، إلى جانب تسببها بضرب البنية التحتية” .


خطر متربص


الحال بالنسبة لشبكات تصريف مياه الأمطار في إمارات الدولة ينذر بالخطر، حسب ما تفيد به مصادر مختصة، نظرا لافتقار عدد من مناطقها للخدمة الحيوية، وهو ما كشفت عنه النقاب أمطار السنوات الأخيرة، ما يستدعي، والحديث للمصادر، “تحركا عاجلا من قبل الجهات المختصة في الإمارات، وتدخل حاسم وتضافر جهود الجهات الحكومية، سواء الاتحادية أو المحلية، لاستكمال البنية التحتية، وتحديدا إنشاء شبكة متكاملة للصرف الصحي في جميع إمارات ومناطق الدولة” . والمقلق، كما تقول المصادر، أن “بعض مشاريع تصريف مياه الأمطار في عدد من الإمارات توقفت، ولم تستكمل بعد إنجازها في مناطق محددة” .


تجارب وهمية


الدكتور زين العابدين السيد رزق، عميد معهد البيئة والمياه والطاقة في جامعة عجمان، يعتقد ب”ضعف الأمن الجيولوجي في الإمارات”، محذرا من “عواقب وخيمة لتدني مستوى الوعي الشعبي والرسمي بالكوارث وآليات السلوك الآمن خلالها”، لافتا إلى أن “أغلب الخسائر في الأرواح في زلزال القاهرة عام ،1992 كانت بين تلاميذ صغار من الأطفال، فقدوا أرواحهم تحت أقدام زملائهم المذعورين، بل وتحت أقدام عدد من المدرسين الفارين هم أيضا، فيما لم يجدوا جميعا من يوجههم، جراء عدم امتلاكهم ثقافة الطوارىء، ما ينبغي الحذر منه من خلال رفع منسوب الوعي الشعبي بالسلوك السليم خلال الكوارث، لاسيما الزلازل والسيول” . ويشير في المقابل إلى أن “الطفل في اليابان، وهي من أكثر الدول عرضة للزلازل، يخوض تجارب لمواجهة الزلازل منذ نعومة أظفاره، يتم خلالها وضعه في مبنى تجريبي
يتعرض لهزة صناعية، ليتعلم ماذا يفعل قبل الزلزال وخلاله وبعده” .
ويقول: “إن ملف الأمن الجيولوجي لا ينال ما يستحقه من اهتمام محليا وخليجيا، رغم التحسن الطفيف مؤخرا، بعد تعرض المنطقة لكوارث خلال السنوات الماضية” .


أبرز الكوارث في الإمارات


  هزات مسافي 2002: رصدت عالميا، وجاءت بقوة 1 .5 بمقياس ريختر، مخلفة آثارها على جدران بعض المدارس والبيوت .
غرق منطقة القرية سنة ،1995 وخلفت أضرارا بليغة في المنطقة، طالت البيوت وأحدثت تصدعات فيها، ولا تزال مختزنة في ذاكرة أبنائها .
  إعصار جونو 2007 وإخلاء في منطقة شرم والمناطق المجاورة .
  المد الأحمر ،2008 وما سببه من خسائر كبيرة في الثروة البحرية .
  غرق جزئي لمنطقة شرم ،2009 بسبب انهيار سد ترابي .