العمل التطوعي ..كيف يساهم في العلاج النفسي والسلوكي للأفراد والمجتمعات؟
21 أبريل 2013 - 11 جمادى الثاني 1434 هـ( 11378 زيارة ) .
التصنيف :التطوع
العمل التطوعي ..كيف يساهم  في العلاج النفسي والسلوكي للأفراد والمجتمعات؟
 
الشباب : 
- العمل التطوعي ساعدني في التخلص من بعض الانحرافات السلوكية.
- اقتنعت أن جمالي ليس بشكلي إنما بدوري في خدمة من حولي.
- العمل التطوعي لعلاج الاكتئاب أفضل من العقاقير الطبية أحياناً 
 
المتخصصون : 
- العمل التطوعي أحد مسارات العلاج النفسي السلوكي 
- الشخص الذي يتمركز حول احتياجاته فقط أكثر عرضه للأمراض النفسية
 
تحقيق ورصد: تسنيم الريدي 
 
أكد المتخصصون في مجال الطب النفسي منذ قديم الأزل أهمية ممارسة العمل التطوعي في حياة الأفراد، وكونه عامل أساسي في علاج العديد من الأمراض النفسية والاضطرابات والانحرافات السلوكية لدى الشباب والمراهقين.
تواصلنا مع بعض الشباب والفتيات لرصد تجاربهم حيال ذلك فيبدأ محمود 28عاماً حديثه قائلاً:" بعد وفاة أمي وأبي وقعت في فخ الإدمان، وخلال رحلة العلاج الطويلة تابع معي الطبيب المختص ممارسة العمل التطوعي خلال أحداث زلزال95، ورأيت بعيني من فقد أهله مثلي بل ومنزله ولا يجد طعاماً أو شراباً ويقيم في الشارع، تعلمت الكثير من ممارسه العمل التطوعي، ادركت أن بذل طاقة العطاء للتخلص من نوبات الحزن، أفضل من الإدمان والعزلة، وبفضل الله شفيت تماماً لكنني ما زلت عضوا فعالاً في جمعية العطاء الخيرية".
 
ويضيف م.ع 24عاماً قائلاً: " سيطرت علي العادة الخبيثة بشكل سيء، ودمرتني نفسياً، وقد وصاني الطبيب المعالج خلال عام كامل من المتابعة بالانخراط في العمل التطوعي بجانب ممارسة الرياضة، وساعدني ذلك على استعادة ثقتي بنفسي وإنني لست دنيئاً أو حقيراً ، تغيرت نظرتي لذاتي وحققت الكثير من السعادة، فتغيير حال الآخرين من البؤس للسعادة يترك في نفسي آثاراً إيجابية كبيرة".
أما فاتن 33 عاماً فلها تجربة مختلفة حيث تقول:" طلاقي المبكر كان سبباً في انتكاسة نفسية خاصة انني كنت اقتنع أن جمالي لن يجعل زوجي يتركني نهائياً، لكن خروجي للعمل التطوعي ساعدني كثيراً، فلم أصبح منبوذة ممن هم حولي، وشعوري بأن هناك من يحتاجون إلى وقتي وجهدي وعقلي وابتكاري يجعلني أنام في المساء منهكة الجسد مرتاحة البال، راضية عن حياتي وانتظر يوم جديد، ولن تصبح الحياة مجرد زوج وأبناء، ومع ممارسة العمل التطوعي لمدة عام تقريباً توقفت بفضل الله عن تناول العقاقير المضادة للاكتئاب".
 
العمل التطوعي يعزز القيم المفقودة
انتقلنا لأحد المشرفين على تنظيم فرق الشباب المتطوعين والذي نقل لنا خبرته عن تجارب الشباب فيقول فهد الناصر مشرف فريق حياتنا التطوعي بالسعودية : " انخراط الشباب الذي يعاني أزمة نفسية أو اضطراب ما يساهم في تعزيز علاجه بشكل صحي وفعال، لدينا في الفريق شابين انضما مؤخراً وجدنا منهم حماسة ومتابعة ونشاطاً كبيراً، وذلك لرغبته في العلاج السريع، ونسعى مع هؤلاء أن نجعلهم يمارسون الأعمال التطوعية التي لها نتائج ملموسة وسريعة لأنها تعطيهم حماسة للمزيد من التطوع، فالتطوع بشكل عام يساعد الشباب على الاحساس بمشاكل الآخرين والخروج من التفكير في الذات، ويساعد على تحمل المسئوليات الاجتماعية والأسرية، بالإضافة إلى الرضا النفسي الذي يحتاجه العديد من المرضى، فالرضا عن الذات والرضا عن العمل التطوعي الذي يمارسه يزيد من حماسة المتطوع كلما رأى الآثار الإيجابية والتطور الملحوظ لدى من يتطوع للعمل من أجلهم.
 
كما أن العمل التطوعي يساهم في علاج بعض الانحرافات السلوكية حيث يعزز قيم العطاء والأمانة والصدق مع النفس، والايجابية ودعم واحترام المرأة ، ويعمل على غرس ثقافة الانتماء والولاء للمجتمع الذي نشأت فيه، وتقوية الترابط الاجتماعي بين الفئات المختلفة، كما أن التطوع يعمل على محاربة الانطواء والخجل المرضي، وينطلق في تعامله مع الآخرين من مبدأ الاحترام المتبادل ، فالمتطوع يبحث عن الإيجابيات في أداء الآخرين قبل السلبيات.
 
العمل التطوعي والعلاج النفسي والسلوكي
حملنا هذه القضية إلى د. عمرو أبو خليل مدير مركز الاستشارات النفسية و الاجتماعية بالإسكندرية ،ورئيس قسم بمستشفي المعمورة للطب النفسي بالإسكندرية، وعضو بالجمعية المصرية للطب النفسي، والمشارك في العديد من النشاطات التطوعية والذي يقول:" هناك ما يسمعى بوحده العلاج بالعمل في أي مؤسسة تهتم بالعلاج النفسي، أو الامراض العقلية حيث يكلف المريض بعمل بعض المنتجات والاعمال والمهام اليومية المناسبة والتي يحددها الطبيب المختص.
وهنا فالعمل التطوعي نوع من البرامج السلوكية للعلاج النفسي ، وأنا الجأ إليه بشكل كبير حيث نوجه المرضى للتطوع بصورة خاصة لعلاج بعض الحالات من الاكتئاب، أو نقص الثقة، أو القلق ، ويكون ممارسة العمل التطوعي بشكل دوري جزء اساسي من العلاج، ويكون نوع العمل التطوعي حسب حالة المريض.
فمثلاً عند ممارسة العلاج السلوكي لبعض النساء اللاتي يعانين سواء مشكلات زوجية أو اكتئاب ، أو الفراغ العاطفي نوجههن للعمل التطوعي وأحد المداخل يكون من خلال رعاية الأيتام أو الأعمال التطوعية التنموية، فالنساء غالباً لا يعملن – وظائف حياتية – وبالتالي فهن بحاجة كبيرة لممارسة العمل التطوعي، وتنوع مجالات العمل الخيري يكون فرصه لاستغلاله ليكون أحد مسارات العلاج النفسي للمريض.
 
العلاج من خلال العمل الجماعي في حالات الكوارث
وعن الأثار الايجابية للعمل التطوعي على المريض النفسي يضيف قائلاً: " العمل التطوعي له آثار سريعة وفعالة خلال مسار العلاج ، فهو يعطي دفعة كبيرة من الطاقه الروحية  للمريض من خلال شعوره بأنه انسان متفاعل وله قيمة في الحياة وله دور فعال من أجل الاخرين، وكلها معانى ايجابية يحتاجها المريض، لأن العلاج السلوكي يهدف إلى التخلص من الأفكار السلبية التي تسيطر عليه من شعوره بأنه أقل من الاخرين، أو ليس له قيمة، أو في حالة وجود مشكلات زوجية وشعور الزوجة بعدم الرغبة فيها ، أو أنها مجرد خادمة، أو الآباء والأمهات عندما يتزوج الأولاد ويشعرون أن حياتهم انتهت وأنه لا دور لهم، أو حتى الشباب مع البطالة الذي يعاني من الفراغ والاكتئاب ثم يلجأ للإدمان، وهنا فالانخراط في العمل التطوعى هو بمثابة تغيير من نمط تافه و شعور بالفراغ داخل المريض إلى نمط إيجابي نشيط ومتفاعل لخدمة الآخرين.
 
كما أن العمل التطوعي يتسم غالباً بأنه عمل جماعى، ومن خلاله يوجد مجال للتفاعل مع الاخرين، والاندماج معهم، وهذا يعالج المرضى الناتجين عن فقدان أحد الأقارب أو الأصدقاء، فالعمل التطوعي يوجد لديهم بيئة جديدة من الصحبة الصالحة في اطار جيد ومحترم، ويستطيع أن يكون صداقات على أسس جديدة.
والأهم أن ممارسة العمل الخيري تجعل المريض يحتك بالناس اللذين يعانون مشكلات كبيرة مثل حالات الكوارث الطبيعية والحروب ، فيجد من هم في مصائب حقيقة فتهون عليه مشكلته ويشعر ذاتياً أنه أفضل بكثير وهذا يعطيه دفعه إيجابية للتحسن، كما أن العمل التطوعي هو بمثابة كسر لحاجز الانغلاق والانعزال عن المجتمع والذي يعاني منه معظم المرضى النفسيين ، فالتفاعل مع الشباب المتطوع والانجاز يبعث الامل.
 
لتكون سعيداً ساعد غيرك
وتتفق معه د.عبير طوسون استشاري علم النفس والأستاذ المساعد بجامعة القصيم، ورئيس القسم النفسي بمركز التدخل المبكر بالإغاثة الإسلامية سابقا، قائلة: " 
العمل التطوعى والعمل فى المجال الخيرى هو خير علاج للعديد من المشكلات النفسية والأضطرابات السلوكية هناك مقوله لسليجمان رائد علم النفس الايجابى تقول " أذا أردت أن تعيش سعيدا لمدة يوم شاهد فيلماً وأذا أردت أن تعيش سعيداً لمدة أسبوع أذهب الى الصيد وأذا أردت أن تعيش سعيدا طوال الحياة قدم مساعدة لشخص ". وهنا أشارة كيف أن مساعدة الغير تجعل الشخص أكثر سعادة من أى شىء آخر فى الحياة ، لأن الأنسان حينما يقوم بعمل يشعر فيه بمساعدة غيره يتناسى همومه ومشاكله ويذوب فى مشاكل الآخر فيصبح تفكيره كله منصباً حول ماذا يفعل لمساعدة غيره ، بالأضافة الى أنه سيشعر بعظم رسالته ، وأنه يعيش بالحياة له هدف ، وأن هناك من يحتاج إليه.
معظم الأشخاص التى تتسم شخصيتهم بالأنانية والتمركز حول الذات تكون أكثر عرضة للأمراض النفسية خاصة الأكتئاب لأنه كل تفكيرهم ينصب على أنفسهم فقط ولا يروا فى الحياة الا ذواتهم وهنا يشعرون بالأكتئاب أذا أصابتهم أقل المشاكل ، ولا يكون لديهم القدرة على تحمل الضغوط النفسية.
فمريض الأكتئاب مثلا يشعر بأن المشاكل تتصيده هو ، وانه صاحب حظ عثر ، أنه لايحصل على شىء فى الحياة الا بصعوبة وأنه دائما هو فقط الذى تواجهه المشاكل والأزمات دون الآخرين ، وهذا ليس صحيح لأننا حينما ننغمس وسط الآخرين ونستمع لمشاكلهم نكتشف أن هذه هى سمة الحياة فلا توجد حياة خاليه من الضغوط، وهذه هى الفوائد التى نستشعرها بالعمل التطوعى فبدل من أن يحزن الشخص على همومه ويجلس يائس يندب حظه العثر ، فأن عليه أن ينهض لينغمس وسط الناس ويرى مشاكلهم ويفكر فى حلولها ووقتها قد يبتسم ليرى أنه لا يوجد لديه مشاكل أو هموم.
 
العمل التطوعي لعلاج الإدمان!
وعن علاج الإدمان تضيف قائلة: " من ضمن أنواع علاج الأدمان مايطلق عليه العلاج بالعمل وفيه يحث المريض على العمل بشكل كبير ليفرغ طاقاته ونشاطه ، وينشغل عن التفكير فى تعاطى المادة المخدرة ، لأن من أكثر المشكلات التى تعرض الشخص للأدمان الفراغ ، أن الفراغ كارثة كبيرة على شبابنا وهو قد يجعل البعض منهم يلجأ الى ممارسات سلوكيات سلبية منها الأدمان أو أقامة علاقات على الأنترنت أو الأنجراف وراء رفاق السوء ، ولذلك دائما ما ننصح الشباب من الجنسين باللجوء الى العمل التطوعى فى حال وجود وقت فراغ لديه ، فهو بذلك يستثمر وقته فى عمل مفيد وسيحصد نتيجة استثماره بعد ذلك من توفيق له بحياته ، وأحساسه بقيمته والشعور بالمسئولية والطمأنينة، من دافع قول رسول الله صل الله عليه وسلم ": "أحب الناس إلى الله أنفعهم ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه دينا ، أو تطرد عنه جوعا ، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن اعتكف في المسجد شهرا ، ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظا ، ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له ، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام ، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل )
والعمل التطوعى له مجالات كثيره وعلى كل شاب وفتاة أن يختار بالتنسيق مع الطبيب المعالج نوعية العمل التى سيشعر أنه يستطيع أن يخدم بها الاخرين أكثر، ومن هذا الدافع يكون العلاج النفسي والسلوكي.
 
التطوع والصحة النفسية
أما الدكتور حاتم آدم استشاري الصحة النفسية بجامعة القاهرة : " في تعريف الامم المتحدة لعلامات الصحة النفسية للشخص هي كونه يعمل عملاً لآخرين أو بمعنى اصح لا يعود نفعه المادي عليه، وهذا يدل على احساس بالآخرين ومشاركته لهم واسهامه في حل مشاكل المجتمع الذي يعيش فيه وانه ليس متقوقعا على نفسه ولا يعيش ويرى الاخرين لا يستحقون شيئاً، حيث يخرج من دائرة التمركز حول الذات وهذا يساعد الشخص على الشعور بالراحة والاطمئنان النفسي وبالثقة في المجتمع فتذوب معه طحالب الحقد والضغينة والاكتئاب الموجودة في النفس،  والتي قد تكبر وتتوحش،  والمدرسة العلاجية عند الالمان فيها جمله تثير اعجابي الا وهي:  انسان = ارادة واختيار ، والجملة صحيحة المعنى شرعا لأن القاعدة الفقهية تقول الاختيار مناط التكليف، فعندما يمارس المريض العمل الخيري من منطلق عبادة الله؛ فإنه بذلك يشبع هذا الجانب الروحي في نفسه، والعمل التطوعي عبادة لا تقل أهمية عن العبادات الأخرى، بل هي عبادة وأجرها خير من العبادة القاصرة، حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتحب أن يلين قلبك، وتُدرِك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطْعِمْه من طعامك يَلِنْ قلبُك، وتُدرِك حاجتك».
كما أن العمل التطوعي يساعد المريض على ضبط انفعالاته النفسية وهي عبارة عن تغيير مفاجئ يطرأ على المريض نفسيا وجسدياً، وذلك لأنه تمرن من خلال التفاعل مع الآخرين عبر مجالات التطوع على كيفية التعامل مع تلك الانفعالات.