أصول العمل الخيري في الإسلام في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية
2 يناير 2008 - 23 ذو الحجة 1428 هـ( 15589 زيارة ) . ( كتاب )
القاهرة: يوسف عبد الوهاب
 
تحت عنوان " أصول العمل الخيري في الإسلام في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية" الصادر عن دار الشروق بالقاهرة، حرص العلامة والمفكر الكبير الدكتور يوسف القرضاوي ـ رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ـ على التأصيل العلمي والشرعي للعمل الخيري في الإسلام و أهميته وخصائصه، وتوضيح ورصد بعض مظاهره منذ العهد النبوي الشريف، كاشفا عن أدلته من القرآن والسنة، ومصادر تمويله، وطرح بعض النماذج التطبيقية في المجال الخيري من الناحية التاريخية. وقد تطوع الهلال الأحمر القطري ـ بالتعاون مع شركة الكهرباء والماء القطرية ـ في إعادة إصدار هذا المؤلف ضمن سلسلة " نحو ثقافة إنسانية " التي يصدرها الهلال، وهي سلسلة تعنى بنشر ثقافة القانون الدولي الإنساني ومبادئه. ويعد  كتاب القرضاوي وسيلة معرفية وفق المنهج الإسلامي  لتعزيز ثقافة العمل الخيري، و الدعوة إلى الرجوع إلى أصوله وأسسه، والسير على نهج الشريعة، والاقتداء بالسلف الصالح في هذه المجالات الإنسانية.
 
ويؤكد الدكتور القرضاوي في حديثه عن   قيمة وأهمية العمل الخيري في الإسلام اعتناء الشريعة الغراء عناية بالغة بالعمل الخيري لإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج دون  مقابل  مادي  يحصل عليه المتطوع أو طلبا للثناء والشهرة، أو نحو ذلك من أغراض الدنيا؛ فالعمل الخيري في الإسلام هدفه ابتغاء مرضاة الله ورجاء الثواب عند الله، فضلاً عما يناله في الحياة من بركة، وحياة طيبة، وسكينة نفسية، وسعادة روحية لا تقدر بثمن عند أهلها. مشيرا إلى أن عمل الخير وإشاعته وتثبيته من المقاصد الشرعية أو الضروريات الأصلية التي حصروها في خمس، وهي: المحافظة على الدين، وعلى النفس، وعلى النسل، وعلى العقل، وعلى المال، وزاد بعضهم سادسة؛ وهي: المحافظة على العرض.
 
العمل الخيري بين القران والسنة
وحول موقع العمل الخيري في القرآن والسنة يشير القرضاوي إلى أن  العمل الخيري في القرآن والسنة جاء  بصيغ شتى، بعضها أَمْرٌ به أو ترغيبٌ فيه، وبعضها نهيٌ عن ضده أو تحذيرٌ منه، بعضها مدح لفاعلي الخير، وبعضها ذم لمن لا يفعل فعلهم، بعضها يثني على فعل الخير في ذاته، وبعضها يثني على الدعوة إليه، أو التعاون عليه، أو التنافس فيه؛ ففي الدعوة لفعل الخير قال تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: 77]، وقال: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) [آل عمران: 115]. وفي  قول الخير قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83]، وفي الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". وفي  المسارعة إلى الخير قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) [آل عمران 133، 134]، وفي وصف بعض مؤمني أهل الكتاب: (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [آل عمران: 114]، وفي وصف أهل الخشية من ربهم: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: 61].
 
ويشير الدكتور القرضاوي إلى حرص الإسلام في دفع المؤمنين إلى التسابق على عمل  الخير بقوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) [المائدة: 48]. وأن يقوم فريق من الناس بالدعوة إلى الخير لقوله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) [آل عمران: 104]، وقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". مع  الحض على الخير: مثل إطعام المسكين؛ حتى لا يهلك جوعا، بقول  الله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعون: 1-3]، وقال في شأن الكافر الذي استحق دخول الجحيم: (إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ* وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الحاقة: 33، 34]، وينكر الإسلام على المجتمع الجاهلي تركه لهذه الفريضة: (كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الفجر: 17، 18].
 
ولم يقتصر الإسلام على الدعوة للخير و فعله؛ بل حرض المؤمنين على عقد النية لعمل الخيرات، وحتى ولو لم تتيسر لهم الظروف لفعله فإنه يثاب على نيته الخيرية،  كما في حديث أبي كبشة الأنماري ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا، ولم يرزقه علما، يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء".
 
مثقال ذرة خير
كما عظم الإسلام من شأن العمل الخيري ولو كان صغيرا؛ لقوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة: 7]، وقال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 40]، وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "سبق درهم مئة ألف درهم". قالوا: وكيف؟ قال: "كان لرجل درهمان، تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله فأخذ منه مئة ألف درهم فتصدق بها". [كما مدح القرآن فاعلي الخير والداعين إليه وذم الذين يمنعون الخير، فقال تعالى: (وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ* هَمَّازٍ مَّشَّاءِ بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) [القلم: 10-12].فجعل من أوصاف هذا المشرك الذميمة جملة من الرذائل؛ مثل: كثرة الحلف، والمهانة (حقارة النفس)، والهمز (الطعن في الآخرين)، والمشي بين الناس بالنميمة، وكثرة المنع للخير، والاعتداء، والإثم، وهكذا نجد صفة أو رذيلة (مناع للخير) ضمن ما ذمه القرآن الكريم.
 
ويدعو الدكتور القرضاوي  أبناء الأمة إلى التعاون في  فعل العمل الخيري  بروح الفريق لقوله  تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: 2]. وقول  رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"، وشبك بين أصابعه. داعيا أصحاب رؤؤس الأموال إلى التنسيق والتعاون  مع الجمعيات الخيرية والجهات المعنية بالضعفاء والمرضى والمعوقين وذوي الحاجات  الخاصة  لتقديم العون لهم؛ عملا بالحديث النبوي الشريف: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". كما أن ثواب العمل الخيري لا يدانيه ثواب من الله تعالى؛ فالعامل على الصدقة – تحصيلا أو توزيعا– كالمجاهد في سبيل الله، إذا  تحرى الحق، وابتغى وجه الله بعمله، ويدخل في هذا العاملون في الجمعيات الخيرية والإغاثية، وإن كانوا يأخذون أجرا على أعمالهم، إذا صحت نياتهم، وقصدوا بعملهم – في الأساس– وجه الله تعالى فعن رافع بن خديج ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "العامل على الصدقة بالحق  كالغازي في سبيل الله ـ عز وجل ـ حتى يرجع". وما ورد عن السيدة  عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا".
 
مصادر متعددة لتمويل العمل الخيري
وتطرق الدكتور القرضاوي إلى بعض مصادر تمويل العمل الخيري في الإسلام، فتحدث عن الزكاة التي فرضها الله على أموال المسلمين، تطهيرًا وتزكية لأنفسهم وأموالهم، وتحقيقا لتكافل المجتمع المسلم، ومساهمة أساسية في عمل الخير. واعتبرها الرسول الكريم: الركن الثالث من أركان الإسلام، وقرنها القرآن بالصلاة - عمود الإسلام - في ثمانية وعشرين موضعا، وهي واجبة في كلِّ مال نامٍ بلغ نصابا فاضلا عن الحوائج الأصلية لصاحبه، سالما من الدين، كما أنها تجب في كلِّ حَوْل (سنة قمرية) مرة واحدة. كما تجب عند الحصاد في الزروع والثمار، وما يلحق بها. و الدولة الإسلامية كانت أول دولة في التاريخ الإنساني تعلن الحرب من أجل انتزاع حقوق الفقراء من براثن الأغنياء. وقال في ذلك الخليفة الأول أبو بكر الصديق: "والله لو منعوني عقالا (أي حبل بعير) كانوا يؤدُّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه".
 
واعتبر الإسلام حقوق الزكاة أول الحقوق في المال، قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [البقرة:177]. على صاحب المال في الإسلام واجبات؛ فهو مال الله، والإنسان مستخلف فيه،  وأبرز الحقوق للغير في المال هو حقُّ كفالة العيش الملائم لكلِّ مَن يعيش في كنف المجتمع المسلم، بحيث يحقق له الكفاية التامَّة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن وكلُّ ما لا بد له منه، لنفسه ولمَن يعوله، على ما يليق بحاله، من غير إسراف ولا تقتير، كما بيَّنه الإمام النووي.
 
الصدقات التطوعية
ويعرض الدكتور القرضاوي في كتابه الصدقات الاختيارية التي يتطوَّع بها المسلم تقرُّبا إلى ربه، كأحد مصادر تمويل العمل  الخيري؛  حيث حفل القرآن الكريم، والسنة المطهَّرة بالنصوص الوفيرة، والمتكرِّرة، التي ترغِّب في الإنفاق في وجوه الخير، والصدقة على الفقراء والمساكين وابن السبيل، واستخدم في ذلك أساليب من التشويق والإغراء والترغيب والترهيب: ما يحرِّك الأنفس الجامدة، ويبسط الأيدي الممسكة، ويحفز على التنافس في الصالحات، والاستباق في الخيرات، منها قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً [البقرة:245]. وقوله عز وجل الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:274]. بالإضافة لعشرات الأحاديث النبوية الشريفة، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "مَن تصدَّق بعَدل تمرة من كسب طيِّب - ولا يقبل الله إلا الطيِّب - فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبها كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّه (مُهْره)، حتى تكون مثل الجبل". وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "أيُّكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟" قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحبُّ إليه. قال: "فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر".
 
الوقف الخيري
وشدد الدكتور القرضاوي على ضرورة إحياء سنة الوقف في المجتمعات الإسلامية المعاصرة؛ لتحقيق التكافل والتضامن بين أبناء الأمة، موضحا أن الصدقة الجارية من أهم مصادر تمويل العمل الخيري، وثوابها عند الله عظيم وممتد؛ لما جاء في  الحديث الشريف  الذي رواه مسلم في صحيحه: "إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". وكما جاء عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن عمر ـ رضي الله عنه ـ أصاب أرضا من خيبر، فقال: يا رسول الله، أصبتُ أرضا بخيبر لم أُصب مالا قط أنفس عندي منها، فما تأمرني؟ فقال: "إن شئتَ حبَّست أصلها، وتصدَّقت بها". فتصدَّق بها عمر - على أن لا تباع، ولا توهب ولا تورث - في الفقراء وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متموِّل. وبهذا وضع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأساس الشرعي للوقف الخيري  الذي كان أساس الحضارة الإسلامية، و كانت هذه الأوقاف من السَعَة والضخامة والتنوُّع بحيث صارت مفخرة للنظام الإسلامي،  فكانت الأوقاف لليتامى واللقطاء، والعميان، والمقعَدين، وسائر العجزة، وذوي العاهات من المحتاجين، وهو ما يؤكد أن المجتمع المسلم مجتمع متراحم متكافل، يرحم الكبير فيه الصغير، ويعطف فيه الغنيُّ على الفقير، ويأخذ القويُّ بيد الضعيف، وهو كما صوَّره الرسول الكريم: كالجسد الواحد، وكالبنيان يشدُّ بعضه بعضا.
 
ورصد الدكتور القرضاوي بعض نماذج الوقف الرائعة في الإسلام، منها: "وقف الأواني المكسورة"، وهو وقف تُشترى منه صحاف الخزف الصيني، فكلُّ خادم كُسرت آنيته، وتعرَّض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف فيترك الإناء المكسور، ويأخذ إناء صحيحًا بدلاً منه. وبهذا ينجو من غضب مخدومه عليه. و"وقف الكلاب الضالَّة"، وهو وقف في عدَّة جهات يُنفق من رَيعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب، استنقاذًا لها من عذاب الجوع، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء. وأيضا "وقف إعارة الحليِّ في الأعراس"، حيث يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه. وبهذه يتيسَّر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحُلَّة لائقة، ولعروسه أن تجلَّى في حُلَّة رائقة، حتى يكتمل الشعور بالفرح، وتنجبر الخواطر المكسورة. و"وقف الزوجات الغاضبات"، وهو وقف يؤسَّس من رَيعه بيت، ويعدُّ فيه الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الساكنون، تذهب إليه الزوجة التي يقع بينها وبين زوجها نفور، وتظل آكلة شاربة إلى أن يذهب ما بينها وبين زوجها من جفاء، وتصفو النفوس، فتعود إلى بيت الزوجية من جديد.
 
ومن النماذج الرائعة في الوقف "وقف مؤنس المرضى والغرباء"، وهو وقف يُنفق منه على عدَّة مؤذنين، من كلِّ رخيم الصوت، حسن الأداء، فيرتلون القصائد الدينية طول الليل، بحيث يرتِّل كلٌّ منهم ساعة، حتى مطلع الفجر، سعيًا وراء التخفيف عن المريض، الذي ليس له مَن يخفِّف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له مَن يؤنسه. وهناك "وقف الإيحاء إلى المريض بالشفاء"، وهو وقف فيه وظيفة من جملة وظائف المعالجة في المستشفيات، وهي تكليف اثنين من الممرِّضين يقفان قريبًا من المريض، بحيث يسمعهما ولا يراهما، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيردُّ عليه الآخر: إن الطبيب يقول: إنه على خير، فهو مرجو البُرء، ولا يوجد في عِلَّته ما يُقلق أو يزعج، وربما نهض من فراش مرضه بعد يومين أو ثلاثة أيام ، وذلك اللون من العلاج  النفسي للمريض يقرِّب الشفاء، واكتساب العافية. وقد ثبت علميا: أن هذا له أثره الإيجابي في التعجيل بالشفاء بإذن الله. وفي بلاد المغرب كان هناك "وقف لمن عجز عن دفع أجرة الحمام"، وعرف الإسلام " وقف على نوع مهاجر من الطير" و "الوقف على القطط التي لا مؤوي لها"، بجانب  المدارس والمستشفيات و الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر، والتكايا والزوايا، و بناء بيوت خاصة للفقراء، والسقايات، بتسبيل الماء في الطرقات العامَّة للناس جميعًا، وإنشاء  المطاعم الشعبية، التي كان يفرَّق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء (شوربة) وحلوى،  وإنشاء  بيوت للحجاج في مكة، ينزلونها حين يفِدون إلى بيت الله الحرام، و حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين، فقد كانت كثيرة جدًا بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين عواصم المدن الإسلامية.
 
وتطرق الدكتور القرضاوي بالشرح والتفصيل لبعض مصادر تمويل العمل االخيري في الإسلام بجانب المصادر السابقة مثل الفيء والخراج، وما يرد على خزانة الدولة لسدِّ حاجات المساكين وأبناء السبيل واليتامى وغيرهم من ذوي العَوز والحاجة. فقد نصَّ عليهم نصًّا، ولم يكن استحقاقهم بمجرَّد اجتهاد من إمام. وقال تعالى: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [الحشر:7]. ومن المصادر أيضا الضرائب من أجل الخير، و الأضحية في عيد الأضحى بتوسعة أهل المضحِّي على أقاربه وجيرانه والفقراء من حوله، وكذلك الهَدْي في الحج، وكذلك ما أوجبه الله على المسلمين من كفَّارات بمناسبة ارتكاب تقصير أو خطأ في عبادة ما، أو سلوك ما، مثل ما أُوجب على مَن حلف على يمين أن يفعل شيئا أو لا يفعل شيئا في المستقبل، ثم لم يفِ بما حلف عليه، فيحنث في يمينه، ويكفِّر عن ذلك بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم.