حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المحاكم.. من يدافع عنه ؟
10 يوليو 2011 - 9 شعبان 1432 هـ( 12670 زيارة ) .
"مداد" يطرح قضية "حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المحاكم"
 
الشحي: "بعض الجمعيات الخيرية بالخليج تتاجر بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة لجمع التبرعات فقط".
 
العنزي: "جمعية المحامين الكويتية لديها لجنة مختصة بشأن ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المحاكم، لكنها تفتقد للدعم".
 
الدغريري: " الجمعيات الخيرية الخليجية للصم لا يوجد بينها وبين المحاكم أي تعاون".
 
الفرزعي: "ليس هناك  معاملة خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، وإنما يعاملون كالمتهمين بالمحاكم اليمنية".
 
أبو الريش: "قضية ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المحاكم لأول مرة تثار بهذا الشكل عبر مركز مداد".
 
الشافعي: " المحاكم المصرية ليست مهيأة لاستقبال الأشخاص الطبيعيين، فما بالنا بذوي الاحتياجات الخاصة؟"
 
الدبعي: "على الجمعيات الخيرية حماية ذوي الاحتياجات الخاصة  من التهميش".
 
تحقيق: مروة رسلان
 
كانت أيفون الزعفراني، المعاقة حركيا، غاضبة وهي تحكي لي قصتها داخل أروقة المحاكم، وكيف أن  المحكمة غير مهيأة لاستقبال ذوي الاحتياجات الخاصة.. وأضافت أن الجمعيات الخيرية غير مهتمة بذوي الاحتياجات الخاصة، ولا بالمشكلات التي يواجهونها داخل المحاكم.. "فإنهم يعاملونا كما  لو كنا أسوياء، ولا نحتاج للمساعدة"..
 
فكان هذا جرس الإنذار لـ "مداد"  لتطرح قضية المعاقين داخل أروقة المحاكم الخليجية والعربية.. على العديد من المسؤولين بالجمعيات الخيرية الخليجية، والمختصين بالعمل القانوني داخل المحاكم الخليجية والعربية ..
 
المحاكم الإماراتية
في البداية يقول سيف بن هلال الشحي ـ مؤسس ورئيس منظمة سلام بلا حدود الدولية  بالإمارات ـ: "يحظى الصم بمعاملة غير منصفة داخل أروقة جميع المحاكم، في وقت يجب أن يعاملوا معاملة خاصة للحفاظ على كافة حقوقهم المدنية؛ فهم يتعرضون لسلب حقوقهم في أروقة بعض المحاكم؛ لعدم وجود مترجمين متخصصين في لغة الإشارة، وعدم الرقابة على المترجم. لذلك؛ يجب أن تكون تلك الشهادة أو الترجمة مسجلة على أشرطة مرئية، تراجع من قبل متخصصين، وتدرج كأدلة قانونية مصاحبة لملف القضية. أما ذوو الاحتياجات الخاصة، فيجب  أن نوفر  لهم وسائل تسهل دخولهم هذه المرافق بكل راحة.
 
وللأسف الشديد، جمعياتنا الأهلية والحكومية مقصرة تقصيرا شديدا، سواء من الناحية الرعوية أو الاستشارية،  فكل ما يهمها هو جمع التبرعات، أما حقهم في الحياة  كالبشر الأسوياء فهي مهضومة، فنجد بعض الجمعيات الخيرية بالخليج تتاجر بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة لجمع التبرعات فقط".
 
المحاكم الكويتية
وعلى العكس، يرى  المحامي جراح العنزي، بدولة الكويت، أن معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المحاكم الكويتية راقية جدا؛ وذلك لأن الدولة وفرت لهم مترجمي إشارة، وهؤلاء المترجمون يستعان بهم في توصيل ما يريدون إلى صاحب الشأن من موظف، أو قاض، أو محام، ولكن عدد هؤلاء المترجمين قليل جدا، ولا يغطي الحاجة. أما  الجمعيات الخيرية المعنية بهذا الأمر فدورها ضعيف جدا، بل قد يصل الأمر إلى العدم. و يجب على الجمعيات المعنية أن تقوم بدورها، و تساهم بكل الأشكال والسبل في تذليل المصاعب أمام هذه الفئة في المحاكم، والتعاون مع إدارة المحكمة في تسهيل جميع إجراءاتهم القانونية والإدارية. مع العلم أن جمعية المحامين الكويتية لديها لجنة مختصة بهذا الشأن، ولكن هذه اللجنة تفتقد إلى الدعم المادي والمعنوي، بالرغم من أن  لدينا من المقومات والميزانيات الهائلة والطائلة ما يكفي لتوفير جميع ما يحتاجون وجميع ما يلزمهم، دون الحاجة لمساعدة من أحد، من كراسي متحركة كهربائية، ومن مصاعد خاصة بهم، إلا أننا نفتقد هذه الأشياء داخل المحاكم. ولذلك؛ يجب على الجهات المعنية و المختصة المسارعة والمبادرة لتوفير ما يلزمهم، ففي النهاية إنها خدمة إنسانية بحتة.
 
المحاكم السعودية
ويضيف محمد علي دغريري ـ ناشط بالمجال الخيري السعودي ـ أنه لا يمكن أن يتحقق الأمن الإنساني لنا إلا من خلال توفير عدد من الاحتياجات الضرورية والمهمة  للصم، والعمل على جمع لغة الإشارة الخاصة بهم. ولذلك؛ أطالب  بنشر لغة الإشارة الخاصة بهم في أوساط المجتمع؛ ليسهل على أفراده التواصل معهم، وفهم احتياجاتهم، وبالتالي لن تضيع حقوقهم داخل المحاكم. والجمعيات الخيرية الخليجية للصم لا يوجد بينها وبين المحاكم أي تعاون؛ فيجب أن يكون للجمعيات الخيرية دور ملموس في مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة ومعاونتهم، ومساعدتهم في إعطاء المعلومات اللازمة قانونيا، ويجب عليهم تبني مشكلاتهم، بدون تفرقة عن غيرهم من البشر، لذلك عليهم المطالبة  بتهيئة المحاكم لاستقبال ذوي الاحتياجات الخاصة.
 
المحاكم اليمنية
ويؤكد جمال الفرزعي ـ مدرب وطني لذوي الاحتياجات الخاصة ـ أن معاملة الصم داخل المحاكم اليمنية في حالة يرثى لها، فهم بحاجة إلى مترجمي إشارة، وهذه الطريقة غير موجودة، وإن كانت بعض الجهات قد حاولت انتداب مترجمي إشارة موظفين لدى مكاتب التربية والتعليم وانتدابهم لديهم، مثل (مكتب البحث الجنائي)، ولكن ـ للأسف ـ لا يقومون بالعمل المكلفين به. ولذلك؛ فإن المحاكم والنيابات تتواصل مع الجمعيات المتخصصة بذوي الإعاقة السمعية لكي يحضر من هذه الجمعيات مترجم إشارة للترجمة أثناء وقت الجلسة فقط، رغم أنه من الممكن انتداب مترجم لدى تلك المحاكم والنيابات. والأسوأ أن المترجم لا يتقاضى حافزا ماديا أثناء ترجمة الجلسة، سواء من قبل المحاكم والنيابات، أو الجمعية المختصة، رغم أن الجمعيات لا تقصر في توفير مترجم. ويضيف أنه "لا يوجد تواصل بين المحاكم والجمعية قبل الجلسة أو بعدها لمتابعة شهادة الأصم، والحرص على عدم التزوير، بالإضافة إلى أن أغلب الصم، الذين يدخلون المحاكم والنيابات، لديهم إشارة محلية وليست الإشارة المدروسة والمتداولة؛ وهذا يصعب عمل المترجم، ويزيد خوفه من الترجمة بشكل خاطئ. أما بالنسبة لتهيئة المحاكم للمعاقين حركيا، فهذا غائب عن الواقع كليا، فحسب زيارتي لبعض محاكم الجمهورية لم أر أي محكمة مهيأة للمعاقين حركيا، ولم أر اعتبارات خاصة بالمعاقين فيها. وقد ترجمت أكثر من مرة في محاكم ونيابات محافظة ذمار - اليمن ولم أر أي أخصائي نفسي، ولا تعاملا خاصا بهم، وإنما يعاملون مثلهم مثل العاديين المتهمين بجرائم متعددة. وأنا أجزم كل الجزم، وكما ذكرت سلفا، أنه لا يوجد تواصل بين الجمعيات المختصة بذوي الاحتياجات الخاصة والمحاكم والنيابات؛ ولذلك ليس هناك أي تسهيلات؛ ولأن أغلب الذين يحتاجون إلى ترجمة في المحاكم هم غير مسجلين بالجمعيات".
 
المحاكم الفلسطينية
ويقول أحمد أبو الريش ـ رئيس جمعية الأرض الخضراء الخيرية الفلسطينية ـ:" لا يوجد أشخاص مؤهلون داخل المحاكم لمعرفة احتياجات ذوي الاحتياجات الخاصة، وشرح قضاياهم وهمومهم أمام المحكمة، فلا يوجد مترجمون لهؤلاء داخل المحاكم، أيضا يتم تهميش فئة الصم في المحاكم؛ لصعوبة التواصل معهم، وحرمانهم من حقوقهم. فطرح قضاياهم تتم من خلال الاهتمام في تدريب وتأهيل كادر قادر على ترجمة لغة الصم. ودور الجمعيات مغيب، حيث إنه لا يوجد استراتيجية وطنية ومجتمعية للجمعيات، ولا يوجد دورات وندوات ومحاضرات في هذا الجانب، بالإضافة إلى أنه لا يوجد جمعيات تعمل على إقامة دورات للغة الإشارة ـمثلا ـ للقضاة أو المحامين أو المجتمع المدني، فالقضية أول مرة تثار بهذا الشكل عبر مركز (مداد)  للمطالبة بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المحاكم. أما في المحاكم، فلا يوجد لجنة تهتم بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة في معظم البلدان العربية، والتقصير يقع على عاتق الجمعيات العاملة في مجال الصم؛ لعدم الحفاظ على حقوقهم داخل المحاكم ومتابعة مشاكلهم وقضاياهم، وغالبا ما يتم تجاهل قضاياهم وعدم الاهتمام بها. كما لا يوجد رقابة حكومية ولا رقابة من الجمعيات على متابعة قضايا الصم في المحاكم. وكما ذكرت، لا يوجد مترجمون معتمدون لدى المحاكم، وربما يتم تزوير وتغيير في العديد من القضايا بغياب الدور الرقابي والمترجمين.. لا يوجد اهتمام في قضايا التزوير من الجمعيات، وغالبا ما تضيع حقوق الصم بلا رقيب. أما بالنسبة لدور المحامين في الدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فإنهم يجدون صعوبة في التواصل معهم في كثير من القضايا؛ بسبب عدم قدرتهم على التواصل مع هذه الفئة، وأيضا عدم إلمامهم بكيفية استقبال رسالة ذوي الاحتياجات الخاصة.
 
ولذلك؛ أدعو جميع الجمعيات للتواصل مع الجهات المختصة في بلدانهم من أجل توفير محام مختص، وأخصائي نفسي، وممرات آمنة، وتسهيلات لذوي الاحتياجات الخاصة في كل محكمة. وهذه أبسط الحقوق لهم. أيضا، أطالب جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات المهتمة بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة بتفعيل هذه القضية في مجالس حقوق الإنسان العالمية؛ للحصول على دعم دولي لهذا الأمر".
 
المحاكم المصرية
أما المستشار وليد الشافعي ـ نائب رئيس محكمة الاستئناف ـ فيرى أنه لا يوجد بالمحاكم ـ بمختلف أنواعها ودرجاتها ـ طريقة محددة لمعاملة ذوي الاحتياجات الخاصة، وبالأخص الصم، وأقصى ما يحدث من اهتمام هو ندب خبير في لغة الإشارة لترجمة السؤال والإجابة . والجمعيات الخيرية ليس لها دور مطلقا في الحضور معهم أمام المحاكم للمحافظة على حقوقهم، ومراقبة الخبير المنتدب ـ إن وجد ـ في مدى التزامه بإجابات المعاق عند الكلام .
 
لذلك؛ لا بد أن تحرص الجمعيات الخيرية على عدم تزوير شهادتهم أو استجوابهم أمام المحاكم، وذلك عن طريق الالتزام بالحضور مع المعاق، ولو بطريق التوكيل، أو التصريح بذلك من رؤساء المحاكم أو وزارة العدل أو النائب العام بحسب الأحوال، والإصرار على حضور كافة الجلسات، والإنصات الجيد للأسئلة والإجابات؛ للتأكد من أمانة الترجمة .
 
أما المحاكم بوضعها الحالي، فليست مهيأة لاستقبال الأشخاص الطبيعيين، فما بالنا بذوي الاحتياجات الخاصة، الذين لا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم داخل المحكمة.. ولا بد من الاستعانة بالجمعيات الأهلية في هذا الشأن؛ للتيسير عليهم والأخذ بيديهم .
 
فدور الجمعيات الأهلية مهم جدا، وإن كانت لم تباشره فهي تستطيع أن تقوم بدور المرشد والأخصائي النفسي والمراقب لأمانة نقل وترجمة أقوالهم بالأمانة والذمة؛ حتى لا تحرف شهادتهم أو أقوالهم أمام النيابة والمحاكم بمختلف درجاتها.
 
المحاكم السويدية
ويرى المهندس محمود الدبعي ـ مستشار  و مدير مؤسسة الثقافة و الاندماج بالسويد ـ أنه عـند دوي الصوت في جنبات مبنى المحكمة، مناديا على المتهم أو الشاهد الجالس في الصالة أو خارجها، لا يأخذ الموظف بالاعتبار أن هناك أشخاصا محرومون من نعمة السمع، و هذه مشكلة تعاني منها مؤسساتنا العامة. الشخص المعاق حركيا مثل باقي أفراد المجتمع،  شخصية يجب احترامها والتعامل معها باحترام، بما أن الله تعالى قضى أن تكون قدرات هذا الشخص الجسدية أقل من الأفراد الآخرين. و نطالب المحاكم بوضع برامج عملية للتعامل مع المعاقين، و توظيف أشخاص من ذوي الاختصاص لحل مشاكل الصم و البكم، و كل ذوي الاحتياجات الخاصة..
 
وعلى الجمعيات الخيرية الاهتمام بحقوق المعاقين  على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم الاجتماعية وإعاقاتهم، و حمايتهم من التهميش والاستغلال، من خلال التواصل مع المعاق في المحاكم، والتأكد من وصول المعلومة للشخص المعاق بأريحية، و لكي يستمع متخذو القرار لما يريده المعاق؛ للحفاظ على المصلحة العامة، ولتأكيد إنسانية المعاق. فالمحاكم بعمومها غير مهيأة لاستقبال ذوي الاحتياجات الخاصة، وعلينا جميعا أن نسعى لتحسين الأوضاع في محاكمنا، ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة. ولتحقيق ذلك لا بد من تجهيز المداخل  و الأبواب بأجهزة  دفع هيدروليكي أو كهربائي، أو بأجهزة استشعار تفتح الأبواب باللمس أو الصوت، و حتى المصاعد و المقاعد، و لا بد من توفر أجهزة للسمعيات، و أهم من ذلك كله هو بناء كوادر مدربة بعناية و احتراف، يستطيعون القيام بهذا الدور الهام والمؤثر، وعلى السلطات أن تسعى إليه، وتجتهد لأجله.
 
ونحن في (مداد) ندعو كل الحقوقيين أن يكون لهم دور بارز في تفعيل القوانين الحالية المقررة لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المحاكم؛ حتى لا يكونوا عرضة للتهميش.