قضية اللاجئين بين التقصير الواضح والدور المؤمّل
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 2013 زيارة ) .
عند الحديث عن اللجوء واللاجئين والنزوح والنازحين، بسبب الحروب أو الاقتتال الأهلي أو الكوارث الطبيعية،  فإن ما يقفز إلى الأذهان بسرعة هي  المنظمات الأممية التي تقدم خدماتها ومساعداتها الإنسانية كالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين أو وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، أوالمنظمات الغربية المعروفة كالصليب الأحمر، أو المعاهدات الدولية المنظِّمة لهذا الجانب كاتفاقية جنيف عام 1949، أو الدول الأوربية التي  تعطي حق اللجوء الإنساني للمتضررين بسبب هذه الظروف الاستثنائية، وكأن البضاعة ليست بضاعتنا، أو أن الأمر لا يتعلق بنا، أو لا يعنينا في شيء، رغم أننا أحق به وأهله لأكثر من سبب؟  
 
هل هذا منطقي؟ إذا كان الأمر يتعلق بصورة الأمر الواقع حاليا، وتقصير العرب والمسلمين على مستوى الجهدين الرسمي والشعبي في واجبهم تجاه اللاجئين ومَنْ في حكمهم  من زواية سياسية أو أخوية أو إنسانية، فإن هذا التصور الاختزالي  يبدو  مقبولا جدا، أما إذا كان الأمر يتعلق بما ينبغي أن يكون الحال عليه فإن المعادلة ستكون مختلفة بكل تأكيد.
 
وبصرف النظر عن الدور الاستعماري لقوى دولية وإقليمية في محنة اللاجئين والنازحين وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تقومان باحتلال دول كفلسطين والعراق وأفغانستان، أو تكونان سببا في تأجيج صراعات معينة في مناطق أخرى كالصومال وغيرها، فإن واقع الحال يشير إلى مشكلة اللاجئين والنازحين في نهاية المطاف عربية إسلامية ـ في نسبتها الغالبة ـ حتى وإن تسنّمت أمرها مؤسسات وجهات إنسانية دولية، وهو ما يفرض على الأمة أن تتحمل مسؤولياتها إزاء هذه الملف بكل تبعاته، وألا تتنصل من مسؤولياتها إزاءه.
 
وللتدليل على ذلك ينبغي أن نعرف من آخر إحصاءات للأمم المتحدة أن عدد اللاجئين الذين نزحوا عن أوطانهم حول العالم يقدر بأكثر من 15 مليون لاجئ، بينما يقدر عدد النازحين داخليا ( داخل بلادهم) في العالم بأكثر من 27 مليون نسمة ، وتكشف هذه الإحصائية ـ وغيرها ـ أن النسبة الأكبر هي للاجئين والنازحين من الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمة هؤلاء مايقارب من 4.7 ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الأونروا، وهم أكبر وأقدم مجموعة لاجئين في العالم،  في 58 مخيما معترفا به في كل من الأردن ولبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية، ونحو مليوني لاجئ عراقي بسبب تداعيات غزو العراق وأعمال العنف الطائفي والإثني، موزعين على خمس دول هي سوريا، والأردن، وإيران، ولبنان وتركيا، ( فيما يقدر عدد اللاجئين والنازحين العراقيين 4 ملايين شخص)، فضلا عن نحو 3 ملايين لاجىء أفغاني ، ويضاف إلى هذه القائمة أعداد لايستهان بها من اللاجئين والنازحين في الصومال.  
 
إن ثمة قصورا كبيرا في الدورين العربي والإسلامي على مستوى الأنظمة والشعوب تجاه ملف اللاجئين والنازحين يمكن إجماله بالآتي :
 
§ عدم إطلاق المبادرات وبذل المساعي الحثيثة بما فيه الكفاية، والتي من شأنها نزع فتيل الاختلاف وإحلال السلام والاستقرار في الدول التي تعاني من الحروب والاقتتال الداخلي، كما هو الحال في أكثر من دولة مثل دارفور بالسودان، والصومال، والعراق، لوقف نزيف اللجوء والنزوح ، ودعم جهود العودة الطوعية ، ما هو موجود قليل ومحدود وغير مؤثر، وهنا لابد من الإشادة بجهود  الدبلوماسية القطرية التي سعت منذ العام الماضي ـ ومازالت ـ  في عقد لقاءات بين الفصائل الدارفورية المعارضة والحكومة الوطنية، أفضت إلى توقيع اتفاق الدوحة، وقبلها مساعيها التي نجحت في عقد اجتماع مصالحة بين الحكومتين السودانية والتشادية، وهو ما مهّد الطريق للمساعدة في جهود إحلال السلام في الإقليم. كما قامت حكومة دولة قطر مؤخرا بتقديم دعم للإغاثة العاجلة في مناطق دارفور المتضررة بمبلغ عشرة ملايين دولار، وذلك بالتعاون مع الجمعيات الخيرية القطرية.  
 
§ قلة الوعي حتى لدى الفئات المثقفة والمشتغلة بالعمل الإنساني في العالم الإسلامي والدول الإسلامية حول مفاهيم اللجوء في الشريعة الإسلامية ، والتي سبقت بها القوانين الدولية، وينجم عن ذلك  التقصير الحاصل في أداء الواجب الشرعي تجاه اللاجئين، وعدم إعطاء الإسلام ما يستحقه، أوإظهار دوره في حماية اللاجئين، وطرح الأدبيات المتعلقة بذلك في المحافل الدولية وتعريف العالم بها .
 
ومعروف أن مفهوم الأمان والإجارة الموجود في الشريعة الإسلامية ، يعد متطابقا مع مفاهيم الحماية الدولية المتضمنة في الاتفاقيات المعاصرة كاتفاقية عام 1951 للاجئين وبروتوكول عام 1967 ، وسابقا لها زمنا، ويمكن الرجوع إلى دراسة مستفضية حول هذا الموضوع بعنوان"حق اللجوء بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي" للدكتور أحمد أبو الوفا، رئيس قسم القانون الدولي بجامعة القاهرة، وذلك بتكليف من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، للوقوف على عمق هذه المبادئ وقدرتها على حماية شرائح اللاجئين وتأمين حلول مبتكرة لمشاكلهم.
 
§ عدم وجود مؤسسة إنسانية خيرية كبيرة ذات صفة إقليمية تكون متخصصة بشؤون اللاجئين على غرار "الأونروا" مثلا ، سواء أكانت منبثقة عن جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو عن جهات أهلية، ما يقدم حاليا هو عبارة عن جهود إغاثية متفرقة لجمعيات خيرية صغيرة أو متوسطة تعمل كل منها بشكل فردي غالبا، وفي مشاريع محدودة.
 
§ تقصير الإعلاميين والمشتغلين في الأدب والفن في نقل المعاناة الإنسانية للشرائح المتضررة، سواء من خلال التقارير الإخبارية أو الافلام الوثائقية أو الأعمال الإبداعية من قصص ورواية وأغنيات وصور، وثمة قصص تدمي القلوب ألما لا يأبه لها مع الأسف . إذ أن الإعلام غالبا ما يتفاعل في أوج الأزمات وعند وقوع الملمات، مسلّطا الأضواء على المناظر الطازجة للحروب والكوارث الفظيعة، ويقصّر بعد ذلك في متابعة تداعياتها ومخلفاتها المأساوية، حتى تنسى القضية برمتها أو تكاد.
 
وهذا الدور مهم جدا، لتوفير الدعم اللازم للمعونات والخدمات الإنسانية اللازمة لهذه الشرائح ، والتذكير بواجب التدخل لإنهاء محنتها وإعادتها لأوطانها وتوفير بدائل مناسبة لها، وتسليط الضوء على جرائم المتسببين بهذه المعاناة الإنسانية سواء من المستعمرين المحتلين أو الأشقاء المتقاتلين وفضحها.
 
خطأ جسيم أن نتخلى عن مسؤوليتنا الأخلاقية والأخوية والإنسانية إزاء اللاجئين ونتركهم فريسة للفقر والعوز والإحباط  والاستغلال البشع بكل صوره، خصوصا إذا كانوا إخواننا في المعتقد والنسب والجوار .