"التمكين الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة "دراسة ميدانية"
19 يناير 2010 - 4 صفر 1431 هـ( 26346 زيارة ) . ( كتاب )
القاهرة: كمال حسن
 
توصل  الدكتور/ مهدي محمد القصاص ـ مدرس علم الاجتماع  بجامعة المنصورة المصرية ـ في دراسته الميدانية المعنونة بـ" التمكين الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة" إلى عدة نتائج منها: تدني وضعية ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع المصري، ومعاناتهم من الكثير من المشكلات الاجتماعية والنفسية الناتجة أصلا عن نظرة المجتمع إليهم، وليست المترتبة على الإعاقة في حد ذاتها؛ حيث لوحظ عدم حصول المعاقين على الكثير من الحقوق والخدمات مقارنة بأقرانهم العاديين. وضرب أمثلة لذلك بعدم توافر فرص العمل الكافية لذوي الاحتياجات الخاصة، حتى في إطار نسبة الـ 5% من فرص العمل، حسب ما ورد في القانون. وفي حال عمل هؤلاء الأفراد يلاحظ أنهم يعملون في أعمال أو وظائف لا تتناسب مع ما يرد في شهادة التأهيل الاجتماعي التي تعطى لهم من مكاتب العمل والشؤون الاجتماعية. مشيراً إلى أن العجز المادي وفقر الرعاية الصحية يزيد من معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم، وينعكس ذلك على تدني مشاركتهم في الأنشطة المجتمعية المختلفة، وميلهم للعزلة.
 
عرض الباحث  مجموعة توصيات لتمكين المعاقين، منها: دعم أنشطة وبرامج الجمعيات الأهلية العاملة في مجال رعاية وتربية ذوي الاحتياجات الخاصة بمختلف أشكال الدعم المالي والفني، وإنشاء نوادي اجتماعية ورياضية متخصصة توفر سياقا لممارسة ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم كافة الأنشطة الرياضية والترفيهية، وكذلك إنشاء مراكز التدريب والتأهيل المهني؛ لإكساب ذوي الاحتياجات الخاصة المهارات التي تمكنهم من العمل المهني بمختلف صيغه لمساعدتهم علي الحياة المستقلة. معتبرا الإعاقة قضية اجتماعية في المقام الأول، تتخلق في ظل ظروف اجتماعية معينة تحد من تفعيل فائض الطاقة لذوي الاحتياجات الخاصة، وبالتالي فإن استغلال فائض الطاقة يتطلب إنشاء مراكز علمية  متخصصة لدراسة كافة الموضوعات المرتبطة بالإعاقة والمعوقين.
 
تقوم فكرة البحث ـ حسبما جاء في مقدمة الدراسة ـ على عملية إدماج وتفعيل دور ذوي الاحتياجات الخاصة داخل مجتمعهم المحلي، حيث تكمن مشكلة المعاق والإعاقة في الظروف والسياقات الاجتماعية المختلفة، وهو ما ترتب عليه  استبعاد الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من مسار الحياة الطبيعية. وتساءل الباحث عن الأدوار التي يمكن أن يقوم بها المجتمع بكافة نظمه و مؤسساته لإكساب ذوي الاحتياجات الخاصة المعارف والاتجاهات و القيم والمهارات التي تمكنهم من مثل هذه المشاركة وتقبل المجتمع لهم. فيما استندت فكرة البحث  على أن التنمية البشرية هي تنمية الفعل من ناحية، وتنمية التفاعل من ناحية أخرى؛ أي أن التنمية البشرية لا بد أن تشمل تنمية رأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي في آن واحد.
 
واستهدفت الدراسة إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المجتمع، وتغيير الثقافة السائدة عن الإعاقة، من خلال تحديد الأدوار التي يمكن أن يسهم بها أفراد المجتمع ومؤسساته لتحقيق التطبيع الاجتماعي مع هذه الفئة وقبولهم وذلك؛ بغرض الوصول إلى وضع  سياسات وآليات تعمل على إدماجهم في كافة قضايا التنمية.
 
وبدت  أهمية البحث في  التأكيد على أن الإعاقة تتخلق أساسا في ظل ظروف اجتماعية معينة، حتى وإن كانت ذات منشأ تكويني أو وراثي.
 
وقصد الباحث بمفهوم التمكين الاجتماعي بأنه: "إكساب ذوي الاحتياجات الخاصة مختلف المعارف والاتجاهات و القيم و المهارات التي تؤهلهم للمشاركة الإيجابية الفعالة في مختلف أنشطة وفعاليات الحياة  الإنسانية إلى أقصى حد تؤهله لهم إمكانياتهم وقدراتهم، إضافة إلى تغيير ثقافة المجتمع نحو المعاقين والإعاقة من ثقافة التهميش إلى ثقافة التمكين". ووسع مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة ليشمل فئات اجتماعية كثيرة غير ذوي الحاجات الخاصة (الجسمية أو الذهنية )؛ فهناك الإعاقة ( العقلية – السياسية – القانونية – الاقتصادية)، مشيرا إلى أن ذوي الاحتياجات الخاصة فيهم معاقون لأسباب بعضها وراثي، وبعضها بيئي نتيجة  حادث سيارة – إصابة عمل – سوء تقديم الخدمة قبل الحمل وأثناء الولادة -، كذلك يضم إليهم المعاق ثقافيا وسياسيا، و الموهوبون؛ لأنهم ذوو احتياج خاص  في التعامل. وعرَّف الإعاقة بكونها:" فقدان أو تهميش أو محدودية المشاركة في فعاليات وأنشطة وخبرات الحياة الاجتماعية عند مستوى مماثل للعاديين؛ وذلك نتيجة العقبات، و الموانع  الاجتماعية و البيئية".
 
وطرح الباحث عدة تساؤلات فرعية ورئيسية في دراسته، أهمها: الأدوار التي يمكن أن يقوم بها المجتمع بكافة نظمه ومؤسساته لإكساب ذوي الاحتياجات الخاصة المعارف و الاتجاهات و القيم و المهارات التي تمكنهم من الاندماج في فعاليات الحياة الاجتماعية، بجانب عدة أسئلة فرعية حول  طبيعة إدراك أفراد المجتمع لذوي الاحتياجات الخاصة، و تصور أفراد المجتمع للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وإمكانية  تنمية النظرة الإيجابية لدور ذوي الاحتياجات الخاصة، و أشكال الرعاية الاجتماعية المقدمة لذوي الاحتياجات الخاصة،  والسبل لتمكين ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع و الاستفادة منهم.
 
ورأى أن  الدمج الاجتماعي  كلمة تكتسي معاني مختلفة حسب المستعملين لها؛ فهي تعني عند بعضهم وجود أطفال معوقين داخل فصول مدرسية عادية، يتابعون تعليمهم في ظروف الأسوياء نفسها. وتعني عند بعضهم الآخر وجود أطفال معاقين داخل فصول مدرسية عادية، مع تحوير جزئي في وسائل وظروف التعليم، مثل: الاعتماد على بعض طرائق التربية الخاصة ـ مثل طريقة برايل ـ والاستفادة من دعم تعليمي خارجي. وتعني عند فريق آخر من المهتمين بالتربية الخاصة استفادة المعوقين من بعض المواد المدرسية المدرجة ضمن الفصول العادية ـ كالأشغال اليدوية و الرسم ـ مع مواصلة تعليمهم بمراكز التربية الخاصة. أما المعني الرابع للدمج فيعني وجود فصول للمعاقين داخل المدارس العادية، لها مربوها المختصون ووسائلها المناسبة، ولا يختلط المعوقون بالأسوياء إلا في فناء المدرسة أو في بعض المناسبات.
 
ويرى الباحث أن  دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يعتبر من الموضوعات الهامة التي تنتج عنها تغير النظرة التقليدية لعملية التعليم، و التي كانت تتم في مدارس خاصة بالمعاقين بما لا يسمح للمعاق بالتعامل أو التفاعل مع مجتمع العاديين؛ مما دفع المهتمين بشؤون تعليم وتأهيل المعاق إلى إعادة النظر في الأسلوب المتبع في رعايته وتربيته. ومن هنا انبعثت فكرة دمج، أو توحيد المجرى التعليمي، أو تكامل التعلم بالنسبة للمعاق مع الأطفال العاديين، وبدأت فكرة عزل المعاقين بعيدا عن العاديين تلقى رفضا من بعض العلماء المتخصصين، وخصوصا أن المناهج التي تقدم للمعاقين ضعيفة، ويقوم بتدريسها مدرسون من غير المتخصصين. مشيراً إلى أن من المسلمات التربوية المعروفة أن لكل طفل الحق في الحصول على قدر معين من التربية و التعليم، لا فرق في ذلك بين سوي ومعاق، كما أن أغراض التربية وأهدافها متماثلة بالنسبة لجميع الأطفال، بالرغم من أن المتطلبات اللازمة لإتمام عملية التربية لكل طفل قد تختلف تبعا لقدراته وإمكاناته واستعداداته.
 
متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة
وعن وعي المجتمع بمتطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة يرى الباحث أن من أهم متطلبات تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة هو توفير كافة أشكال المساندة الاجتماعية و الخدمات الصحية لأسر ذوي الاحتياجات الخاصة؛ لخفض مستويات الضغوط النفسية الواقعة على هذه الأسر. منتقدا القصور في التشريعات القانونية المتعلقة بتعليم ورعاية هذه الفئة، وهي تعد من ضمن أهم الأسباب التي ترتبط بهذا الظلم الاجتماعي. واعتبر  قضية تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة ودمجهم في المجتمع اندماجا كليا قضية إنسانية تتعلق بالمجتمع ككل، وتحتاج إلى كامل جهوده حتى  يتحقق الإقبال الجماهيري، و الوعي بها، وإزالة المعوقات والاتجاهات السائدة التي تعزز المفاهيم الاجتماعية الخاطئة التي ترى أن الإعاقة مصدر من مصادر النقص التي تحط من قدر صاحبها.
 
وناقشت الدراسة  بعض أشكال الإعاشة والسكن للمعاقين مثل البيوت المجتمعية،  وهي بيئة أقل تقييدا اقتضت العيش في مؤسسات اجتماعية تتشابه إلى حد ما مع ترتيبات الحياة العادية كلما أمكن، وبيوت التبني، حيث يعيش بعض المعاقين في أسر بديلة، توفر لهم رعاية مؤقتة إلى أن يتم توفير ظروف حياة طبيعية بديلة لهم. وتوفر بيوت التبني خبرات حياة إيجابية للمعاقين، مثل: المشاركة في الخبرات الأسرية العادية، وتكوين صداقات إيجابية، أو العيش بصورة مستقلة، وهي تتيح فرصة كبرى للمشاركة الاجتماعية الطبيعية، وهذا الأمر قد لا يتاح للكثير من ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة ذوي الإعاقات المتوسطة والشديدة منها، بجانب المؤسسات التي توفرها الدول لمن لا يستطيعون العيش بصورة مستقلة(52).
 
المعاق  والعبء الاجتماعي
ولاحظت الدراسة  وجود اتجاهات اجتماعية سلبية تجاه المعاقين،  كالنظرة إلى المعاق بوصفه عبئا اجتماعيا لا مردود من ورائه؛ لعجزه عن الإتيان بأية سلوكيات تفيد المجتمع،  وهو ما يتطلب في الأساس تحسين وضعية المعاقين في المجتمع، ويعتمد ذلك على تغير الاتجاهات والمعتقدات الاجتماعية، وذلك من خلال برامج توعية أفراد المجتمع بكافة قضايا الإعاقة والمعوقين، و إحداث تغييرات هيكلية جوهرية في النظام التعليمي العام من حيث أطره التشريعية وإجراءاته ليستوعب المعاقين في إطاره بتوفير مختلف الفرص التعليمية المتاحة لغير المعاقين. داعيا إلى تفعيل الاهتمام بالشخص المعاق  ذاته وما لديه من قدرات ومميزات خاصة يتم التركيز عليها وتنميتها، وتوفير كافة خدمات الرعاية الصحية، ودعم مؤسسات التأهيل المهني العاملة في المجال.
 
برامج الجمعيات الأهلية
وشددت الدراسة على دعم أنشطة وبرامج الجمعيات الأهلية العاملة في مجال رعاية وتربية ذوي الاحتياجات الخاصة بمختلف أشكال الدعم المالي والفني، وإنشاء نوادي اجتماعية ورياضية متخصصة توفر سياقا لممارسة ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم كافة الأنشطة الرياضية والترفيهية، وإنشاء مراكز التدريب والتأهيل المهني؛ لإكساب ذوي الاحتياجات الخاصة المهارات التي تمكنهم من العمل المهني بمختلف صيغه؛ لمساعدتهم على الحياة المستقلة، وتدريب القائمين بالإحصاء العام لتعداد السكان، و تزويدهم بالمهارات اللازمة للكشف عن الإعاقة. كما دعت  إلى الكشف المبكر عن حالات الإعاقة، والتأكيد على المتخصصين في مختلف الهيئات والمؤسسات التي يمكن أن يلجأ إليها أو يتعامل معها المعاقون ذهنيا بأهمية توجيه أولياء أمور الأفراد المعاقين ذهنيا لأماكن الخدمات المطلوبة طبقا لاحتياج كل حالة، لأي نوع من أنواع الخدمة، سواء  كانت  تعليمية أو صحية أو تأهيلية، وتطوير مدارس التربية الفكرية، و تدريب المدرسين للتمكن من التغلب على الفروق الفردية الكبيرة التي يمكن أن تظهر لدى الأطفال المعاقين ذهنيا.
 
وأكدت الدراسة على ضرورة تفعيل دور الجمعيات الأهلية، و استغلال ما قدمته هذه الجمعيات من خدمات ذات جودة عالية، و هو ما يعمل على نشر الخدمة على نطاق أوسع، وإعطاء صلاحيات أكبر لهذه  الجمعيات في توفير و تقديم الخدمات المناسبة لكل حالة، و تحديد التدخلات الأكثر فائدة في هذا المجال، والخروج بحملات للتوعية بمسببات الإعاقة الذهنية و طرق الوقاية، و كيفية تجنب حدوثها، مع ضرورة مراجعة نظام التأهيل بمكاتب التأهيل من بدايته، من حيث وضع نظام جديد للمسح الميداني؛ للتمكن من حصر الوظائف الأكثر ملاءمة للأفراد المعاقين ذهنيا.