الأرقام أيضًا.. تكذب وتتجمّل !
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 302 زيارة ) .

يقول معالي وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين - وفقه الله - إنه لا صحة لوجود (3) ملايين فقير في المملكة!! ويضيف معاليه (صحيفة الرياض 29 يونيو - 2009 م ): «حسب الإحصائيات لدى الوزارة يبلغ عدد مستفيدي الضمان الاجتماعي (600) ألف حالة فقط»!!


تصريح مفجع ومثير للدهشة والاستغراب في آن معًا. فمثار الدهشة والاستغراب هنا أنه صادر عن أكبر مسؤول في الجهة التي من المفترض أنها الأكثر علمًا ودراية بالإحصاءات الصحيحة، والأعداد الدقيقة للفقراء في المملكة.. الأعداد التي لو سألت عنها أي مواطن بسيط (يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق) لأجابك بلا إحصاء أنها مليونية. أما فجيعة الخبر أو التصريح فتأتي من كونه يتساوق بطريقة أو بأخرى مع تلك الأخبار والتصاريح المؤلمة التي نراها - كمواطنين- تحجب الحقيقة المؤلمة التي يدركها الجميع، تمامًا كذلك التصريح الشهير لأحد المسؤولين الكبار قبل عدة عقود عندما صرّح لإحدى وكالات الأنباء العالمية بأنه لا يوجد مواطن سعودي لا يمتلك منزل وسيارة ومليون ريال!!


معالي الوزير : ما عهدناه في معاليكم من رحابة صدر يشجعني على القول إن قياسكم لعدد الفقراء في المملكة بعدد المسجلين لديكم كمستفيدين من الضمان الاجتماعي قياس غير صحيح، وحصر غير صائب، فهناك الكثيرون من الفقراء وذوي الحاجة غير مسجلين في سجلات الضمان الاجتماعي لأسباب جد كثيرة لا يتسع المقام لسردها؛ ومع ذلك لا يمكن نفي صفة الفقر عنهم، ويمكنكم ببساطة التعرف عليهم من خلال زيارة بسيطة للقرى والهجر والبوادي التي تشكل السواد الأعظم من مساحة بلادنا الحبيبة، ثم؛ وفي ظل تعاظم حالة الغلاء والحياة الاستهلاكية التي نعيش ، ألا يعتبر الشاب العاطل عن العمل فقيرًا ؟ ألا يعتبر الموظف الذي يتراوح راتبه بين (1000 - 2000) ريال، أو حتى (3000) ريال فقيرًا ؟ ألا يعتبر موظفو بند الأجور (44 ريالاً في اليوم) فقراء؟! ألا يعتبر المتقاعد الذي لا يتجاوز مرتبه التقاعدي (1750) ريالاً فقيرًا! ألا تعتبر الأسر التي تعتمد في معيشتها على المكافآت الجامعية لأبنائها عائلات فقيرة؟!


معالي الوزير: حكي لي من أثق بصدق روايته أن في قريته الهادئة الصغيرة المعلقة بين جبال الحجاز الشامخة، هناك؛ حيث لم يتبقَ سوى قلة من بيوتات كبار السن الذين امتدت إليهم يد جمعيات الخير لتصلهم بشيء من المعونات العينية الشهرية؛ مثل الأرز والقمح والزيت والسكر والشاي، لم يعد الآباء المسنون يستهلكون تلك الأرزاق، ليس تعفّفًا منهم، أو من باب عدم الحاجة لتلك المعونات - كما خُيل إلي في البداية-؛ لكن السر المحزن في عدم استهلاكهم لتلك الأرزاق هو أنهم يؤثرون أبناءهم الموظفين في المدن بها، نعم يا معالي الوزير؛ يخبئونها لهم حتى ولو كان بهم خصاصة، فحال الأب القروي البسيط -على سوئه- هو أفضل بكثير من حال ابنه الموظف الذي تتنازعه في المدينة هموم تأمين المأكل والملبس والمشرب وأقساط البنك والمسكن المؤجر!.


معالي الوزير: قد يكون ما قلتم به صحيحًا بأنه لا يوجد بالمملكة ثلاثة ملايين فقير؛ لكن الأكثر صحة أنه يوجد أكثر من هذا العدد بكثير، فالأرقام يا معالي الوزير تكذب أحيانًا، وتتجمّل في أحايين أخرى!