البيوت الاجتماعية تفتح نافذة الأمل لـ«المرفوضات»
4 ديسمبر 2014 - 12 صفر 1436 هـ( 6653 زيارة ) .
فتيات الرعاية الاجتماعية وساكنات بعض الدور ظللن يواجهن إشكالية في السكن .. لظروفهن الاجتماعية المعروفة والتي لا تغيب حالاتها عن أحد، وجاء قرار إنشاء بيوت اجتماعية للأيتام كخطوة جديدة ومطلوبة للم الشمل وضمهن إلى بيئة جديدة أشبه كثيرا بالبيئة الأسرية اللائي فقدنها بسبب الظروف التي تطرقنا لها.. ولعل الأزمة تتجسد في رفض عائلاتهن في استلامهن من الجهات المختصة تحت مختلف الأسباب والمبررات فأين يذهبن وقد تبرأ منهن القريب والبعيد..
 
«أم ود» لم تجد مكاناً تلجأ إليه بعد أن لفظتها أسرتها فتزوجت برجل أنجبت منه طفلين وسرعان ما طلقها بعد أن صار من مدمني الحشيس فتاهت أم ود بطفليها ولم تجد ملاذا غير مؤسسة رعاية الفتيات في مكة المكرمة حيث قضت فيها محكوميتها وعندما طلبت من مديرة المؤسسة منزلا يأويها مع صغارها لم تجد حلا وحصلت أخيرا على شقة في بناية أوقاف بغرفة يتيمة، وتحلم أم ود في منزل مناسب يؤويها وأطفالها وحياة كريمة مع راتب ضمان الاجتماعي الذي لا يكفي.
 
وتتحمل (أم هداية) ثمن غلطتها بمشاركة ابنتها، فبعد خروجها من مؤسسة الرعاية للفتيات رفض والدها استقبالها وحين أجبر على ذلك ظل يمارس معها أبشع أنواع القسوة والعنف فأصبحت تتنقل من مكان إلى آخر بحثا عن مسكن.. وما تملكه الآن هي حصيلة عطايا المحسنين حتى أسكنها أحد ملاك العمائر في غرفة الحارس وكونها تعاني من مشكلة في إثبات النسب -كما تقول- لم تجد أي وسيلة للحصول على إعانة من الضمان الاجتماعي وتعيش على إعانات بسيطة من خالتها المحتاجة وبعض الجيران.
 
وتشكو رمايل من سلوكيات إخوتها ما أثار غضب والدها فتعرضت إلى العنف الأسري ثم آوت إلى دار الحماية في مكة المكرمة ورفض والدها استلامها وهي الآن في حاجة إلى مسكن يأويها..
هذه الحالات وغيرها هل تحل إشكالياتها البيوت الاجتماعية التي وافق عليها مجلس الوزراء هذا الأسبوع ؟
 
القرى غير مناسبة
تقول المستشارة الاجتماعية الدكتورة نورة عبدالعزيز آل الشيخ: لم يتسن لي الاطلاع التفصيلي على اللائحة الأساسية للبيوت الاجتماعية عقب موافقة مجلس الوزراء.. وأعتقد أن الخطوة هي دمج للائحة دور التربية الاجتماعية مع دور الحضانة أو قرى الأطفال. وبالنسبة لقرى الطفل بمفهومها العالمي يتعذر تطبيقها في بلادنا حيث تتطلب بقاء مجموعة من الأطفال متفاوتة الأعمار مع زوجين داخل القرية مدى العمر.. والاختلاف هنا في المسمى إذ أنه من المتعارف عليه أن الأطفال الذكور ينتقلون من دور الحضانة إلى بيت الأشبال الملحق بدور التربية للبنين لتهيئته لحياة الشباب ثم الاندماج كلية في دار التربية.
وتمضي الدكتورة آل الشيخ وتضيف أما بالنسبة للبنات فقد كان التعامل منذ سنوات عدة على مفهوم الأسر الممتدة وهي بقاء الطفلة في ذات الدار التي نشأت بها وهذا يساعد كثيراً في استقرار نفسيات البنات من ناحية المكافآت.. فما يتقاضاه الأيتام في الدور الحكومية عال بالإضافة إلى توفير الكساء والغذاء والعلاج وغير ذلك كثير ولا أرى هل ستشمل هذه المكافآت كما يحدث في الجمعيات القائمة برعاية الأيتام حسب المرحل العمرية.
 
الإنسان أهم
المستشارة النفسية آل الشيخ حثت وزارة الشؤون الاجتماعية على ثبات وبقاء الكادر الوظيفي العامل في هذه البيوت مع الأطفال فنقل أخصائية أو حاضنة من الإطار بحجة التطوير الوظيفي أو عدم وجود مرتبة ملائمة في الإطار التي تعمل بها هو تكرار لليتم، فإذا استمرت هذه السياسة في التغيير فلن يكون هنالك عنصر نجاح لهذه الدور.. فالأهم أن تبقى الأم مع أبنائها وتبقي الأخصائية مع حالاتها إلا من يثبت فعليا إساءتها للأيتام أو عدم فاعليتها في هذا المجال، أما إذا كانت الجهة المشرفة خيرية فيجب وضع الضوابط الداعية إلى استقرار فريق العمل الصالح في القطاع الخيري مع الأيتام وعدم التخلي عنه تحت ذريعة التكاليف، فالإنسان أهم من الموارد المالية خاصة إذا كان الاستثمار في الإنسان.
 
الدور حماية
منال الصومالي أخصائية الخدمة الاجتماعية في مستشفى الملك فهد بجدة تعزو حالات اليتم والتشتت إلى العنف الموجة نحو الطفل وفي الغالب يكون نتيجة لتفكك العائلة بسبب الطلاق أو النزعات الأسرية المستمرة وهي مشاكل لها آثار كبيرة على نفسية الطفل ونشأته وأخلاقه وحتى صحته، وتختلف تلك الآثار حسب نوع العنف الذي تعرض له، ولكن بشكل عام كلها آثار لا تحمد عقباها، حيث تظهر نتائجها على الطفل بعد التعرض للعنف مباشرة وتبعاتها فتظهر على سلوك الطفل وشخصيته ونفسيته لاحقا. ويعتبر المجتمع هو المتضرر من وجود مثل هؤلاء الأفراد الذين مورس العنف عليهم وبالتالي هم نواه لمعنفين لاحقين بمعنى استمرار الدائرة. وما إنشاء مثل هذه الدور إلا رغبة صادقة في المحافظة على سلامة المجتمع من إفرازات سلوكية لما لأهمية مرحلة التنشئة الاجتماعية التي يمر بها الإنسان.. ومن الجانب المهني الاجتماعي تهتم الخدمة الاجتماعية بالعلاج إذ أن علاج الطفل المعنف يتسهلك وقتا أطول ويجب بدء العلاج منذ وقت مبكر حتى بعد زوال العنف عن الطفل.
 
أما في حال عدم زوال العنف واحتمالية تكراره وأن يكون نابعا من أحد أفراد العائلة المقربين، فهنا تكمن الصعوبة في العلاج، والذي قد يتطلب جهدا أكبر ووقتا أكثر وأهمية كبرى لهذه الدور إذ تعمل على القيام بدور المؤسسة الأولى للتنشئة الاجتماعية بطريقة مهنية واضحة المعالم والأهداف.
 
رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والأسرة والشباب في مجلس الشورى عبدالعزيز الهدلق قال إن نظام البيوت الاجتماعية ستحقق نقلة نوعية في إيجاد بيئة تقارب الحياة الأسرية والطبيعة وتساعد على دمج الأيتام في المجتمع بشكل أكبر وستعمل الوزارة على تأهيل الذكور عند الانتقال لهذه البيوت وسيكون لهم مدخول شهري وتأمين العلاج في المستشفيات الخاصة وتعليمهم في مدارس جيدة.. وأعرب الهدلق عن أمله في وزارة الشؤون الاجتماعية إعداد برامج جيدة ترفع من مستوى الخدمات في البيوت الاجتماعية.
 
لوائح سابقة
وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية للرعاية الاجتماعية والأسرة الدكتور عبدالله عبدالعزيز اليوسف يقول إن هذه اللائحة تأتي ضمن تطوير برامج وفروع ولوائح الرعاية الاجتماعية للفئات الاجتماعية ذات الظروف الخاصة ممن تقوم على رعايتهم الوزارة.. وقد جاءت أبرز ملامح اللائحة في ما تهدف إليه في توفير رعاية قريبة الحياة الأسرية الطبيعية لمن لا تتوفر له الرعاية وفقا لما تحدده القواعد ويستفيد من البيوت ويلحق بها الذكور ممن لا يعرف والده رعايتهم أثناء إقامتهم ماديا واجتماعيا ونفسيا وتربويا وتعليميا وصحيا وتأهيليا ويتكون البيت من عدة وحدات سكنية لا تزيد طاقة البيت الواحد عن 40 مقيما وسيحدد في القواعد التنفيذية للائحة الفئات العمرية المسموح بشمولها والمواصفات اللازمة نفسيا واجتماعيا لتلك الوحدات السكنية.
 
اليوسف قال إن هذه اللائحة الجديدة للبيوت الاجتماعية ألغت اللائحة الأساسية لدور التربية الاجتماعية الصادرة بقرار مجلس الوزراء في 5/2/1387هـ ولائحة دار الحضانة الصادرة في 8/2/1395هـ، ويبقى أن الوزارة ستوفر لهذه البيوت الاجتماعية ما تحتاجه من المختصين في المجال النفسي والاجتماعي والتربوي وغيره لتقديم الخدمات الشاملة للمقيمين وفق احتياجات مراحلهم العمرية ومتطلباتها.
 
شروط للمتقدمين للزواج من اليتيمات
اتساقا مع توجه وكالة الرعاية والتنمية الاجتماعية في رعاية الفتيات ومن خلال وعيها وإدراكها الاجتماعي والنفسي بأن المآل الصحيح للفتاة اليتيمة بعد تخرجها وبلوغها سن الزواج هو زواجها واستقرارها في بيت الزوجية وفي كنف زوج رحيم، لذا فقد أولت الجهات المختصة هذا الأمر عنايتها وجندت له السبل الداعمة للنهوض به وتمكينه على أوسع نطاق، وأوكلت لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية ممثلة بوكالتها للشؤون الاجتماعية إتمام هذا الأمر وفق الضوابط الشرعية والأعراف المرعية في المجتمع.
 
ونظرا لأن الوزارة هي الولي الشرعي البديل للفتيات اليتيمات ومن في حكمهن فإن موضوع تربية وتزويج الفتيات من أهم الأعمال التي تقوم بها الوكالة، حيث وضعت الشروط والضوابط للمتقدم بطلب الزواج، إذ تتم مقابلة طالب الزواج من قبل مختصين لتحري كفاءته وقدرته على الزواج، ويتم ذلك من خلال تعبئة الاستمارات الخاصة بالزواج والتي تشتمل على قسمين، قسم خاص بالمتقدم للزواج وتشمل جميع البيانات الضرورية عنه، إضافة إلى إرفاق مستندات صحية واجتماعية عنه أيضا، والقسم الآخر من الاستمارة يشمل البيانات الضرورية عن الفتاة وجهة رعايتها ومستندات أخرى عن رغبة الفتاة في دخول الحياة الزوجية وقبول المتقدم لها. ويعد ذلك التوجه تكملة للجهود المبذولة لرعاية الفتيات اليتيمات ومن في حكمهن والتي تهدف إلى تعليمهن وتربيتهن وتهيئتهن ليصبحن ربات بيوت قادرات على تحقيق حياة أسرية كريمة، وتقدم الدولة هدية مناسبة لكل فتاة عند زواجها، غالبا ما تكون بحاجة إليها في هذه الفترة الانتقالية من حياة الدراسة والرعاية داخل الدور الاجتماعية إلى حياة الزواج وتكوين الأسرة. ويتولى الإشراف على المتابعة أشخاص موثوق بهم للتحقق من توفر أسباب التكافؤ بين زوجي المستقبل وتهيئة السبل لبناء أسرة تكون نواة صالحة في المجتمع.
 
تنمية مستدامة لكيان الإنسان
عبير سجان مديرة مركز بيت الرفيف قالت إنه بالموافقة على اللائحة من أهم القرارات الصادرة التي تهدف إلى التنمية المستدامة في بناء الإنسان وتطوير الكيان المجتمعي وذلك من خلال تحقيق التكافل الاجتماعي والأسري المقدم لهذه الفئة بتوفير كافة أنواع الرعاية وتشترط في أن يكون تأسيس هذه البيوت وفق أسس علمية وخطط تنفيذية ومعايير الجودة الشاملة والذي سيؤدي بإذن الله إلى حماية هذه الفئة من الانحرافات العقدية والسلوكية والاتجاهات غير الصحيحة.. والمطلوب تقديم البرامج الشمولية والتي تهدف إلى تحويل الطاقات السلبية إلى طاقات إيجابية، كما أنه لابد من تعيين كوادر ذات مهنية عالية لضمان استمرارية المشروع ونجاحه.
بواسطة : عكاظ