إضافة للعمل الخيري
25 ديسمبر 2012 - 12 صفر 1434 هـ( 1107 زيارة ) .
تطرق كتاب النوازل الوقفية، للدكتور/ ناصر بن عبدالله الميمان، لثلاث قضايا من القضايا الكبرى
في منظومة الوقف، التي تعتبر معلماً من معالم التكافل الاجتماعي في الإسلام، وهي
التي كان ولا يزال يعول عليها الكثير من الأدوار في حياة المسلمين في الوقت
المعاصر ومستقبلاً.
 
 
وجاءت مادة الكتاب في شكل بحثي محكم ورصين لتقدم مادة علمية تستند إلى رؤية عصرية عميقة،
بمرجعية إسلامية، لمستجدات هامة جداً على منظومة الوقف، قد تؤثر فيه إيجاباً أو سلباً.
 
 
قيمة الكتاب
 
تتضح قيمة الكتاب من خلال مادته البحثية الثرية، وموضوعاته العصرية ذات القدر الكبير من الأهمية والواقعية، المستجدة بكل الحسابات على منظومات الوقف الإسلامي. والقراءة الموضوعية الأولية للكتاب ستوضح مدى الجهود التي بذلها المؤلف في الذهاب وراء كل كلمة من كلمات مادته في متون الكتب والأبحاث والمجلدات لتقديم تحليل فقهي علمي منطقي
لكل صغيرة وكبيرة مستحدثة ومستجدة  من هذه المستجدات والنوازل.
 
 
 ومدى الجهد يتضح من خلال كم الموضوعات التي تعتبر من مستحدثات التطور الاقتصادي وتنوعها ليس في منظومة الوقف وحدها، بل في المنظومات
الاقتصادية عموماً. وهذه المستجدات، وبطبيعة الحال، لم تكن معروفة في السابق، ولم يتطرق إليها لا العلماء ولا الفقهاء ولا غيرهم، ولم يستشرف مستقبلها مستشرف.         
 
وهذا الكتاب يعتبر - من وجهة نظر شخصية - من أنفع الكتب التي قدمت وتناولت هذه المستجدات الوقفية والنوازل، ليساهم من خلال
مادته في عمليات رفع الحرج عنها بصورة علمية وشرعية، تنحي التخوفات جانباً، بنفس المرجعية الشرعية التي تعتمد على آراء الفقهاء والأئمة السابقين، ما دامت المصلحة
والنفع ـ ودون مخالفة لأي من الثوابت الشرعية ـ ستعود على هذه المنظومة ومنتفعيها والمجتمعات الإسلامية عموماً، مقدماً للرأي والرأي الآخر، مرجحاً للأنسب والأفضل
الذي يرجح المصلحة ويرفع الشبهات والحرج.
 
أهمية الكتاب وضروراته
تأتي أهمية الكتاب وضرورته من منطلق أنه عمل قيم يقدم (بالمراجحة) رؤية فقهية واضحة، وتذليلاً شرعياً معاصراً، للمستجدات التي قد تطرأ ويتأثر بها الوقف؛ من أجل
المساهمة في رفع الحرج والتخوفات التي قد تؤثر على مسيرة هذه المنظومة الإنسانية..
ورفع الحرج أمر يجعل العمل أكثر قوة وجدوى.
 
كما أن الكتاب، وبهذا الكم من الآراء، يمكن الاستعانة به كمرجع فقهي وتشريعي؛ نظراً لأنه ضم بين طياته العديد من القضايا والأشكال الجديدة للمعاملات، كالأسهم
والسندات، إضافة إلى النقود، وكذلك الديون التي قد تطال الوقف وتؤثر على عمله، وهي جميعاً من الأشكال التي قد تتأثر بها منظومة الوقف..
 
وهذا الكتاب البحثي الموغل في متون الكتب والمراجع والمجلدات الفقهية قدم توضيحات من شأن الأخذ بها إزالة أي التباس أو شك قد يجول في نفوس الواقفين، والموقوف عليهم، والمؤسسات الوقفية، والمجتمعات المسلمة التي تعتمد على الدور الإنساني والاجتماعي والاقتصادي الذي تقوم به مؤسسات الوقف الإسلامية في ربوع الدول الإسلامية.
 
نظرة على قضايا الكتاب وموضوعاته
 
أولاً: وقف
 
النقود والأوراق المالية في الشريعة:
وهذا البحث جاء بلغة العصر البحثية وروحه، فبدا كموازاة بين ما آلت إليه أحوال الوقف والدور
المنتظر منه، وجاء في عدة فصول:
 
 
 الفصل الأول: احتوي على ستة مباحث،
شملت  تعريف النقود تعريفاً شاملاً وواضحاً، وحكم وقفها، وأثر تغير قيمة الأصول الموقوفة، وحكم تكوين مخصصات لمواجهة تغير قيمة
النقد وتراجعها والتي تسبب الخسارة في الأصل النقدي الموقوف، وحكم تغير الأصل النقدي إلى أصل آخر كعقار، وحكم استثمار النقود الموقوفة. وفي هذا الفصل قدم
الكاتب العديد من الآراء الفقهية، ورجح فيه جواز وقف النقود، وتغليب المصلحة والنفع الذي سيعود على المسلمين، الذين سيصب في مصلحتهم أمر الوقف، بما لا يخالف
القواعد الشرعية وثوابت الدين الإسلامي القويم.
 
 
 
الفصل الثاني:
وقف الأوراق المالية - الأسهم والسندات:
 
ومباحث الفصل الستة هي:
 
المبحث الأول: تعريف الأسهم والسندات، وحكم التعامل بها.
 
 المبحث الثاني: حكم وقف الأسهم والسندات.
 
المبحث الثالث: أثر وقف الأسهم والصكوك والسندات.
 
المبحث الرابع: أثر تصفية الشركة أو الصندوق أو المحفظة على تأبيد الوقف أو انتهائه.
 
 المبحث الخامس: حكم تغيير قيمة الأسهم والصكوك والسندات الموقوفة إلى أصل آخر.
 
 المبحث السادس: تغير قيمة الأسهم والصكوك والسندات، وأثر ذلك على قيمة الأصول الموقوفة، وهل تعتبر الزيادة ريعاً أو أصلاً موقوفاً؟
 
وقد قدم المؤلف رؤية علمية وفقهية رجحت جواز وقف الأسهم باعتبارها وثيقة من وثائق الاستحقاق في الشركات وغيرها، ورفض وقف السندات
التي يطالها التدخل الربوي؛ فهي يضاف إليها نسبة محددة سلفاً من الأرباح؛ مما يضفي عليها الحرمة ومخالفة التعاليم الإسلامية التي حرمت الربا بكافة أشكاله ونسبه،
ووجوب العمل من الناظر على مراعاة مصلحة الوقف في عمليات البيع والتداول؛ مما يحقق المصلحة القصوى، ويقلل نسب المجازفة والخطورة بكل ما قد تسببه من أضرار على الوقف
ومستحقيه.
 
ثانياً: مخالفة شرط الواقف – المشكلات والحلول:
وفي هذا البحث فإن المؤلف يرى أن أمر الوقف آل إلى الضعف والانحلال، وكان من أسباب اضمحلال
الوقف أمران هما على طرفي نقيض:
 
 
أولاً: إهمال شروط الواقفين،
بحيث أصبح بعض النظار من أصحاب الضمائر الفاسدة أو الجهات الرسمية يتصرفون في
الأعيان الموقوفة تصرف المالك في ماله، بل أسوأ من ذلك، وربما فعل ذلك بعضهم جهلاً
بأحكام الواقفين.
 
 
ثانياً: الجمود على شروط الواقفين،
وإضفاء ما يشبه صفة التوقيف أو التعبد على الوقف، بحيث لا يجوز أي تصرف فيه، وإن أدى
ذلك إلى خراب الوقف وتعطل منافعه بالكلية، وظل الحال كما سلف إلى أن حدثت النهضة
الكبيرة والاهتمام العظيم بالوقف. وجاءت مفردات الفصل  في عدة مباحث، هي:
 
 
المبحث الأول: ما يصح وما لا يصح من شروط الواقفين: فهناك اشتراطات قد
يشترطها الواقف ويرى فيها مصلحة ستعود على الوقف والمستفيدين منه، بينما فيها
مخالفة شرعية، ومخالفة للأنظمة والقواعد المتعارف عليها، وهذه الاشتراطات لا تجوز باتفاق
الفقهاء، بينما هناك الكثير من الاشتراطات التي يمكن تمريرها وفق ضوابط معينة، وهي
من الحقوق الأصلية للواقف.
 
 
المبحث الثاني: الشروط الصحيحة التي يجوز مخالفتها في بعض الأحوال: وبيان
المراد بقولنا: (شرط الواقف كنص الشارع)، ومن هذه الشروط:
 
  1. كل شرط قد يؤول إلى ضرر بالوقف أو بالمستحقين.
  2. كل شرط في مصارف الوقف قد يتعذر الوفاء به.
  3. كل شرط قد يؤول إلى غبن القائمين بأعمال الوقف في أجورهم.
  4. كل شرط قد تكون مخافته أصلح للمستحقين دون إخلال بمقصود الوقف.
 
المبحث الثالث: استبدال العين الموقوفة: وفي هذا المبحث استعراض لأهم آراء
الفقهاء والعلماء، التي تأرجحت بين رفض عمليات استبدال العين الموقوفة، وبين
القبول. وترجيح الكاتب لجواز استبدال الوقف ما دامت هناك مصلحة ستعود عليه، أو درء
لضرر قد يقع عليه، دون إخلال بقواعد الشريعة الثابتة.
 
 
 
ثالثاً: ديون الوقف:
 
ويرى الكاتب أن هذا البحث من الموضوعات التي لم تتطرق إليها جل المصادر، ولم يتعد
الحديث في أغلبها عن هذا الموضوع عدة أسطر، فلم تنتشر في أغلب الأزمنة مسألة ديون
الوقف، ولم يتوسعوا في أحكامها. وقد جاء هذا البحث في اثني عشر مبحثا، تم تلخيصها
في النقاط التالية:
 
  • أحكام ديون الوقف اجتهادية، والمحور الأساسي الذي يدور عليه مذاهب الفقهاء فيها هو تحري النظر والمصلحة للوقف.
  • الوقف شخصية اعتبارية، له ذمة مالية مستقلة تجعله أهلاً لما يجب له أو عليه.
  • لا يجوز الاستدانة من الوقف أو عليه إلا عند الضرورة أو المصلحة.
  • يجوز للمتولي المصالحة على ديون الوقف، بشرط مراعاة مصلحة الوقف أو انتفاء الضرر عنه.
  • إن نظارة شخص واحد على أكثر من وقف تمنحه حرية التصرف في هذه الأوقاف؛ مما يؤدي إلى تخفيف وطأة الديون عليها، واستثمارها بشكل أفضل.
  • يجوز المقاصة بين ديون الوقف، ويشترط في المقاصة الاختيارية ألا يكون فيها ضرر على أحد الواقفين.
  • لا يجوز رهن الأصول الموقوفة في ديون الوقف؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل مصالح المستحقين, وقد يؤدي إلى الحجر على أعيان الوقف.
  • لا أثر للتقادم في المطالبة بديون الوقف.
  • لا يملك القاضي أو الناظر أو الواقف السلطة في إسقاط ديون الوقف، إلا إذا تصور في إسقاط بعضها مصلحة للوقف على غرار المصالحة.
  • لا يمنع من وقف العقار المرهون بدين على التفصيل الذي ذكره من أجازه.
  • يجب على الناظر أن يقدم الديون المستحقة على الوقف على الصرف إلى المستحقين في الريع، وإن لم يفعل ضمن؛ لأنه من التفريط في حفظ مصالح الوقف.
  • إذا تزاحمت ديون الوقف وديون سائر الغرماء في مال المدين المفلس فالذي يترجح أن يكون الوقف أسوة الغرماء، فيقسم المال بينهم على حسب أنصبتهم.  
15 اغسطس 2012 - 27 رمضان 1433 هـ( 959 زيارة ) .
تصاعدت وتيرة  الدعوة  داخل النخبة  السعودية في السنوات الأخيرة لإحياء دور الوقف الخيري في عملية التنمية  الشاملة، وتزايدت دعوات تحويل الأوقاف إلى مؤسسات مانحة تخدم المتبرع والمستفيد منها، وإنشاء شركات متخصصة في إدارة الأوقاف وحسن اختيار الواقفين للنظار، بجانب استقطاب أوقاف جديدة لتلبية احتياجات المجتمعات الإسلامية.
 
وفي دراسته الحديثة "ثقافة الوقف في المجتمع السعودي" رصد الإعلامي والباحث سلمان بن محمد العُمري،عبر 12 مبحثا، قضية الوقف في المجتمع السعودي بين التقليد ومتطلبات العصر، وتناول  المبحث الأول: (الوقف وإنسانية حضارة الإسلام )، و الثاني: (مقاصد الوقف الإسلامي وأبعاده)، والثالث: (الوقف بين الأصول الشرعية والتطبيقات المدنية)، والرابع: (علاقة الوقف بمصلحة الأفـراد )، والخامس: ( أوقاف النساء "رؤية فـي دور المرأة الحضاري فـي الوقف")، والمبحث السادس: ( الإعلام ودوره فـي تنمية وفاعلية الأوقاف ).
 
   أما المبحث السابع فحمل عنوان: (أثر الوقف فـي بناء الحضارات والأمم الأخرى)، و الثامن : ( أثر الوقف في بناء الحياة الاجتماعية فـي المجتمعات الإسلامية)، و التاسع: ( نبذة عن تاريخ الوقف وأثره فـي المملكة العربية السعودية)، و العاشر: (تنمية فكر الواقف والصيغ التنموية الجديدة للاستفادة من الوقف واستثماره)، و الحادي عشر: ( مشكلات الوقف فـي المجتمع السعودي بين التقليد ومتطلبات العصر)، فيما عنون المبحث الأخير:  بـ (آثار الوقف فـي رعاية المجتمع وتنميته والحفاظ على الأصول ).
 
آل الشيخ: رؤية متميزة
      وحرص المؤلف على تصدير كتابه  بمقدمة  لوزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، رئيس المجلس الأعلى للأوقاف، الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، تطرق فيها إلى الثمار التي جنتها الأمة الإسلامية من الأوقاف في العصور الماضية، داعيا إلى إنعاشها وتطويرها والعناية بها،  وعرج على دور الوقف في المملكة، حيث أشار إلى اهتمام  الملك المؤسس عبد العزيز ال سعود  بالأوقاف، كبناء المساجد وشؤونها، وإنشاء إدارات للأوقاف في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة،  فيما سار أبناؤه الملوك والأمراء على أثره في أعمال الخير، وتابعوا الاهتمام بالأوقاف ورعايتها وتنظيمها، وأنشئت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، كما أنشئت لها الفروع في كل مناطق المملكة،  إلى أن تم  إنشاء هيئة عامة للأوقاف، وكان اهتمام الوزارة ظاهرا بكل ما يتعلق بالأوقاف، حيث وضعت لذلك الخطط المهمة.
 
    ووصف  آل الشيخ الكتاب بأنه متميز، ونافع في بابه، وفيه رؤية من منظور اجتماعي شرعي، وفيه دعوة إلى إحياء الوقف والعناية به، كما أن فيه بيانا في تنوع الواقفين في أعمال البر؛ فهو لبنة نافعة في «الوقف».
 
إهداء إلى الأثرياء
     وقبل أن يغوص الباحث في غمار دراسة  قضية توظيف الوقف تنمويا بطريقة عصرية  أهدى الكتاب إلى الأثرياء، الذين يؤثرون على أنفسهم في سبيل إسعاد المساكين والمحتاجين، وإلى الذين يبتغون وجه الله تعالى في أعمالهم الخيِّرة، وإلى الذين يطمعون أن تستمر بعد وفاتهم فاتجهوا إلى الصدقات الجارية إلى سنة الوقف الإسلامي، فأسهموا في بناء صروح العلم والمعرفة عن طريق المساجد والمعاهد الشرعية، وسائر أعمال البر، وأيضا إلى المخلصين؛ ليكون هذا الكتاب تذكرة لهم في أنواع الخيرات والمبرات.
 
     وفي تقديمه للدراسة  أقر المؤلف بتواضع دور الوقف في الوقت المعاصر،  رغم  دوره العظيم في تاريخ الإسلام، وأثره في دعم التنمية والعمل الخيري، وتحقيق نهضة وتقدم المجتمع، حيث شرع الإسلام لتحقيق التكافل الاجتماعي مجموعة من التدابير: الوقف، بجانب زكاة المال، وصدقة الفطر، والوصية، والكفارة،  والذي يعني التنازل عن ملكية المال مؤبداً لله تعالى، من أجل أن ينتفع به الناس، وذلك كوقف المساجد ليصلي فيها الناس، ووقف المدارس، ووقف مياه الشرب في الطرقات والأسواق.
     وأشار إلى ترغيب  الإسلام  في الوقف، حيث اعتبره من أفضل الطاعات المستمرة التي يتقرب بها المسلم إلى خالقه ـ عز وجل ـ، روى مسلم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". قال أهل العلم: الصدقة الجارية هي: الوقف.
 
      ورصد موقفا نبويا داعيا للوقف، وذكر رواية عن  النسائي والترمذي أنه  لما هاجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  إلى المدينة لم يكن فيها ماء حلو عذب سوى بئر (رومة)، وكانت لرجل شحيح النفس، يغالي في بيع مائها، فرغب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شرائها قائلاً: "من يشتري بئر رومة بخير له منها في الجنة"؟  فاشتراها عثمان بن عفان بخمسة وثلاثين ألف درهم، فقال النبي: "اجعلها سقاية (سبيلا) للمسلمين وأجرها لك، ففعل". 
    و شاع الوقف بين الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، وانتشر بعد ترغيب النبي  ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى قال جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنه ـ:"لا أعلم أحداً من الصحابة كان ذا مقدرة ومال إلا وقف مالاً في سبيل الله".  وكان من جملة ما وقفوه: المساجد، والآبار، والمزارع، والبيوت، وأدوات الجهاد. 
 
       وللوقف في الإسلام غايتان كليتان: إحداهما دينية تعبدية للتقرب إلى الله تعالى بما يوقفه من أعمال البر، التي يستفيد من ثوابها ما دام الناس ينتفعون بها. والأخرى اجتماعية تنموية. ومن بين تلك الأوقاف الخيرية وقف المساجد ومرافقها ولوازمها، حيث اهتم المسلمون أولاً بوقف المساجد، فبادروا إلى عمارتها بكرم وسخاء، وأناروها بالقناديل والأضواء والشموع، وأمدوها بالمصاحف، وحفروا لها الآبار للوضوء والنظافة. 
 
     واهتم المسلمون بوقف المدارس على اختلاف مراحلها التعليمية؛ باعتبارها مصادر إشعاع لرقي الفكر والنهوض بالمعرفة الإنسانية، ووقفوا مع هذه المدارس أماكن لنوم الطلاب الغرباء، ومواضع للدراسة والمطالعة، وقاعات للبحث والكتابة، ومرافق صحية، وكان يقوم على هذه المدارس أساتذة عظماء وعلماء أجلاء، متفرغون للتعليم والمدارسة، ينفق عليهم من مال الوقف؛ حرصاً على أوقاتهم من التشتت، وضماناً لاستمرار أدائهم رسالتهم في التعليم والإرشاد والتأليف والبحث. وهناك وقف المستشفيات ومستلزماتها، حيث اهتم المسلمون ـ أيضاً ـ بوقف المستشفيات، والإنفاق عليها وعلى المرضى والأطباء والموظفين، وتقديم الرعاية للجميع، من أجل النهوض بالمجتمع، وتنمية أفراده، وصيانة الصحة العامة.. كما اهتم المسلمون ـ أيضا ـ بوقف المكتبات العلمية والثقافية.
 
        وأبدى المؤلف أسفه  لتواضع إسهامات الوقف في إنجاز ما ترجوه  الأمة من نهضة وتقدم وتنمية، على خلاف ما كان عليه في الماضي؛ حيث كان للوقف دور كبير في النهضة العلمية والفكرية والخدمات الصحية والمعيشية في عصور طويلة للأمة.  
 
      وشدد  على حاجة  الأمة  الماسة  لأن تقوم الأوقاف بدورها، وأن تسهم مساهمة فاعلة في التنمية وفق رؤية شرعية منطقية غير تقليدية، يمكن لها أن تمد عمليات الوقف بالمزيد من القوة والفاعلية، وأشار إلى أن جوانب التطوير والتجديد في العمليات الوقفية متنوعة ومتعددة، منها ما يرجع إلى الأموال الموقوفة، وما يمكن أن يندرج تحتها من مفردات تحتل أهمية كبيرة في واقعنا المعاصر، ومنها ما يرجع للصيغ الاستثمارية والتمويلية لعملية الوقف، ومنها ما يرجع إلى المؤسسات القائمة المشرفة على عمليات الوقف، سواء تمثلت في الجهات الواقفة أو تمثلت في الجهات المديرة المشرفة.
       وأكد أن الوقف الإسلامي شامل لكل جوانب الخير، وأنه يمكن تقسيم نشاطاته إلى نشاطات استهلاكية، وهي ما ينفق في وجوه الخير، والمساجد والمعاهد الشرعية، وهذه تنفق عليها الأوقاف، ولا تعود بعائد مادي.. كما هناك نشاطات إنتاجية: وهي ما رصده المحسنون ليتم استثماره بما يعود بالفائض المالي على الوقف؛ لينهض بالمشاريع المرتبطة به.. مؤكدا أن هناك  حاجة ملحة لإنشاء استثمارات حقيقية في الصناعة والزراعة. 
 
توصيات قابلة للتنفيذ
     وطرح الباحث ثقافة استراتيجية جديدة لتحويل الأوقاف إلى مؤسسات تنموية مانحة تخدم المتبرع بالوقف، والمستفيد منه، وليكون الوقف أكثر إنتاجا وفاعلية في المجتمع. وقدم مجموعة من الرؤى والتوصيات والاقتراحات حول الوقف، تصدرها اعتبار الوقف قطاعا اقتصاديا ثالثا موازيا للقطاعين العام والخاص، والاعتراف بالمشروعات الوقفية باعتبارها مرفقا خدميا، بكل ما يترتب على هذا الاعتراف من حماية الدولة لأعيان الأوقاف وأصولها، ومراقبة صرف غلالها، وطالب بأن يكون للإعلام أثر في تغيير ثقافة الناس تجاه الوقف.
 
     وأوصت الدراسة بضرورة الاستفادة من التجارب الحديثة عند الأمم الأخرى في مجال استثمار الوقف وتنميته، و أن يكون لإدارات الأوقاف الحكومية والأهلية دور كبير ملموس على الأرض في توعية الواقفين أو المتبرعين بالوقف على الأمور المهمة التي يحتاجها أبناء المجتمع السعودي، وبيان الأولويات بينها. 
 
     وشدد الباحث على تفعيل التوصيات التي تخرج بها المؤتمرات، والندوات، والملتقيات، و إقرار رؤية شاملة تعتمد العلم في التشجيع على الوقف لأبواب البر والإحسان، وحماية أصول الأوقاف من العبث والتعدي والإهدار، واستثمارها لزيادة غلتها، ومضاعفة أعداد المستفيدين منها، وسرعة الفصل في النزاعات عليها، و اقترح إنشاء شركات متخصصة في إدارة الأوقاف.. كما أوصى الباحث باستقطاب أوقاف جديدة لما يجدّ من احتياجات المجتمعات العربية والإسلامية، والتعامل مع الأعيان الموقوفة على أساس من الخصوصية الشرعية التي لا تسمح بتملكها بالتقادم، وإدارة المشروعات الوقفية على أسس تجارية تنموية خيرية، وأهاب بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد أن تجمع الوثائق التي تمتلكها في مكان واحد؛ ليتسنى للباحثين الاطلاع عليها، كما أوصى بتحفيز الجامعات على أن تدرج في خططها الدراسية مفردات تعنى بالوقف، وتاريخه، ومفاهيمه، وأثره في تشييد الحضارة الإسلامية.