الباذل بصمت
2 يناير 2007 - 12 ذو الحجة 1427 هـ( 6328 زيارة ) . ( كتاب )
القاهرة: كمال حسن
 
ضمن سلسلة كتاباته عن العمل الخيري ورواده في دول الخليج العربي، يرصد الدكتور عبدالمحسن عبدالله الجارالله الخرافي في كتابه "الباذل بصمت .. ناصر عبدالمحسن السعيد" أربعة أبعاد جوهرية في شخصية الراحل ناصر السعيد، الملقب بـ"أمير العمل الخيري الخليجي"، تتضمن البعد الشخصي، والاجتماعي، والاقتصادي، والخيري في الراحل الكبير  صاحب الرحلة الحافلة بالعطاء والأعمال الإنسانية في مختلف المجالات، حيث يصفه المؤلف ـ وهو كاتب وأكاديمي مخضرم في كتابة السير الذاتية لرواد العمل الخيري الخليجي ـ بأنه كان ـ رحمه الله ـ مبدعاً على المستوى الاقتصادي، وصاحب نظرة ثاقبة للمستقبل القريب والبعيد، وصاحب مبادرات  خيرية عديدة امتدت للعديد من الأقطار العربية والأقليات المسلمة في آسيا وإفريقيا. فيما يعد ناصر عبد المحسن السعيد، المتوفى يوم الاثنين 17 رمضان 1427هـ، الموافق 9 أكتوبر 2006، بعد حياة حافلة بالعطاء، يعد أحد رجالات الكويت المتميزين في العمل الخيري من حيث البذل والعطاء، بلا ضوضاء ولا أضواء ولا شهرة ولا سمعة.
 
وتتضمن مقدمة الكتاب نعيا من أبناء الراحل الكبير، تقول بعض فقراتها: " إلى روح الوالد المرحوم بإذن الله تعالى ناصر عبدالمحسن السعيد، الذي شق طريقه في صخور الحياة الصلبة يتيماً وحيداً بإرادة لا تعرف اللين، وتصميم على النجاح لا يعرف الكلل؛ فتخرج من مدرسة الصحراء بكل قسوتها، ومن مدرسة البحر بكل أهوالها، ومن مدرسة الحياة بكل ما فيها من قيم شريفة ومبادئ إسلامية لا يحيد عنها مهما تغيرت الظروف ومهما اختلفت المصالح. وإلى روح الوالدة الوفية التي عاشت معه قرابة الخمسة والستين عاماً، فكانت نِعْمَ الزوج، وكانت نِعْمَ الراعي لبيته ولأولاده، دعاؤنا بالرحمة والمغفرة".  بجانب بعض الأبيات الشعرية التي تنعى الراحل، منها:
 
بعض العرب لا مات نبكي لفرقــــاه       لا مات شيخ القوم ما ظن ننساه
 
أبكي على أهل الطيب وأقول عزاه       العـــم نــاصر كلنا اليـــوم ننعـــاه
 
بلا ضوضاء أو أضواء
ويصف مؤلف الكتاب المغفور له ـ بإذن الله ـ ناصر عبدالمحسن السعيد بأنه شخصية فذة، تمثل فخر المجتمع الكويتي والعمل الخيري، وأصبحت نادرة بيننا فعلاً، لم نكن نسمع عنها إلا في عصور الإسلام المتقدمة من حيث البذل العظيم، ولكن بصمت، وبلا ضوضاء ولا أضواء ولا شهرة ولا سمعة. عارضا لمحطات في سيرته الشخصية بأنه ينتسب إلى آل نصار من الحباشين من آل بوحسن من المشاعرة من الدراسر، وولد في قرية جلاجل في هضبة نجد عام 1908م - 1326هـ، توفي والده عندما كان عمره ثلاث سنوات، انتقل بعدها إلى حضانة أجداده عبدالكريم وعلي الإبراهيم السليمان السعيد، حيث كان في رعاية جدته عائشة الزكري، ودرس ـ رحمه الله ـ عند معلم الصبيان أحمد الصانع في عام 1340هـ في مدينة المجمعة، حيث نقله عمه إبراهيم العبدالله السعيد.
 
وتلقى ـ رحمه الله ـ تعليمه الأولي في مدرسة الشيخ أحمد الصانع في المجمعة، و بعد إتمامه لقراءة القرآن سافر مع عمه إبراهيم إلى الشمال ( قرية الحجرة ) وزاول التجارة هناك حتى عام 1348هـ. و شارك مع الملك عبدالعزيز في معركة ( خبارى وضحاء ) في عام 1348هـ. و في أواخر عام 1348هـ عمل في الغوص في مدينة الجبيل. وفي عام 1349هـ انتقل إلى الكويت، وبدأ العمل مع السفن التي تنقل تمور الكويت والعراق إلى الهند، ولمدة خمس سنوات، حصل منها على مكسب مقداره ( 1500 ربية )، و قرابة عام 1353هـ ترك السفر بالسفن وفتح دكاناً للمواد الغذائية. و في عام 1357هـ انتقل لتجارة التمور والعيش بالجملة، حيث كان يبيع على قوافل البادية، وكان يقرضهم ما ينقصهم من مال ويستوفي حقوقه منهم عند استلامهم لشرهاتهم من الملك عبدالعزيز في الرياض. وبعد بداية الحرب الألمانية الإنجليزية توقفت قوافل البادية، فانتقل بعدها لتجارة الزل، حيث كان يستورده من إيران ويصدره إلى الرياض ومكة المكرمة حتى عام 1370هـ. وفي عام 1370هـ بدأ يتاجر في العقار مع بداية الحركة العقارية بسبب ظهور البترول في الكويت.
 
اليتيم الذي أدرك حقوق المحتاجين في مال الله
وكان اليتم المبكر دافعاً للنجاح والفلاح؛ فلم يذل نفسه إلا لله، ولم يطرق إلا باب الكريم تعالى، فدخل مجال الغوص على اللؤلؤ، وخاض لجج البحار، وواصل الليل بالنهار. ومن أهم الصفات التي تحلى بها المرحوم ـ بإذن الله ـ حسبما جاء بالكتاب كرمه وسخاؤه، فكان يعطي السائلين مبالغ تسد حاجتهم هبة لا ترد،  وكان يتنازل  عن الديون للمعسرين، وكان وجهاء الكويت يحيلون إليه كل المؤسسات الخيرية الإسلامية، وكان يحرص على عدم رد أحد خائبا أبداً. ومن أهم صفاته الشخصية - يرحمه الله - أمانته، حيث كان معظم معارفه من أهل الكويت والمملكة العربية السعودية يحبون مشاركته؛ لأمانته وأخلاقه. ومن مظاهر إحسانه تبرعه للحكومة بأرض تقام عليها مدرسة في منطقة جليب الشيوخ عام 1957، أي في وقت كان يسعه فيها أن يبيعها للحكومة أو للأفراد ويجني منها الملايين. ويعادل  هذا التبرع اليوم ما قيمته أكثر من 5 ملايين دينار كويتي، وهو ما يدل على جزالة العطاء، وضخامة التبرع. ومن مظاهر إحسانه ـ كذلك ـ بناؤه عمارتين كاملتين في ميدان "حولي "، ثم سلمهما بنفسه لوزارة الأوقاف؛ لينفق من ريعهما على وجوه الخير المتعددة التي تقوم عليها، وتبلغ قيمتهما ـ حالياً ـ نحو مليون دينار كويتي.
 
واتسم الراحل الكبير بأنه كان طيب النفس، حريصاً على الأجر، يخلط الاستثمار الدنيوي بالاستثمار الأخروي؛ فأثمرت أنشطته العقارية ثماراً يانعة، وعوضه الله خيراً منها أضعافاً، مصداقاً لحديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ما نقص مال من صدقة». ففي عمارة المساجد كان للفقيد الراحل نصيب وافر من عمل الخير، كما كان له باع كبير في التبرع لحفر الآبار الارتوازية، والتي تقدر بالعشرات في إفريقيا عن طريق لجنة العون المباشر. وعندما صدر مرسوم إنشاء الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية تبرع بمبلغ مليون دولار. وكان ـ رحمه الله تعالى ـ يدعم بشكل ثابت وسنوي الهيئات الخيرية العاملة في الميدان. أما عن التبرعات المقطوعة فقد كانت كثيرة تصعب على الحصر، خصوصاً للشعب الفلسطيني، والسوداني، والبوسنة والهرسك، ولأهل الصومال، ولجنة مسلمي إفريقيا، ودعم صندوق الأسرة...
 
صندوق لتزويج غير القادرين
وعرف عنه الحرص على صلة الرحم؛ حيث خصص نصف بيته لضيوفه من أبناء عمومته الذين يفدون من السعودية للكويت، فكانوا يقيمون في ديوانه ما شاؤوا، وكان يطيب لهم المقام إلى جانب عصاميته. وأدرك حق القرابة وذوي الرحم، فما أن أنشأت العائلة صندوق الأسرة، التي ينتمي إليها الآن ما يزيد على الألف في الكويت والسعودية، حتى سارع إلى دعمه بمبلغ كبير. وتقضي فكرة الصندوق بأن يتبرع كل فرد في العائلة بمبلغ 10 آلاف ريال سعودي، ينفق منها على إعانة الشباب الراغبين في الزواج الأول وسائر الاحتياجات الأخرى، وإنفاق الأموال على المحتاجين في الأسرة، ودعمهم، والتخفيف عنهم، وبناء استراحة تكون بمنزلة ناد للأسرة، وسارع بالتبرع بمبلغ مليون ريال سعودي لدعم الصندوق العائلي.
 
بناء مساجد ووقفيات خيرية
ومن مظاهر البر و الإحسان  للراحل الكبير التبرع للحكومة بأرض تقام عليها مدرسة في منطقة جليب الشيوخ عام 1957، أي في وقت كان يسعه فيها أن يبيعها للحكومة أو للأفراد ويجني منها الملايين، لكنه اقنع شركاءه فيها، وهما أخواه من أمه محمد وعبدالله الزامل، بأهمية ووطنية وخيرية هذا التبرع. كما قام ببناء عمارتين كاملتين في ميدان حولي من أجل التبرع بهما، بمساحة تقارب 750 مترا مربعا، وتضم كل منهما ثلاثة طوابق، بناها على أفضل وجه، ثم سلمهما بيده إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ لينفق ريعهما على وجوه الخير المتعددة التي تقوم عليها. وفي مجال عمارة المساجد  بنى المساجد على أحسن وجه في الكويت وخارجها، ومنها مسجد في خيطان بالكويت، ومسجد في جلاجل بالمملكة العربية السعودية، و مسجد ومركز إسلامي في جاكرتا بإندونيسيا. وقام بحفر الآبار الارتوازية، حيث حفر ـ رحمه الله ـ عشرات الآبار الارتوازية الرئيسية في إفريقيا عن طريق جمعية العون المباشر( لجنة مسلمي إفريقيا سابقا)، وقد حفرها باسم والديه وجده وعمه إبراهيم؛ وفاء للأربعة الذين كانت لهم بصمة واضحة في حياته.
 
وقدم  المنح الدائمة للجهات الخيرية، فرحمه الله كان يدعم بشكل سنوي ثابت كلا من الهيئات الخيرية العاملة في الميدان الخيري، سواء من زكاة أمواله التي تبلغ في العادة 150-200 ألف دينار سنويا، أو من صدقاته وتبرعاته التي شملت كلا من الجهات الخيرية التالية:
 
جمعية عبدالله النوري الخيرية بمبلغ عشرة آلاف دينار سنويا. هذا بالإضافة إلى تبرعه للجنة فلسطين الخيرية بمبلغ 30 ألف دينار عام 1986، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بمبلغ 40 ألف دينار كل عام. وجمعية التكافل لرعاية السجناء. وكذلك تبرعه إلى اللجنة الشعبية لجمع التبرعات بمبلغ خمسين ألف دينار كويتي لمصلحة لبنان حين اجتاحته الآلة العسكرية اليهودية عام 1982، كما تبرع بشحنة غذائية بما يعادل حينها خمسة آلاف دينار كويتي قيمة إيصال ألف كيس رز، وخمسمائة كيس سكر إلى مصر عام 1967، بعد الهزيمة العسكرية للعرب ومصر.   
 
مجمع خيري بمصر، ودار أيتام بلبنان
وللراحل الكبير صرح خيري عملاق  بمصر، هو مجمع ناصر عبدالمحسن السعيد، الذي يشمل مسجداً، ودار مناسبات، ومصلى للحريم في مدينة البراجيل، بجانب  مركز ناصر عبد المحسن السعيد للغسيل الكلوي بمدينة أوسيم في محافظة 6 أكتوبر، كما له ـ رحمه الله تعالى ـ أياد بيضاء في دعم ورعاية جمعية "رعاية اليتيم" في صيدا بلبنان، وعدد من البلدان العربية؛ فحياة الراحل، التي امتدت نحو مئة عام، قضاها في العمل الخيري، مبتغياً بذلك وجه الله تعالى، وتاركاً سيرة حسنة وقدوة طيبة لأبنائه وأحفاده ومحبيه من بعده؛ لتكون نبراساً لهم يضئ الطريق، حتى خلال مرضه الأخير. وكان أثناء تلقيه العلاج الطبيعي يذكر الله كثيراً، ويقسم مشيه إلى 3 أشواط: استغفار، وتسبيح وتحميد، وتكبير. ولما توسم فيه الطبيب المعالج الخير والصلاح طلب منه أن يعظه ويوصيه ببعض أعماله الخيرة من أجل تحصيل الحسنات التي تنفعه يوم القيامة.
 
قصة مؤلف أدرك قضية الإعلام الخيري
يشار إلى أن مؤلف كتاب " الباذل الصامت " الدكتور عبدالمحسن عبدالله الجارالله الخرافي" هو من أبرز الكتاب العرب في توثيق الأعمال الخيرية  ورصد رواد هذا المجال، رغم أن دراسته في مجال الرياضيات، حيث حصل على درجة الدكتوراة في الرياضيات من جامعة لفبرة- المملكة المتحدة – عام 1986م.
 
ومن مؤلفاته:
 
1- موسوعة "محسنون من بلدي"، في ثمانية أجزاء.
 
2- "الأيادي البيض ".
 
3- سجل الوفاء للمحسنين الكويتيين في مجال دعم الخدمات الصحية - 2004م.
 
4- عائلة العثمان. ... مدرسة السفر الشراعي في الكويت – 2003م.
 
5-عبد الوهاب عبد العزيز العثمان ... ريادة عائلة وتميز إنسان – 2003م.
 
6- حمد عبد المحسن المشاري ... سيرة وعطاء – 2006م.
 
7- اللجنة الشعبية لجمع التبرعات ... سفينة الخير الكويتية وعطاؤها بين موانيء النكبات – 2007م.
 
8- الباذل بصمت ... ناصر عبد المحسن السعيد - 2007م.
 
9- مؤسسو الاقتصاد الإسلامي المنطلقون من تجربة بيت التمويل الكويتي – 2007م.
 
10- عبدالله العلي العبدالوهاب المطوع .. رائد العمل الخيري الكويتي والعالمي: تعريفات وإحصاءات – 2008م.
 
11- عائلة الغنام ... رمز الضيافة الأصيلة للديوان الكويتي – 2008م.
 
12- عائلة البابطين ... رمز الضيافة الأصيلة للديوان الكويتي – 2008م.
 
13- سلسلة "قوافل شهداء الكويت الأبرار" ( 8 أجزاء ).
 
وللمؤلف اهتمامات بإحياء شعيرة الوقف؛ فهو معد ومقدم برامج "نجوم في سماء الوقف"، "الوقف في العالم الإسلامي"، "إشراقات الوقف"، وكذلك برنامج "مربون من بلدي" في البرنامج العام لإذاعة الكويت، وغيرها من البرامج الجادة في الإعلام الخيري.