استحداث جمعيات للمتعافين من الإدمان
10 فبراير 2015 - 21 ربيع الثاني 1436 هـ( 7641 زيارة ) .

شباب تعافوا من ادمان المخدرات، عولجوا تارة ونالوا عقابهم تارة أخرى، ولكنهم لم يجدوا من يحتضنهم أو من يساعدهم على تخطي ظروفهم وانتشالهم عن ماضيهم، فضلا عن عدم تقبل المجتمع وأهاليهم لهم، ما قد يعيدهم الى وحل الإدمان مجددا. وطبقا للوقائع والحالات المتداولة، فان المدمن الذي تمت معالجته من المخدرات، لا يعتبر سليما بمجرد خروجه من المستشفى، ذلك ان نسبة الذين ينتكسون مرتفعة وتصل وفق تقديرات مختصين الى نحو 80%، وذلك بسبب رفض المجتمع للمدمن التائب، ووصمه بالخزي والعار في محيطه الاجتماعي اضافة الى احتضان اصدقاء السوء له.


هناك حالات لمن يعيشون رفض المجتمع لعودتهم وتوبتهم، منها ما يرويه الشاب عماد (35 عاما)، قائلا: رفاق السوء أوقعوني في وحل المخدرات، أنا من أسرة كبيرة ووالدي لم يبخل علي بشيء ولكنهم أصدقاء السوء الذين فعلوا بي ذلك. تناولت الحبوب المنشطة كتجربة بحجة أنها تساعدني على الاستذكار وكان عمري وقتها 18 عاما، أدمنتها حتى تكاد لا تفعل شيئا بجسدي الذي تعود عليها، فبدأت بـ«الحشيش» وكانت هذه بداية الانهيار وخرجت من المدرسة ولم أكمل تعليمي وتم علاجي في مستشفي الأمل 9 مرات وفي كل مرة اخرج واعود للمخدرات لعدم وجود البيئة الحاضنة لي، وفي لحظات من عمري تحولت الى مروج وقبض علي وحكمت بالسجن لعامين وخرجت بعد انتهاء محكوميتي مثقلا بالهموم، مرفوضا من قبل الاسرة والأقرباء وليس لدي شهادة تؤهلني للعمل الشريف، والكل يرفضني بسبب هذا الماضي المشين وعدت مجددا لدوامة الادمان حتى قررت العلاج بسبب المتاعب الصحية التي عانيتها.


نهاية المأساة
ويروي الشاب احمد: زجت بي المخدرات إلى السجن وبقيت به سنوات عمري حتى انتهى الحكم وخرجت من السجن في أحضان مجتمع لا يرحم، وبدأت أصابع الاتهام تتجه نحوي، ولا أحد يريد أن يتحدث معي او يصاحبني او يوظفني ووالدي يرفض عودتي إلى البيت وطلب مني ان اعيش مع والدتي بعد ان طلقها. واتساءل دوما ما هي النهاية لهذه المأساة؟


سجناء بسبب المخدرات
ويقول الشاب عمر: كنت لا أجد من أبث له شكواي وأحزاني في بيئة عانت التفكك ، فهربت من واقعي إلى وهم المخدرت فكانت نهايتي السجن وبعدها بت أشعر بالضياع والانهيار، لدي رغبة قوية في التوبة والاستقامة ولكن الظروف لا تساعدني واسرتي تراني من منظور ماضي الاسود، ولاتثق بي، وشقيقي الاكبر يرفض أن أعود الى المنزل.. ولا أحد يريد مساعدتي على الإطلاق، كيف اجد وظيفة او زوجة؟ ولا أدري هل تستمر حياتي في بحر الضياع أم ماذا؟


من السجن إلى قضبان المجتمع
ويروي الشاب عبدالله: تمنيت أنني لم أخرج من السجن.. فلقد خرجت إلى سجن أكبر وهو قضبان المجتمع، داخل السجن كنا نجد عناية واهتماما وتوجيها، أما في المجتمع فلا نجد الا السخرية والاستهزاء والنظرة الدونية.انهم لا ينظرون للمدمن على أنه مريض وبالإمكان أن يشفى، بل يتعاملون معه على أنه مجرم يحظر الاقتراب منه أو مرافقته.


كل ما حولي يدفعني للعودة
ويقول الشاب يوسف (27 عاما): دخلت في تعداد المدمنين وتم القبض علي وانا في حالة تعاط، دخلت السجن وعزمت على التوبة.. خرجت بهذه النية ولكن للاسف كل شيء حولي يدفعني الى العودة، اصبحت منبوذا في نظر الجميع وفصلت من وظيفتي وهرب عني الاصدقاء الاسوياء واصبحت عالة على الاسرة وكل يوم اسمع من الاهانات الشيء الكثير.. لا بد لمستشفيات الامل ان يكثفوا الاساليب التوعوية للاسرة لتأهيلها بعد خروج الابن وتعريفهم على افضل الاساليب التي تمنع الابن التائب من العودة الى المخدرات.


تشجيع التائب على التوبة
إلى ذلك يعلق الأخصائي الاجتماعي والباحث في قضايا الإدمان عادل علي الغامدي: من المهم ونحن نبحث عما يشجع التائب عن المخدرات ويساعده على الاستمرار في التوبة والمداومة عليها، ان نفكر في الأسباب التي دعته لممارسة السلوك غير السوي قبل التوبة، والبيئة الاجتماعية بكل ما فيها وبكل ما حولها بداية من الاسرة مروراً برفقاء السوء نهاية بكل ما في المجتمع من مغريات ودوافع تشجعه على العودة لممارسته السيئة. فالأسرة بمفردها غير قادرة على القيام بدور كهذا خاصة اذا عرفنا ان هذا الشاب يقضي جل وقته خارج المنزل ولا تعرف الاسرة مع من يذهب او متى يعود، ولكن هناك بعض الامور التي تشعره بالرضى النفسي، منها ان تحاول الاسرة مصادقته بكل افرادها، وعدم تذكيره بتلك الايام التي يهرب منها ولا يريد التحدث عنها، والتقرب منه قدر الامكان وبالذات في الايام الاولى من التوبة. ومتابعة من يصادقهم عن بعد دون ان يحس بذلك، وتهيئة كل الأجواء المحيطة به قدر الامكان لتكون عاملا مساعدا ومشجعا على الاستمرار في التوبة، ويفضل ان امكن السفر معه خارج المدينة التي يسكن فيها من اجل نسيان الماضي والبعد عن الاجواء التي قد تشجعه على العودة للاشياء التي لا نريده ان يعود اليها، وعدم تذكيره بالذنب بشكل متواصل او اشعاره ولو بشكل غير مباشر انه سوف يعود حتما الى وضعه السابق، مشددا على البعد عن الاسلوب القائم على النصيحة المباشرة لأنه قد ينفر الشاب وقد يأتي بنتيجة عكسية غير مرضية.. إن إعادة النظر في بعض العقوبات اللاحقة مثل الفصل من الوظيفة، لا شك امر صعب جدا لا يدركه الا المحيطون بالتائب العائد الى المجتع بثوب جديد وقلب صاف، لافتا الى ان المسألة تحتاج الى تضافر جهود الجميع من اسرة ومدرسة ومجتمع كما تحتاج الى نوع من المتابعة خاصة في الايام الاولى حينما تكون عزيمته قوية ورغبته اكيدة في التوبة.


صفحة جديدة
ومن جهته يرى طلال الناشري رئيس الخدمة الاجتماعية بمستشفى الملك فهد، أن من يخرج من مستشفى الأمل تائبا معافى، يكون قد بدأ صفحة جديدة من حياة كلها استقامة وندم على ما فات، ويكون قد قطع على نفسه عهدا بألا يعود لمثل تلك السموم القاتلة والمدمرة فالأمل موجود لبدء حياة مستقيمة، ولكن للأسف الشديد يواجهه البعض بنظرات كلها ريبة، البعض الاخر لا يكلمه ويتحاشاه، ولا يحب أحد ان يجلس معه رغم انه رجع تائبا الى الله ثم الى مجتمعه، البعض قد يرميه بكلام جارح مسموم، وقد لا يجد ذلك التائب من البعض حتى الابتسامة، فيصاب بإحباط وخيبة أمل، وتتردى أوضاعه النفسية، علما بان الدولة أنشأت مستشفيات الأمل لعلاج من وقع في حبال المخدرات، وتهيئته نفسيا لتعيد إليه نشاطه وتعيده الى مجتمعه من جديد بأحسن حال، فلماذا لا نأخذ بيده للصلاح ونقيم جمعيات متخصصة لمتابعة احوال المدمنين التائبين.


برامج وقائية وتوعوية
إلى ذلك يؤكد مدير عام مكافحة المخدرات اللواء احمد بن سعدي الزهراني، ان المديرية مستمرة في تنفيذ البرامج الوقائية والتوعوية ضد هذه الآفة ومنها استحداث جمعية للمتعافين من الادمان وبرنامج حماية بالتنسيق مع الجهات الشريكة بهدف تحصين الشباب ضد آفة المخدرات، لافتا الى ان الخطط الوقائية لمكافحة المخدرات، والتي قامت على إعدادها المديرية العامة لمكافحة المخدرات بمشاركة 9 جهات، تستهدف النشء والمراهقين والشباب والفتيات والأسر، حيث درست هذه الخطط بعناية وتمت مصادقتها من وزير الداخلية رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، مشيرا الى عقد دورات دراسية وتدريبية للمتعافين ومتابعة ورعاية المتعافين من الإدمان في مختلف المناطق من خلال البرامج التأهيلية والعمل على إنشاء جمعية تعنى بالمتعافين من إدمان المخدرات، لاحتوائهم وتقديم المساعدة لهم لإعادتهم للمجتمع، مبينا ان الخطة الوقائية تعتمد على رؤية تسعى إلى تحصين ووقاية المجتمع للحيلولة من دون وصول المخدرات إلى أفراد المجتمع ورفع مستوى الوعي للمواطنين، معتمدة على 3 أهداف رئيسية، تتمثل في تعزيز القيم الاجتماعية لرفض قبول تعاطي المخدرات، ترسيخ الانتماء الديني والوطني، وتكوين وعي اجتماعي صحي وثقافي بأضرار هذه الآفة.


أما أمين عام اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات عبدالإله الشريف فقد اوضح انه بناءً على توجيهات ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز ــ رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات ــ، وفي ضوء ما تمليه أدوار اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات وما تتطلبه محاور الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات من رسم السياسات الوطنية في مجال المكافحة وتحديد الاولويات والتنسيق والمتابعة مع الاجهزة المعنية في ما يتعلق بتنفيذ الخطط والبرامج المرسومة لمكافحة المخدرات، فإن العمل جار مع وزارة التعليم، والمديرية العامة لمكافحة المخدرات، والأمانة العامة للجنة الوطنية لمكافحة المخدرات لتنفيذ (برنامج حماية) ووضع مشروع «كورة ستار» موضع التنفيذ والتنسيق المتبادل بينها وبين الرئاسة العامة لرعاية الشباب.
وفي هذا السياق، أشار مدير جامعة الباحة الدكتور سعد الحريقي الى مبادرة الجامعة المتمثلة في إعداد دراسة مسحية على المستوى الوطني تعنى بقضية الادمان والأمراض العقلية بدعم مالي من الجامعة إضافة لاستحداث دبلوم اخصائي إدمان، مشددا على أهمية التعاون وتضافر الجهود لمواجهة تهريب وترويج المخدرات، منوهاً بالدعم الذي تحظى به كافة الأجهزة المعنية بالدولة من قبل القيادة الرشيدة لمواجهة الخطر الذي يستهدف شباب وشابات الوطن، مؤكداً السعي الحثيث لتجفيف عملية تهريب المخدرات والتي ستتحقق بفضل الله ثم بالتمسك بالعقيدة الإسلامية ويقظة رجال الأمن والجمارك.


برامج وقائية لمواجهة تعاطي وإدمان المخدرات
● عدنان الشبراوي (جدة)
في دراسة علمية أجراها محمد الفالح على طلاب المرحلة الثانوية، خرجت الدراسة بعدد من التوصيات، منها إقامة برامج تربوية وقائية لمواجهة تعاطي وإدمان المخدرات، لجميع المراحل العمرية، خصوصا مرحلة المراهقة، شريطة أن تقدم تلك البرامج بأسلوب مشوق، يضمن جذب انتباه المتعلمين، ويحقق التفاعل لهؤلاء المتعلمين من تلك البرامج.


وقدمت الدراسة اقتراحا للإجراءات التنفيذية للبرامج، منها: أن يقوم بإعداد هذه البرامج مختصون في علم النفس والاجتماع والخدمة الاجتماعية والعلوم الشرعية، وأن تشترك أكثر من جهة في تنفيذ البرامج، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة الداخلية، وزارة التعليم، والقطاع الخاص، كما ينبغي أن يبدأ تنفيذ برنامج التوعية من بداية الدراسة حتى يحقق أهدافه، وأن يتضمن البرنامج فقرات تكون في الخطة العامة من مشاركة الطلاب، حتى نضمن نجاحه، والإفادة من المباني المدرسية، من حيث الملاعب والتجهيزات وفتحها للطلاب في وقت الإجازة الرسمية، حتى تكون بمثابة تفريغ أنشطة الطلاب واحتواء الشباب.


وفي ما يتعلق بالتائبين من متعاطي أو مروجي المخدرات، يوصي الباحث بإعطائهم فرص حقيقية للحياة الطبيعية مرة أخرى، لكي ينخرطوا في الحياة الاجتماعية السليمة، وينجحوا في الحياة، بإلغاء سوابق التائب، حتى لا تكون عائقا له في الحياة الاجتماعية، ولكن تحفظ في ملفات في إدارة مكافحة المخدرات، ومساعدة التائب في ايجاد عمل مناسب، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، من خلال اللجان المختصة وتفعيل دور الرعاية اللاحقة، ومتابعتهم من قبل الأخصائيين الاجتماعيين، ومساعدة التائب في العودة إلى التعليم، ومواصلة الدراسة، وإنشاء لجنة من التائبين من تعاطي المخدرات هدفها العمل على تبيين أضرار المخدرات لغيرهم، حتى تكون عظة وعبرة لهم كتجربة حقيقية.