أهمية تقييم أداء المؤسسات الخيرية في النطاق التطوعي
18 يناير 2015 - 27 ربيع الأول 1436 هـ( 7540 زيارة ) .

    تكمن أهمية تقييم المؤسسات والجمعيات العاملة في النطاق الخيري والتطوعي من عدة نواحٍ, حيث يتيح التقييم مراجعة أداء تلك المؤسسات من قبل إداراتها والعاملين فيها، وتجاوز الأخطاء والسلبيات، ووضع سياسات جديدة يمكن من خلالها تحقيق الأهداف المرجوة من وجود تلك المؤسسات. ومن جانب آخر، يتطلع المتبرع أو الشخص الذي ينوي التبرع إلى مدى جدية تلك المؤسسات ومستوى نجاحها من خلال الأرقام في ساحة الواقع.
    لكن، هل نحن فعلا بحاجة لتقييم أداء الجمعيات الخيرية؟ وما أهمية ذلك فيما لو تم على أداء العمل الخيري وانعكاسه على المجتمع وأفراده؟


عن ذلك يقول عبد الرحمن المطوع ـ الأمين المساعد لشؤون الدعم الفني والعلاقات العامة والإعلام بالرحمة العالمية ـ: "من سمات الإدارة الناجحة في المؤسسات والمنظمات هو التقييم المستمر، والمتابعة الدائمة للأداء؛ للتأكد من أن الأهداف المرسومة والمخطط لها قد تم تنفيذها أم لا، ومن شأن ذلك التعرف على نقاط القوة والضعف، والتعرف على مكامن الخلل ومعالجتها. كما يمكن التعرف على تناسب نتائج العمل مع الجهود المبذولة، والتأكد من أن الجهود المبذولة تم إنجازها وإدارتها بالطريقة الصحيحة. هذا جانب، وهو المتعلق بالمؤسسات بشكل عام. أما ما يتعلق بالمؤسسات الخيرية، فهي أولى بالتقييم؛ فهي امتداد حضاري لمنهج تبنى الحث على المنافسة المتقنة في ما يتعلق بالعمل الخيري الإنساني: { إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه}. وهذا من باب تحسين الإتقان ومتابعته، بل التقييم بحدّ ذاته يعتبر من بنود الإتقان.

 


    وذلك سيعود بمزيد من الجودة والتميز والدوران في فلكهما من قبل الجمعيات الخيرية والعاملين بها، وحين دخولها تحت المجهر الحقيقي { تقييم الأداء} سيتم تركيزها على:

• تحسين المخرجات، والحرص على القيمة المضافة، { خاصة في ظل وجود الكثرة من الجمعيات الخيرية }.
• الحرص على المدخلات.
• إعادة رسم السياسات الداخلية والخارجية بما يتوافق مع متطلبات الجودة العالمية في الأداء.
• مقياس العاملين من خلال الإنجاز والجودة.
• الثقة التي سيكسبها الجميع {  المؤسسة -  العاملون - المتعاملون – الداعمون – المجتمع }.


    وقد كان لنا تجربة في "الرحمة العالمية" في هذا المجال، وهي مشاركتنا ضمن تقييم قائمة مجلة فوربس عام 2012 م ضمن المؤسسات الخيرية الأكثر شفافية. وفي هذه التجربة استطعنا أن نقيم أحد بنود المؤسسية لدينا، وهي "الشفافية المالية"، وقد  حصلنا فيها على المركز الأول، كما أننا استطعنا أن نستفيد من خلال هذه الجائزة في حصولنا على ثقة الداعمين، حيث تم التقييم من مؤسسة محايدة".


مؤشرات تقييم

فيما يقول الأستاذ/ مروان الكعكي ـ مدير المستودع الخيري في مدينة ينبع الصناعية في المملكة العربية السعودية ـ: "إن كل عمل لا بد له من مؤشرات تقييم.. الجمعيات الخيرية تحتاج إلى هذا التقييم؛ لكسب ثقة المجتمع، ولتكون على ثقة أنها تسير على المسار الصحيح لتحقيق الأهداف. ولا شك أن  المتبرع يكون أكثر قبولا وإقبالا على الجمعيات التي تتمتع بشفافية وعمل مؤسسي".

 

 


نقطة فارقة


ويبين الأستاذ/ علي بن طالب بن زايد الشيادي ـ مؤسس ورئيس فريق سواعد التطوعي/ سلطنة عمان, صاحب مبادرة ( مجتمعي أمانة ) ـ  أنه من الضرورة بمكان تقييم أداء الجمعيات الخيرية؛ إذ إن التقييم سيشكل نقطة فارقة في تحديد الجمعيات العاملة بصورة دائمة من الجمعيات التي تعمل فترة و يخفت عملها فترات أخرى دون مبرر. كما أن التقييم يساهم في رفع الروح المعنوية للمتطوعين في هذه الجمعيات لمواصلة عطائها. أما عن المجتمع، فإنه سيكون على ثقة بما تقدمه هذه الجمعيات، سواء الداعمين لها أو المنتفعين منها؛ مما سيساهم في مواصلة رفدها ماديا، و الوقوف معها معنويا. 

آلية معتمدة


هل نحن بحاجة لآلية معتمدة لتقييم المؤسسية في الجمعيات الخيرية؟ ووفق تصوركم، هل الآلية تختلف من مؤسسة لأخرى حسب تنوع أدائها في العمل الخيري؟
يبين الأستاذ/ عبد الرحمن المطوع أنه لا بد أن نؤصل لأمر هام، وهو أن المؤسسات الخيرية الإنسانية أصبحت في نصاب "الصناعة"؛ أي "صناعة الخير" - كما يسميها البعض - بما تعنيه الكلمة من دلالات المؤسسة والشفافية والتطوير. والمؤسسية مصطلح له دلالات محددة، وبالتالي فالتقييم الخاص بهذا المصطلح له أسس لا تختلف؛ لأنها تتبع معايير محددة تختص بـ (البرامج، والأنشطة، وتوثيق الخبرات، والاهتمام بالموارد البشرية، وحسن التخطيط والشفافية .....). إلا أن تقييم الأداء يقوم على وجود آلية معتمدة، تشتمل على معايير واضحة؛ لتقييم المؤسسية في الجمعيات الخيرية.

    ومن وجهة نظرنا، فإن هذه الآلية لا بد أن :
•  تشتمل على معايير واضحة مفيدة من آليات التقييم ومعايير الجودة العالمية للأداء، ومعايير التميز المؤسسي .
• يتم إعادة منهجيتها بحيث تتناسب مع عمل الجمعيات الخيرية الإسلامية، وذلك بلجنة متخصصة تراعى فيها معايير الجودة بشكل عام، ثم صياغتها وقولبتها بما يخدم الهدف الذي ستقام من أجله. ومن أفضل الأمثلة على هذه المعايير جائزة السبيعي للتميز، وهي جائزة خاصة للمؤسسات الخيرية.

   ومن هنا ستكون الآلية واضحة وشاملة ومحددة وموحدة لجميع الجمعيات الخيرية، خاصة وأن مجال عملها العام واحد.
 فيما يقول الأستاذ/ مروان الكعكي عن ذلك: "لا بد من توفر معايير وآلية لتطبيق التقييم، وهي تختلف بحسب الخدمات التي تقدمها المؤسسة الخيرية للمستفيدين لديها".

فيما يقول الأستاذ/ الشيادي عن ذلك: "بطبيعة الحال، فإن العمل المنظم يتطلب وجود مسار محدد يقاس به مدى جودة الأداء و نجاح الجمعية، و قدرتها على إدارة العمل الخيري على الوجه المطلوب، و مدى تقبل الفكرة التي تقدمها، و هذا لا يتأتى إلا بوجود آلية معتمدة على ضوء الأعمال التي تمارسها الجمعيات الخيرية.
     و حيث إن لكل جمعية خصوصيتها في ممارسة أعمالها؛ فإنه لا بد من وجود تباينات ( وإن كانت بسيطة ) في عملية تقييمها، إلا أن هنالك عوامل مشتركة كثيرة بين الجمعيات المختلفة.

المتبرع وإتاحة الفرصة

** هل المتبرع في دولنا العربية عامة، والخليجية خاصة، يستطيع أن يتعرف على الجمعيات الخيرية، ويستطيع أن يقارن بينها من حيث حجم المشاريع المنفذة؟ وحجم تشغيل تلك المشاريع؟ وحجم الاستفادة من تلك المشاريع للمستفيد النهائي؟
يقول الأستاذ/ المطوع عن ذلك : "بشكل عام غير موجود، وربما بعد هذه السنوات من العمل المؤسسي في القطاع الخيري بدأ هذا التساؤل يطرح، خاصة في ظل التنافسية المحلية والإقليمية والدولية من قبل العاملين في هذا القطاع.


     جانب آخر ربما يجيب عن التساؤل، هو قدرة المؤسسات الخيرية على إتاحة الفرصة للتواصل الفاعل مع الجمهور الذي تستهدف الوصول إليه والتعامل معه. وقد وفرت سبل التواصل الإلكتروني، على توفرها وكثرتها، وانخفاض تكلفة الكثير منها، مساحات للبحث في هذه الأمور؛ فهي في النهاية وإن كان جزء منها يقع على عاتق المتبرع، فالجزء الأكبر يقع على عاتق المؤسسات الخيرية.
   ومن واقع تجربة لدينا بدأنها منذ أكثر من سبع سنوات عبر تأسيس موقع إلكتروني (khaironline.net) ، وما تلاه من تجارب تتيح للمتبرع القدرة على التعرف علينا أكثر، وعلى حجم العمل والمشاريع والدول والمستفيدين، وقد حققنا فيها نقلات نوعية؛ فلدينا أكثر من (26) ألف متابع في حسابنا "تويتر"، وما يقرب من "مليون زائر للمواقع سنوياً"؛ لذلك نستطيع أن نؤكد على ما يأتي:
- لا بد أن يكون عمل المؤسسات الخيرية ملتزماً بقيم وأسس فلسفية؛ لأنها خاضعة لمنهجية إسلامية قيمية، ومن هذه الأسس"المسؤولية المجتمعية للمؤسسة في نشر ثقافة الخير، والمبادرة والمشاركة .... ".

- التواصل مع المستفيد من خدمة الخير "المتبرع" يسهل من عمليات المراجعة والتدقيق والتقييم، ويساهم في دعم الصورة الذهنية الإيجابية ليس فقط عن المؤسسة، بل عن فكرة المشاركة في الدعم الإنساني والخيري من قبل المساهمين.
- المؤسسات الخيرية عليها معالجة القصور الإعلامي التقليدي الذي يعاني منه العاملون في الحقل الإسلامي بشكل عام، عبر التطوير في استخدام التواصل الحديث (مواقع إلكترونية – تواصل اجتماعي - ... ).
كما أننا لدينا تجربة الآن نتوسع فيها تدريجيا، وهي دمج المتبرع ضمن منظومة العمل، ليس فقط بقيامه بالتبرع بل بمستويين:
الأول: المشاركة في البرامج عبر الرحلات الخيرية والمتمثلة في (تجربة قوافل الرحمة الإغاثية بمشاركة مجتمعية في سوريا  - تجربة الرحلات الشبابية التطوعية في إفريقيا وآسيا – تجربة السياحة الخيرية في آسيا ).
الثاني: عبر الاستعلام الخيري: وسيتم توفير هذه الخدمة عبر الإصدار الحديث من موقع الرحمة العالمية، الذي سيصدر بداية العام القادم، وهو نقلة نوعية في هذا المجال، يتيح للمتبرع متابعة كافة تبرعاته من التأسيس للانتهاء بشكل تفاعلي لَحْظي، عبر استخدام جواله أو جهاز الكمبيوتر الخاص به.


المتبرع الخليجي والمصداقية
فيما يبين الأستاذ/ الكعكي أن المتبرع الخليجي والعربي يتحرى الجمعيات الخيرية المميزة، ويبحث عن مصداقيتها وشفافيتها؛ لأن الإسلام أصلا يأمره بتحري الدقة والصواب في دفع صدقته .. المتبرع يريد أن يطلع على التسلسل التاريخي للجمعية، وإنجازاتها الحالية، وخططها المستقبلية.

 

 

في حين يرى الأستاذ/ علي الشيادي أنه من خلال وجودنا في العمل التطوعي لعدة سنوات فإنه يتضح أنه في غالب الأحيان يتمكن المتبرع من التعرف على هذه الجمعيات، بل إن البعض أصبح بنفسه يسعى للتعرف عليها، و تمييز عملها، و التعرف على أنشطتها. أما مسألة المقارنة، فإنها قد تكون نسبية نوعا ما، بحيث إن ما قد يراه البعض مشروعا مميزا قد يراه آخرون بأنه عمل ثانوي. و من حيث التعرف على حجم تشغيل المشاريع الخيرية، و مدى الاستفادة منها و وصولها للمستفيد الأخير، فإنه يعتمد على الجمعية التي يدعمها، و غالبا ما تكون الجمعيات ذات شفافية في توضيح حيثيات مشاريعها إلى أن تصل لنقطة النهاية في إيصال الهدف من المشروع الخيري.

مؤسسات لخدمة المتبرع
هل من الممكن أن يكون لدينا مؤسسة خاصة تقدم مثل هذه الخدمة للمتبرع ليستطيع من خلالها أن يوجه تبرعه للجهة الخيرية الأكفأ، وللجهة الخيرية التي يمكن تنفذ مشروعه بالطريقة الصحيحة، وبأعلى مواصفات الدقة والمهنية والحرفية؟؟
يتمنى الأستاذ/ المطوع أن
"يكون لديهم  هذا النموذج، ولو نظراً، في تجارب عالمية، فهناك مبادرات حققت تميزا، وكان لها إسهامات  PQASSO- charity navigator  -  وجائزة السبيعي للتميز.

ويقول: حقيقة تجربة مؤسسة  (Charity navigator) مميزة جدا، بدأت في 2001 بالولايات المتحدة وفق مفهوم المعونات الذكية؛ أي تلك المعونات التي تقدم فقط للجمعيات الجديرة بالثقة، والتي تدير عملها بكفاءة، ولذلك تعمل المؤسسة على تقديم المساعدة و الدعم الفني للراغبين في التبرع بأموالهم، و مساعدتهم في اتخاذ القرار بشأن اختيار الجهة الأصلح لاستقبال أموالهم، والتي ستنفقها بكفاءة عن طريق إنشاء قاعدة بيانات لأكثر من (5000) جمعية خيرية في أمريكا، وتصنيفها حسب مجالات عملها، ومحاولة وضع منهاجية محددة لتقييم عمل هذه الجمعيات بما يضمن الموضوعية وعدم التحيز.

   كما أن (PQASSO) ، والتي تم تطويرها 1997 في بريطانيا، والتي تخدم القطاع الثالث بكافة مؤسساته، وهي عبارة عن معايير للجودة خاصة بالقطاع الثالث، بغض النظر عن حجمها؛ وذلك لتحسين أدائها. وكما علمت أن إحدى المؤسسات الوسيطة مركز تام قام بأخذ وكالته وترجمته لطرحه في السوق العربي الخليجي لتستفيد منه المؤسسات الخيرية. كما أن المحاولات في العالم العربي لم تتوقف؛ فهناك تجربة جائزة السبيعي، والتي وجدت لتساهم في رفع مستوى الأداء للمنشآت الخيرية، والارتقاء بجودة خدماتها، وبما يحقق رضا الشرائح المختلفة من المستفيدين. والذي يتطلب دوراً فاعلاً وملموساً لقيادة المنشأة في وضع الخطط الاستراتيجية الملائمة، والتواصل مع كافة المعنيين، وتحفيز العاملين وتقديرهم، وتحقيق مفهوم القدوة الحسنة كقادة للعمل الخيري. وقد تشرفت بحضور الحفل الأول لتوزيع الجوائز على المؤسسات  الفائزة، واستمعنا إلى أفضل الممارسات من الجهات الفائزة، وتعرفنا على جوانب القوة، وكيف تغيرت هذه المؤسسات بعد تطبيق هذه المعايير التي وضعتها الجائزة.


    ولا أنسى الجهد المبذول في "الرحمة العالمية" منذ (4) سنوات في وضع معايير التميز المؤسسي والتنافسية، عبر وضع معايير المؤسسة الفاعلة – ومعايير الإدارة الفاعلة، والتي تمت باجتهاد الفريق الداخلي للرحمة، والتي وضعت معايير خاصة لتقييم المؤسسة بشكل كامل، وتقييم الإدارات المنفصلة؛ للوقوف على الفجوات لمحاولة تقليصها، ومن ثم تم إنشاء إدارة مختصة بالتطوير المؤسسي وتقييم الأداء، وهي إدارة التخطيط والجودة" .


بينما يقول الأستاذ/ الكعكي عن ذلك:  "أرى أنه لا بد من وجود مجلس تنسيقي يقوم بدور الربط بين الجمعيات الخيرية في المدينة، ثم يتوسع هذا المجلس للبلد والعالم الإسلامي، هذا المجلس دوره تقييم مسار الجمعيات، ويتطلب أن يكون فيه متخصصون على مستوى عالٍ.. لا بد من وجود مثل تلك المؤسسات".

و يقول الأستاذ/ الشيادي: "بكل تأكيد، بأن هذا العمل (إن وجد) فسيكون رافدا قويا للجهات الخيرية، و مساعدا للمتبرعين لإيصال تبرعاتهم لمستحقيها. و لا شك أن هناك من يسعى لمثل هذا العمل، و إمكانية تطبيقه، ليس بتلك الصعوبة، بل نأمل أن نراه قريبا على أرض الواقع ـ بإذن الله تعالى ـ.

هل تعرف المتبرع على أداء وتقييم المؤسسات الخيرية في بلده يساهم في زيادة حجم التبرعات، والاطمئنان إلى أنها ستستثمر بحيث تصل إلى من يستحقها؟
يقول الأستاذ المطوع عن ذلك: "بكل تأكيد؛ ستوجد عند المتبرع الثقة الكاملة في المؤسسة الناجحة؛ مما يزيد من حجم تبرعه لها، وجلب متبرعين آخرين كذلك؛ لأن معرفة الأداء، ومن ثم تقييمه ونتائجه، سيكون سبباً كبيراً في إعطاء شفافية كاملة ومتبادلة بين الداعم والجمعية. وحين يرى ثمرة دعمه السابق وفائدته سيكون ذلك مدعاة له وتشجيعاً لأن يقدم المزيد، ويدعو الآخرين للاقتداء به.
    فعلى سبيل المثال: طرحت مؤسسة (Charity navigator)  تساؤلاً: إذا كان في عام 2005 وحده ـ على سبيل المثال ـ بلغ إجمالي تبرعات المواطنين الأمريكيين (248.5) بليون جنيه، تم منحها لأكثر من مليون جمعية خيرية، بدافع الرحمة والشفقة فقط، وبلا أي ضمان لمصير هذه الأموال، فكيف سيكون الأمر إذا تأكد الناس أن أموالهم هذه ستصل بالفعل لمستحقيها؟ ربما تضاعفت هذه النسبة كثيرا؛ لأنهم في هذه الحالة سيمنحون المال بقلوبهم وعقولهم معا".


و يؤكد الأستاذ/ الكعكي ذلك بالقول: "معرفة المتبرع بتقييم المؤسسة يساعد على زيادة إيراداتها".
بينما يقول الأستاذ/ الشيادي: "بطبيعة الحال، فإن المتبرع حين يصرف مبلغا لمثل هذه الجمعيات، فإنه يسعى للاطمئنان على ما تم تقديمه، و إذا ما وصله تقرير مفصل عن حجم المشاريع و آلية تقديمها، و سلامة وصول التبرعات لمستحقيها؛ فإن ذلك سيكون مدعاة لاستمراريته، بل و دعوة الآخرين للتبرع؛ مما سيزيد من هذه التبرعات".

نحو الأفضل

ما الذي ينقص مجتمعاتنا العربية، وبالتحديد الخليجية، لكي تصل بأداء تلك الجمعيات إلى النحو الأفضل، وتقديم تقييم سنوي لهذا الأداء؟
يقول الأستاذ/ المطوع عن ذلك: "أنا أؤكد أن على إدارة المؤسسات الخيرية أن تقتنع وتنطلق من كونها أصبحت جزءا من صناعة حقيقية في سوق له مبادئ وقيم، ويعنى بأهداف روحية بجانب الأهداف المادية، وبالتالي فنحن بحاجة لـ:
- الشفافية التامة التي تفتح الأفق للتنافس المنظم.
- التطوير المبني على أسس ولوائح ونظم تواكب كل جديد، وتستوعب الأسس والمنطلقات، دون الإخلال بها.
- منظومة رقابية داعمة للعمل الخيري، وليست معوقة أو مشككة، تتضمن معايير للثواب والعقاب والمحاسبة الحقيقية.
- بناء وإطلاق كيانات وسيطة تقوم بدور "المراقب"؛ لأجل التطوير والتدريب، وتقديم الاستشارات للمؤسسات الخيرية".


فيما يبين الأستاذ/ الكعكي أن المؤسسات الخليجية ينقصها أن يكون الكادر متفرغا للعمل، وليس متطوعا، وكذلك ينقصها المتخصص في إدارة العمل الخيري.
و يرى الأستاذ/ الشيادي: أن ما ينقص مجتمعاتنا هو وجود هيئات ترعى هذه الجمعيات، و تقدم لها الخدمات الاستشارية و الإدارية، و تتابع عملها، و تهيئ لها البيئة المناسبة لتسويق أفكارها الخيرية النابعة من صميم التطوع. كما أن ضرورة تحديث قوانين الجمعيات الأهلية و الخيرية لحمايتها و تنظيم عملها، و توجيه متطوعيها، بات أمرا مهما للغاية. كذلك – حسب وجهة نظري – فإنه يلزم وجود من يتولى مهمة تثقيف المتطوع بدوره في الجمعية؛ من أجل أداء متميز و نتائج أفضل.

تقييم سنوي

في الدول الغربية, يوجد تقييم سنوي لأداء العمل الخيري من قبل المؤسسات الخيرية يقدم إلى الدولة لكي تحصل على تخفيضات ضريبية، وأيضا يصمم بها تقرير يقدم لمن يريد التبرع أو الاستثمار, لماذا لا تسلك مؤسساتنا الخيرية مثل هذا السلوك وتقوم به سنويا ولا تهمله؟
يقول الأستاذ/ المطوع عن ذلك: "منظومة  الخير  ترتكز على "مؤسسات خيرية منظمة – متبرع لديه الاستعداد للمساهمة – مؤسسات رسمية رقابية – آليات تطوير، فلسفة وثقافة وقيم حاكمة"، وبالتالي فعلى جميع مقومات هذه المنظومة أن تمارس دورا متمثلا في التطوير والمواكبة، خاصة الجهات الرقابية التي في الكثير من التجارب في بلدان العالم العربي والإسلامي انتقلت من مفهوم الرقابة الداعمة إلى الرقابة المعيقة، وذلك ليس فقط بسبب التشكيك أو الترصد؛ ولكن لأن التطوير بطئ جداً؛ فينقلب الأمر لمعوق وليس لداعم.


     ولذلك هناك حكومات استطاعت أن ترفع عن كاهلها عبء عدم القدرة على المجاراة، بفتح الأفق أمام المؤسسات غير الوزارية لدعم المؤسسات الخيرية وتهذيب عملها وتطويره، مثال: تجربة (Charity Commission) -   في بريطانيا، والتي تقوم بالإشراف على العمل الخيري البريطاني، علما أنها مؤسسة غير وزارية".
فيما يرى الأستاذ الكعكي: أن يرتبط دعم الدولة السنوي للجمعية بنتيجة تقييم أعمال الجمعية. وهذا يزرع ويساعد على روح التنافس في العمل الخيري.
بينما يقول الأستاذ الشيادي عن ذلك: "من البديهي جدا أن وجود جهات إشرافية يساهم بحد كبير في التزام الجمعيات بأمور عدة، و التي من ضمنها عمل هذه التقارير و رفعها لتقييم الأداء، فإذا ما تكاتفت الجهود في هذه المؤسسات، و وضعت يدها بيد الجهات الرسمية، ليقوم كلٌ بدوره؛ فإن هذه الالتزمات ستصبح كإحدى المهام الأساسية للجمعية، بدءا من رفع التصورات، مرورا بإعداد التقارير، و انتهاء بالتقييم الشامل للمشروع المقدم.

وسيلة لتحسين الأداء
أخيرا، وفق تصوركم وتجاربكم، أهمية هذا التقييم فيما لو اعتمدته المؤسسات الخيرية في الدول العربية بشكل عام، والخليجية بشكل خاص؟
يقول الأستاذ/ عبد الرحمن المطوع: "بلا شك، سيتحسن العمل بشكل ملحوظ، كما ستوجد الثقة التي تغيب كثيراً بسبب ضعف الشفافية والمؤسسية، كما سيزداد حجم التبرعات والداعمون للجمعيات الخيرية، وأخيراً سيتوج عمل الجمعيات الخيرية من البداية وحتى النهاية بنماذج رائعة من الجودة والتميز، حيث سينتقل التنافس فيما بينها في جودة المخرجات واستدامة الخدمات، مثال: تجربة جائزة السبيعي للتميز، والتي اشتملت على تسعة معايير رئيسة؛ ستة منها في قسم المنهجيات والممكنات، وهي: القيادة الإدارية والاستراتيجيات، وإدارة الموارد البشرية والمتطوعين، وتنمية وإدارة الموارد المالية والأوقـاف، وإدارة الموارد والشراكات، وإدارة العمليات والخدمات، والحوكمة والشفافية.  بجانب  معايير نتائج الموارد البشرية، ونتائج المستفيدين والمتعاملين، ونتائج الأداء الرئيسة, وقد فتح ذلك الأفق للتنافس بين المؤسسات التي شاركت، حتى وإن لم يحصل جميعها على الدرجات الكاملة، لكن ذلك كان".
فيما يقول الأستاذ/ الكعكي: "إن اعتماد التقييم سوف يُحدث لنا نقلة وتغييرا في أداء الجمعيات إن كان هذا التقييم واضحا وموضوعيا".

بينما يختم الأستاذ/ الشيادي ملفنا هذا بالقول: "إن  أهمية هذا التقييم تتجلى في النتائج التي قد تأتي بعده؛ فكما أسلفنا أن التقييم سيساهم في استمرارية العمل و التنافس الشريف لتقديم مشاريع خيرية تتواءم مع احتياج المجتمع. كما تتضح أهمية التقييم في المسارعة بتقديم تقارير وافية للداعمين للأعمال التطوعية، و هذا بطبيعة الحال ينتج عنه زيادة في الرفد المستمر للجمعيات. أضف إلى ذلك تعريف المجتمع بهذه المشاريع و حجمها، و مدى الاستفادة منها، إذ إن التقييم سيشمل مراجعة الجانب الإعلامي و التسويقي للأفكار، و منها سيعمل كل متطوع على إيصال عملهم للمجتمع بالصورة المطلوبة.
     و مهما تحدثنا عن أهمية التقييم الشامل، فسيظل في كلامنا قصور عن أن ندرك كل جوانب هذه الأهمية، إلا أن فائدته ستعم و يبقى أثرها الطيب".

بواسطة : إسراء البدر