"كارثة تشيلي"..نجاح غير مسبوق في التدخل الإغاثي
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 2015 زيارة ) .
حبس العالم أنفاسه وهو يتابع باهتمام بالغ عملية إنقاذ 33  من عمال المناجم في تشيلي، بعد أن احتجزوا على عمق 600 متر تحت الأرض، لمدة تزيد عن 69 يوما؛ بسبب انهيار منجم "سان خوسيه" للمعادن في الخامس من شهر أغسطس الماضي.
 
العملية وصفت بـ"المعجزة"، وحظيت بتعاطف إنساني كبير، وتميزت عن سابقاتها على صعيد التدخل والاستجابة للكوارث، من زوايا مختلفة، ومنها يمكن استقاء الكثير من الدروس والعبر:
 
رغم أن تشيلي دولة من دول العالم الثالث إلا أنها برهنت على احترام قيمة الإنسان لديها، وتسخير كافة الطاقات والجهود الوطنية للحفاظ على حياة مواطنيها، وأعطت هذا الأمر الاهتمام الكافي من قبل مسؤوليها، بما في ذلك رأس هرم الدولة، ونجحت في إنقاذ عمالها في عملية معقدة بالغة الصعوبة، غير مسبوقة، دون أن تستسلم للتحديات والصعوبات التي رافقت العملية منذ بدايتها، أو تكون عرضة للاتهام بالتقصير والإهمال من قبل شعوبها، والتسبب ـ بالتالي ـ بمزيد من الخسائر في الأرواح والممتلكات، كما قد يحصل في  دول أخرى من العالم الثالث في حال وقع الكوارث والنكبات.
 
لقد جندت تشيلي كل إمكانياتها البشرية و المادية و اللوجستية كي تقوم بانتشال المحتجزين، وهاكم ما قامت به لنتبين أن قصة النجاح التي سطرت في نهاية المطاف كان وراءها سعي دؤوب على أعلى المستويات، وبأرقى المواصفات المادية والمعنوية:
 
1- تخصيص مسبار للأعماق؛ للكشف عن العمال المفقودين، تبين بفضله أن جميع العمال كانوا على قيد الحياة بعد 17 يوما على انهيار المنجم. 
2- تركيب كاميرات فيديو ومكبرات صوت أنزلت من فتحات التهوية؛ لمساعدتهم على الصمود، وتقديم الدعم النفسي.
3- استخدام ثلاث حفارات عملاقة، استمرت 33 يوما لحفر بئر الإخلاء، ليتم بعدها تجهيزها، وتركيب كبسولة الإنقاذ، واتخاذ الاحتياطات، وإجراء الاختبارات اللازمتين لضمان سلامة من تم إنقاذهم.
4- التعاون مع وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" في توفير مواد غذائية على شكل سوائل تكون غنية ببروتينات وفيتامينات تناسب الأشخاص الذين يعيشون في مساحات معزولة.
5- انتداب وزير يداوم يوميا في مكان الحفر.
6- إشراف مباشر من الرئيس التشيلي بنفسه على عملية الإنقاذ، وبقائه في الأيام الأخيرة في موقع المنجم؛ ليكون أول من يستقبل العمال الناجين ويهنئهم بالسلامة ـ بعد أهليهم مباشرة ـ.
 
من المؤكد أن هذه العملية أسهمت في تعزيز ولاء التشيليين لوطنهم، وأجزم أن الرئيس التشيلي سيكون أوفر المرشحين حظا لرئاسة بلاده، فيما لو قرر الترشح لفترة قادمة عندما تنتهي ولاية حكمه.. ويكفي للتنويه لهذا الولاء الإشارة إلى العبارة التي كانت الأولى التي نطق بها التشيلي "لويس أورثوا" فور خروجه إلى سطح الأرض بعد عملية الإنقاذ: "إنني فخور بكوني أعيش هنا .. شكرا لتشيلي كلها، ولكل الذين ساعدونا". وهذا المواطن هو قائد فريق عمال المنجم المحتجزين.
 
وفي مواجهة هذا الولاء، الذي لم يأت من فراغ، نجد مشاعر سخط تسود دول عالمنا العربي والإسلامي إثر الكوارث أو الحوادث الكبيرة التي تقع فيها؛ نظرا للتقصير الذي يقع في العديد منها، سواء ما يتعلق منها بالإجراءات الوقائية التي يجب أن تتخذ للحيلولة دون حصولها،  أو ما يتصل بالجهود الإسعافية والإنقاذية التي يفترض القيام بها أثناء وبعد وقوعها، وهو ما يتسبب بالكثير من الخسائر البشرية والمادية.
 
وأقرب هذه الأمثلة الانتقادات والاحتجاجات التي وجهت من المواطنين الباكستانيين لرئيسهم إزاء موقفه من الفيضانات المدمرة التي اجتاحت بلاده في شهر أغسطس الماضي، حيث لم يكلف نفسه حتى عناء قطع زيارة كان يقوم بها إلى دول أوربية، للمسارعة في تفقد المناطق المنكوبة، ومواساة أبناء شعبه، ولم يحصل ذلك إلا بعد مضي أسبوعين من وقوع الكارثة.
 
يفترض أن تكون أمتنا أحرص الأمم على قيمة النفس البشرية والحفاظ عليها؛ لأن مقاصد شريعتها الإسلامية أو الكليات الشرعية الخمس لديها هي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال للناس، ولأنها تعتز بالانتساب إلى أحد بناة دولة خلافتها الراشدة، ألا وهو عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الذي قال:  " لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها: لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر".  فما بالكم بتعاملها مع البشر أمنا وعدلا ورحمة؟!
 
قدم التشيليون إضافة نوعية في مجال إدارة الكوارث، والتدخل العاجل فيها، في إنقاذ محتجزين في باطن الأرض على أعماق سحيقة، باستخدام وتسخير أحدث الوسائل والتقنيات الحديثة لحفر بئر الإخلاء، وتصميم كبسولة الإنقاذ، حيث لم تعرف مثل هذه الكبسولات سابقا، إلا عند الحديث عن ارتياد أعالي الفضاء، بغرض صيانة أبدان رواده من انعدام الجاذبية ونقص الأوكسجين وانخفاض درجات الحرارة. أما الآن، فصرنا نتحدث عن كبسولات للهبوط إلى أعماق الأرض. وهذه الإضافة الجديدة يجب أن تدرج في السجل العلمي لإدارة الاستجابة والتأهب للكوارث والأزمات على مستوى العالم بكل ما صاحبها من تقنيات وأساليب وطرائق وميكانيزمات.
 
أسهمت وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال الفضائي المباشر في نقل عملية إنقاذ عمال المنجم حية على الهواء لحظة بلحظة، على مدار أيام، وبكل تفاصليها، وهو ما يؤكد على أهمية الدور الإعلامي في الأزمات، واستثماره في هذا العمل الإنساني المهم  في أكثر من جانب.
 
لقد أدخل الإعلام الفرح إلى قلوب الملايين في تشيلي والعالم، والذين كانوا يتمنون إنقاذ المحتجزين، ومد يد العون لهم في محنتهم، بعيدا عن اللون أو الجنس أو  العرق أو المعتقد، كمسؤولية أخلاقية وواجب إنساني، كما تنص على ذلك الشرائع السماوية والقوانين الدولية، إضافة إلى توثيق قصة نجاح رائعة في مجال العمل الإغاثي، يمكن أن تحتذى من قبل العاملين في هذا المجال، والإفادة منها في تسطير قصص مشابهة في المستقبل من خلال الصبر والعزيمة، وتحدي الصعاب، واستفراغ الجهد والطاقة للوصول إلى ذلك.