دور المؤسسات الخيرية في دراسة علم السياسة بالولايات المتحدة الأمريكية
21 نوفمبر 2012 - 7 محرم 1434 هـ( 7629 زيارة ) . ( كتاب )
إعداد: أحمد فتحي النجار.
 
تتزايد الأعباء الواقعة على كاهل الحكومات، خاصة في ظل التوجه نحو الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية التي تتقلص فيها الأدوار الاجتماعية، فتعمد إلى تقليص الإنفاق على أحد مواطن الإنفاق والحاجات الأساسية بشكل لا يخل بها على الإطلاق، ولكن بطريقة تكون مؤثرة على المدى البعيد، إذا لم يتم مواجهتها ودعمها لتعمل بشكلها الصحيح، ومن ثم يكون الدور القوي من المؤسسات الخيرية والمؤسسات الخاصة لتكمل الدور الحكومي الذي يتقلص أو يتراجع.
 
وفي هذا الكتاب المهم ترى المؤلفة أن مؤسسة فورد الأمريكية، باعتبارها أكبر ثاني مؤسسة خيرية في الولايات المتحدة الأمريكة، هي النموذج القوي الذي يدعم التعليم الجامعي في قطاع مهم من قطاعات التعليم والتعلم، ومؤسسة فورد اهتمت بعلم السياسة؛ باعتباره أحد أهم العلوم الاجتماعية المهمة في الوقت المعاصر.. وترى الباحثة ـ أيضاً ـ أن الاستفادة من دراسة دور المؤسسات الخيرية في إنتاج المعرفة السياسية، بالتطبيق على مؤسسة فورد، في الجامعات والمراكز البحثية الأمريكية تخدم بالأساس القائمين على عملية إنتاج المعرفة في العالم العربي، وهم صناع السياسة التعليمية، ومديرو الجامعات والمراكز البحثية، وقيادات مؤسسات المجتمع المدني، وذلك في ظل تحول الاقتصاد العربي نحو الاقتصاد الرأسمالي، الذي تتخفف فيه الدولة ومؤسساتها من القيام بالعديد من الأدوار الاجتماعية والتعليمية، بعد أن أرغمت المجتمع في أوائل القرن العشرين على قبول اضطلاعها بهذه المسؤوليات منفردة، إلا أنها لا زالت الموجه الرئيسي لسياسته التعليمية وحركته البحثية، وبالتالي فإن الدراسة تركز على لفت أنظار صناع السياسة التعليمية إلى وجود أبعاد أكاديمية للدعم الذي تقدمه المؤسسات التعليمية في العالم العربي، من خلال تقديم دراسة حالة مؤسسة فورد، ودفعهم لوضع ضوابط للاستعانة بالمؤسسات الدولية في تمويل خطط تطوير التعليم العالي والمشروعات البحثية المحلية، ومن أهم هذه القواعد الضابطة أن يبلور صناع السياسات التعليمية رؤى مستقلة، فضلاً عن أهداف مرحلية وسياسات تنفيذية للحركة التعليمية والبحثية.
 
المؤسسات الخيرية بديلاً
ترى الباحثة أهمية  تصدي المؤسسات الخيرية العربية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني لتمويل العملية التعليمية في دول المنطقة، بما يمثل بديلاً مناسباً يجب الاهتمام به والتركيز عليه للقيام بهذا الدور المهم والعملاق في الحياة التعليمية، رغم  أن المؤسسات الخيرية العربية لا زالت أقل اهتماماً بدعم عملية إنتاج المعرفة منها بتمويل الخدمات الاجتماعية والتنمية الاقتصادية،  مع أهمية الدورين معاً.
 
الأهمية العلمية للكتاب
ترى الباحثة أن المكتبة العربية تفتقر لدراسات تحليلية حول إنتاج المعرفة وأدوار المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في عملية الإنتاج المعرفي، وتبدو أهمية إدراك هذه الآليات في تأثيرها المباشر على المخرجات المعرفية، وضبط مدخلاتها وصيرورتها ضماناً لحريتها، وتأكيد انتمائها لحضارتها.. وتعد المؤسسات الممولة من أهم محددات هذه العملية؛ لقدرتها على التحكم في مدخلات العملية، وتوجيه حركتها باستخدام الإمكانات المالية؛ مما يطرح العديد من التساؤلات حول استقلالية المعرفة المنتجة وفاعليتها المتوقعة في بيئتها، ولذلك اعتادت الحضارة الإسلامية لقرون طويلة على خلق مؤسسة أهلية داعمة لإنتاج الفكر والمعرفة، مستقلة مادياً عن مؤسسات الدولة، بحيث توظف قدراتها المالية لتمويل الحركة العلمية والبحثية، دون تدخل مباشر من الدولة في عملية الإنتاج المعرفي. وبناء على ذلك، تجلت الحركة الأكاديمية في الحضارة الإسلامية، منتجة معرفة منتمية ومستقلة وفعالة، وفي هذا الصدد يبرز الدور الأكاديمي للمؤسسة الخيرية وتأثيرها في دراسة العلوم الاجتماعية، إلا أن الدراسات العربية درجت عند ربط المؤسسة الخيرية بالحركة العلمية أن تذكر تمويلها للمؤسسات التعليمية تاريخياً، وآثاره الاجتماعية، فضلاً عن مقداره وأهميته النسبية مقارنة بمصادر التمويل الأخرى، ولا يحدث نقص للأهداف العلمية لهذا التمويل المدني للمؤسسات التعليمية في الأزمنة المعاصرة، فهو أداة لتنفيذ سياسة وتحقيق أهداف تتعدى مجرد الإنفاق في أوجه الخير، وبطبيعة الحال تنعكس هذه الأهداف والسياسات على الحركة العلمية ذاتها، ويدع نطاق التأثير المباشر للمؤسسات الخيرية على دراسة علم السياسة مجالاً بحثياً جديراً بالاهتمام والدراسة لارتباطه الوثيق بحركة المجتمعات ووسائل تسييرها، كما أن جوانب من أهمية الدراسة العلمية تنبع من دراسة هذا الدور (موضوع البحث) في الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً؛ باعتبار سعة انتشار مناهج علم السياسة الأمريكي  ونظرياته، واتجاهاته العامة، وعالمية تأثيرها، كما أن تشعب أدوار المؤسسات الخيرية الأمريكية، وامتدادها على الصعيد العلمي خارجياً، يطرح تساؤلات مماثلة حول تأثير التوجهات التعليمية التي تدعم جامعاتها، وقد تكون بدراسة الأدوار الأكاديمية في الدول التي تدعم جامعاتها.
 
فرضيات البحث
ترى الباحثة أن ثمة علاقة طردية بين تزايد حدة الصعوبات المالية للجامعات الأمريكية؛ بسبب ارتفاع نفقاتها وانخفاض مواردها، وبين أهمية دعم المؤسسات الخيرية للعملية التعليمية والبحثية، وترى ـ أيضاً ـ أنه لما ارتبطت فروع علم السياسة المدعومة من مؤسسة فورد بأهداف هذ المؤسسة وفلسفتها العامة زاد ثقل تمويل المؤسسة لهذه الفروع التعليمية؛ وبالتالي تزايد قدرتها على توجيه الحركة التعليمية والبحثية بها على صعيد النماذج المعرفية السائدة، والمناهج المستخدمة، والقضايا المدروسة، وفي هذا الصدد فإن التحول في الأهمية النسبية للأهداف المرحلية للمؤسسة  يلقي بظلاله على أولوية تمويل فروع علم السياسة المختلفة، وآلياته على أجندة فورد. 
 
مصادر البحث
يعتبر هذا البحث من الأبحاث القوية والمرهقة في الوقت نفسه، ولكن الباحثة  اعتمدت على العديد من المصادر، منها مصادر أولية من مؤسسة فورد، ووثائق ثانوية تتعلق بالبحث في الأبعاد الأخرى المرتبطة بقضايا الدراسة، وتنقسم إلى ثلاث مجموعات، منها مصادر لدراسة المؤسسات الخيرية الأمريكية، وأخرى لدراسة مصادر تمويل الجامعات الأمريكية والصعوبات المالية التي تواجهها، ومنها مصادر لدراسة الاتجاهات الأكاديمية لعلم السياسة.
 
والله من وراء القصد ،