الشباب يتساءل: كيف نتصرف إزاء رفض أهلنا لنشاطاتنا الخيرية؟
12 اكتوبر 2011 - 14 ذو القعدة 1432 هـ( 7093 زيارة ) .
التصنيف :التطوع
مع تزايد إقبالهم على ممارسة العمل التطوعي..
 
 الشباب يتساءل:  كيف نتصرف إزاء رفض أهلنا لنشاطاتنا في الخير؟
 
الشباب:
 
o    "طاعة الوالدين لا تجبرنا على ترك العمل الخيري".
 
o    مع الأهل " كن تافهاً تكون في أمان "!!.
 
المتخصصون:
 
o    "التوازن والإقناع سبيل كسب رضا الأهل".
 
o    "التفوق الدراسي وعدم التقصير كفيل بالدفاع عنكم".
 
تحقيق: تسنيم الريدي
 
مشكلة تواجه العديد من الشباب والفتيات حديثي الانضمام لمجال العمل الخيري التطوعي، خاصة الذي يحمل طابعاً إسلامياً دعوياً، ألا وهي معارضة الأهل لاشتراكهم في بعض النشطات التطوعية – خاصة الفتيات –؛ وذلك لعدة أسباب، أغلبها تخوفات سياسية وأمنية، أو العمل بالمقولة المصرية " خليك جنب الحيط تسلم"، أو لأسباب مادية تتعلق برفضهم مبدأ العمل بلا مقابل مالي،  فبدأت بعض الخلافات تدب في البيوب بين الآباء والأمهات وأبنائهم، في محاولة من الأبناء لإقناعهم بأهمية العمل التطوعي، وبين الرفض القاطع من قبل الأهل، بل والترصد أحياناً لمنعهم – خاصة الفتيات – من الخروج!
 
لا للعمل بلا مقابل
توجه " مداد" إلى إلقاء الضوء أكثر على ما يفكر به الشباب ...
في البداية يقول مجدي  (19) سنة من الكويت: " في بداية التزامي شعرت بأهمية توجهي نحو العمل الخيري، خاصة وأن إقبال الشباب على ممارسة العمل التطوعي قليل في منطقتنا؛ وهذا نابع من انحدار الثقافة العامة بأهميته،  لكنني شعرت بمعاناة شديدة، فلا أحد يستطيع فهمي،  وحاولت الانعزال والتغيب عن البيت  أكبر وقت ممكن، وانشغلت مع الشباب ما بين الجمعيات الخيرية والفقراء، و لكن بعد فترة حاولت إيجاد جو عائلي آخر في مكان غير البيت، يضمني ويستوعب معظم حاجاتي، لم يتقبل أهلي ذلك،  بل إن أبي هددني بالطرد من البيت إن لم أجد عملاً يدر لي دخلاً بفترة صباحية وأخرى مسائية، بدلاً من تضييع وقتي في التطوع".
 
وتتفق معه هاجر (26) عاماً من قطر: " أحب المشاركة في النشاطات التطوعية التي لا تحمل أي نوع من الاختلاط، لذلك توجهت إلى المسجد العام عندنا، والذي يقيم نشاطات عديدة، وفي أحد المعارض لتوزيع الملابس على الفقراء في ساحة المسجد، رأتني إحدى القريبات وأبلغت أمي التي ترفض مبدأ تواجدي في المسجد!".
 
التطوع والفشل الدراسي!
أما قاسم (23) عاماً فقد توجه إلى العمل التطوعي منذ وقت مبكر، حيث يقول: " أعمل في إحدى الجمعيات الخيرية منذ 5 سنوات، وقد وجدت معارضة شديدة من أهلي لقناعتهم أن العمل التطوعي يقود إلى الفشل الدراسي والتقصير في واجباتي تجاه أسرتي، لكن مع الوقت والإقناع وتلبية كل طلباتهم تقبلوا أمري".
 
أما ح. م  (22) سنة فلها مشكلة أكبر، حيث تقول:" أسرتي بسيطة إلى حد كبير، لكننا مستورين بفضل الله تعالى. منذ الصغر وأهلي يتقبلون معونات من العديد من الجمعيات الخيرية، وكذلك من الأشخاص الخيرين الذين يقومون بتوزيع بعض المال في الحي القديم الذي نقطن فيه، وأنا ناشطة في مجال العمل التطوعي. وللأسف، أقنعت أهلي مراراً بأننا لسنا بحاجة لهذه المعونات، وأن غيرنا أولى بها، لكنهم لا يقتنعون. وللأسف، يسببون لي إحراجاً كبيراً إن علم أحد بالأمر، بل إن أمي تعرقل كل جهودي حتى أحصل لها على المساعدات التي أقدمها للفقراء، وفي النهاية تود أن تمنعني من ممارسة نشاطي".
 
التطوع دون علم الأهل .
وعن رأي الشباب لمواجهة هذه المشكلة، تقول  سهاد (20) عاماً من اليمن :" أواجه صعوبة في استكمال عملي التطوعي؛ لأن أهلي يعتقدون أنه الطريق إلى الفكر المتطرف! لذلك أرى أنه من الأنسب عدم إخبارهم بكل نشاطاتي إلا ما يوافقون عليه".
 
وتختلف معها رؤى من السعودية قائلة:" ربما يكون إخفاء نشاطنا عن أهلنا طريقة لاستكمال المسيرة،  لكن مصيرها أن تنكشف، ويحدث صدام أكبر بيننا وبين الأهل، فبالتالي أحسن طريقة ـ من وجهة نظري ـ هي النقاش والحوار، وعدم التعصب لرأي معين، و احتواء الطرف الآخر، والتنازل بعض الشيء".
 
و هناك من بحث عن حل وسط، رغم صغر سنه، فيقول محمد (16) من البحرين : "لا أخفي عن أهلي شيئا، لكن أخبرهم بحكمة،  فأعطيهم علماً بأن لي نشاطات  خيرية، و لكن لا أخبرهم طبيعتها بالضبط، فأنا أستطيع أن أنجز كل ما أريد برفقة مجموعة عمل نشطة، وفي خارج وقت الدراسة، وهذا لا يلفت نظر أهلي للاعتراض".
 
وكذلك ناهد (29) عاماً من قطر تقول: " عندما أجد رفضاً من أمي لنشاطي أحاول أن استثير مشاعرها تجاه الفقراء وما يعانون منه، وأتعمد أن أحكي لها باستمرار معاناة هؤلاء، وأن أضعها مكانهم، فتلين مع الوقت، بل إنها ذات مرة ساهمت في الجمعية  التي أتطوع فيها بإعداد طعام أفطار رمضان للأيتام".
 
لا تخفي نشاطك عن أهلك
وهنا تقول د. وفاء القاسمي ـ مشرفة العلاقات العامة في جمعية نجوم الإسلام في قطر ـ: "نواجه هذه المشكلة كثيراً مع المتطوعات في الجمعية، لكننا في الحقيقة لا ننصحهن أبداً بمشاركتنا الأعمال التطوعية دون علم أهلهن، لكننا نسعى بشكل جيد في التواصل مع الأهل، ودعوتهم إلى حضور بعض الفعاليات والنشطات التي قد تطمئنهم، كما نسعى باستمرار إلى تقديم بعض المكافآت الرمزية والحفلات التكريمية للمتطوعات وذلك بحضور أهلهن؛ حتى نعمل على تشجيع الأهل لعدم معارضة نشاط الفتيات، فالأم التي ترى أن ابنتها لها دور فعال في بناء المجتمع، ويتم تكريمها في حضور شخصيات عامة معروفة، يتأكد لديها أهمية ما تقوم به ابنتها أمام أسباب معارضتها".
 
وعن أسباب رفض الأهل للعمل التطوعي، تضيف قائلة: " بعض المجتمعات العربية ليس لديها خلفية ثقافية صحيحة متكاملة عن أهمية النشاط التطوعي الذي يقوم به الشباب. وفي الحقيقة لدى شباب الجيل الحالي صحوة رائعة وحماس متفجر للرغبة في ممارسة العمل التطوعي، والذي قد لا يجد صدى جيدا لدى الأهل، وهم الجيل الأكبر، ويأتي الرغبة في المقابل المالي هو السبب الأكبر لرفض العمل التطوعي أو عدم مباركته من قبل الأهل، حيث يتخرج الشاب، وفي خضم الوضع الاقتصادي المتأزم لدى الكثيرين وانتشار البطالة، يرى الأهل أنه يجب أن يبحث عن فرصة عمل براتب متميز يؤهله لبناء نفسه وتكوين أسرة أو حتى الانفاق على أهله، وبالتأكيد يأتي العمل التطوعي – من وجهة نظرهم – ليضيع وقت الأبناء فيما لا يفيد. كذلك قد يرفض البعض ممارسة الأبناء للعمل التطوعي – وخاصة الفتيات –؛ بسبب التخوف من وجود بعض الاختلاط، أو التخوف من خروجها إلى أماكن غير معروفة في حالات وجود فعاليات ما خارج الجمعية التي تتطوع فيها، أو ـ مثلاً ـ عندما يطلب منها عمل دراسة حالة لبعض الأسر الفقيرة، أو توزيع شنط رمضان أو العيد أو الكسوة على الأسر الفقيرة، فهذا يثير قلق الأهل".
 
الموازنة =  النجاح
ويضيف الشيخ: محمود الفار ـ مدير المركز الإسلامي بمدينة كالكري بكندا ـ: "يجب معالجة الأمر بما يساهم في نجاح العمل الخيري، والحفاظ على السلامة النفسية للأسرة واستقرارها. فيقول الله ـ عز و جل ـ: " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني"،  فإذا ما تعلم الشباب كيف يمارسون نشاطاتهم الدعوية والخيرية على بصيرة فأعتقد أنه لن تكون هناك كثير من هذه المشكلات التي يمكن أن تثور بينهم وبين العائلات، الشباب الناجح هو الذي يوازن بين مجهوداته التطوعية وواجباته الأخرى دون المساس أو التفريط في حقوق أسرته ووالديه عليه، وهذا يستلزم من الشاب تنظيم وقته بصورة أفضل. وإذا حدث في بعض الأوقات أن أحد الوالدين أو كلاهما لم يتفهم أهمية النشاط التطوعي الذي يقوم به الشاب أو الفتاة،  وقال له أو لها إنه غير راض عن عمله مثلاً، فيجب على الشاب أو الفتاة أن يتجمل بالصبر؛ لأنه مطلوب منه أن يصبر على الناس  وهو يمارس نشاطه الخيري، فكيف لا يصبر على والديه؟ بل إن والديه أحق بأن يصبر عليهما، ويكثر من الدعاء لهما، ويحاول ـ ولو بطريق غير مباشر ـ أن يشركهما معه في هذه النشاطات، ويشعرهما أنه يحترم رأيهما".
 
قُدْ أهلك للعمل التطوعي
وفي جميع الأحوال فالشاب أو الفتاة يحتاجان أن يستثمرا ما حباهما الله به من ذكاء فطري في عدم استفزاز مشاعر الوالدين إذا لم يتفهما أهمية ما يقوم به الأبناء من جهود تطوعية، وكثيرا ما رأينا كيف أن الوالدين بعد فترة من الزمن أصبحا أكثر نشاطا واهتماما بأمور العمل الخيري من الأبناء. لذا؛ فالحل لا يكون أبداً  بإخفاء النشاط التطوعي عن الوالدين، وإنما بالانفتاح عليهما، والتواصل والحوار الهادف معهما، وإظهار أن الأقوال الحسنة يصادفها دائما أعمال حسنة، بحيث يرى الآباء تحسنا ملحوظا في حياة الأبناء نتيجة هذه الأنشطة الخيرية، ومن ذلك ـ مثلا ـ التفوق الدراسي، وتحسن السلوك العام.
 
خلقنا أصلاً لأجل الدعوة!!
ويتفق معه د.مسعود صبري ـ الباحث في المركز العالمي للوسطية بالكويت ـ قائلاً: "يجب أن نوضح طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء، وهي في عمومها قائمة على البر والإحسان للوالدين، والعطف والرعاية من قبل الآباء للأبناء. والإنسان مكلف شرعا من قبل الله تعالى بعد بلوغه، فهو وحده الذي يحاسبه على أعماله. ونحن نريد أن نربي أبناءنا على مراقبة الله تعالى، ولا يعني هذا ألا نقوم بواجب النصح والإرشاد، أو واجب المنع من ارتكاب الحرام؛ لأن هذا من المسؤولية الملقاة على عاتق الوالد، والذي قال فيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته...". وهذا يعني أنه في مقام العلاقة بين الآباء والأبناء يجب التناصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع منع ارتكاب المحرم.
 
أما أن يمنع الآباء أولادهم عن العمل لخدمة الإسلام عبر النشاط التطوعي فهو كلام غير مقبول شرعا، وليس للوالد سلطة شرعا أن يمنع ولده أو ابنته من هذا؛ لأن الإنسان في أصله مكلف من قبل الله تعالى، ولأن نداء الله تعالى للناس بفعل الخير ليس موقوفا على إذن الوالدين، إلا إذا كان للوالدين حاجة مهمة، فيقدم حق الوالدين على كل حق غير المفروضات والواجبات".
 
لا للتطوع على حساب التفكك الأسري
ولكن هنا الأَولى أن يتم بالتراضي بين الأبناء والآباء؛ حتى لا يكون هناك انقسام في الأسرة، فنحن نشجع على العمل التطوعي، ولكن لا يتم هذا على حساب تفكك الأسرة، كما أن هناك ملمحا آخر، وهو أن الشباب في أعمال الفساد استطاعوا أن يجعلوا آباءهم يتركون لهم الحرية في فعل ما يريدون، فكيف بأهل الصلاح والإصلاح أن يعجزوا عن إقناع أقرب الناس إليهم من الدعوة إلى الله تعالى؟ لا يكونون آثمين إن أخفوا على أهلهم عملهم الصالح، وإن كنت أفضل أن تتحول بيوتنا مساعدة لنا على أداء الرسالة، أو على الأقل الاقتناع بأداء  الرسالة. والباب في عمل الخير واسع ومفتوح، ويمكن الاتفاق بين الآباء والأمهات على مساحة معينة، ولكن ليس هناك إثم شرعي في أن يعمل الإنسان الخير أو يدعو دون علم والديه؛ لأنه عبد لله تعالى، قبل أن يكون ابنا لأبيه وأمه، مع المحافظة على الرابطة الأسرية، وقيامنا بالدعوة لمن بالداخل قبل  الخارج.