العشوائية في العمل الخيري (الجزء الثاني)
16 يونيو 2009 - 23 جمادى الثاني 1430 هـ( 6364 زيارة ) .
الحلقة الثانية
 
عشوائية العمل الخيري.. كيف ينظر إليها المتخصصون؟
 
*عمر عبد الهادي :"الخيريات الخليجية تقوم بأعمال متشابهة، ويغيب عنها التنسيق".
 
*خبير تقني:"وجود قواعد البيانات المشتركة بين الجمعيات الخيرية الخليجية سيؤدي إلى تقليل التكاليف، وزيادة الإنتاجية ".
 
*حسام عز الدين:"العمل المعلوماتي التكاملي غير موجود خليجيا، رغم المحاولات العديدة  ومباردات توصيات المؤتمرات
 
 *عيسي السلطان:"علينا استقطاب الكفاءات والخبرات للمشاركة في العمل الخيري".
 
نواصل في هذه الورقة استكمال ما بدأناه في الحلقة السابقة،من ملف "العشوائية في العمل الخيري". وبما أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين؛ فلا يمكننا مناقشة هذا الموضوع دون معرفة مظاهر  وأسباب وكيفية علاج العشوائية في العمل الخيري الخليجي، بالإضافة إلى  تأثير  التقنية المعلوماتية في العمل الخيري.
 
تحقيق:مروة رسلان
 
عمر عبدالهادي صالح مظاهر العشوائية
بداية، يضع الأستاذ عمر عبد الهادي صالح ـ مدير مكتب هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بالمملكة العربية السعودية- مكتب جدة، لقضية العشوائية مظهرين هما:
 
·  وجود الازدواجية في أداء نفس الأعمال، ربما في كيان عمل خيري واحد، فضلا عن عدة جهات.
 
· كثرة المترددين ممن يدعون الحاجة على عدة من الجمعيات لنفس الطلب، بل ربما تُقْضَى حاجته وهو ما زال مستمرا في نفس الطلب، سواء على مستوى أفراد أو مؤسسات.
 
بينما يرى الأستاذ عبد الله عيسى السلطان ـ المشرف على النظام المالي الآلي الموحد للجان التنمية الاجتماعية الأهلية بالأحساء ـ أنه لا توجد عشوائية مطلقة في العمل الخيري الخليجي حصراً، بل توجد جوانب في هذا العمل ينتابها نوع من العشوائية، حسب ما نلحظه على أرض الواقع، حيث إن هناك عشوائية ـ إلى حدٍ ما ـ في طرح البرامج و المناشط، ومن حيث التكرار الممل، و من حيث النوعية. و كذلك توجد عشوائية في بعض عمليات استقطاب الشباب للانخراط في العمل الخيري؛ حيث التنظير الكثير في هذا المضمار، و لكن عند التطبيق ترى التخبط و العشوائية في كثير من الجهات الخيرية ـ للأسف ـ في هذا الجانب. أضف إلى ذلك العشوائية في عمليات تقييم البرامج و الأنشطة التي تنفذها هذه الجهات. هذا إن وجد تقييم أصلاً. و العشوائية في اختيار القائمين على العمل الخيري في بعض الجهات؛ حيث يفتقد الكثير منهم الكفاءة و الخبرة و فن القيادة المناسبة.  
 
أسباب العشوائية
ويرى عمر صالح أن من أهم أسباب العشوائية الموجودة بالعمل الخيري هي كالتالي:
 
· غياب التنسيق التواصلي، وليس المنقطع أو للبروز الإعلامي فقط،  وغياب التنسيق التنفيذي، لا الورقي، والذي لا يتعدى محاضر وشراكات ممهورة بالأختام.
 
· عدم وجود مركز أو شبكة تبادل معلومات.
 
· الافتقار لصناعة القرار السليم ربما يعود لمزاجية المسؤولين في بعض الأعمال الخيرية.
 
· عدم وجود معايير دقيقة أو تدريب مؤسسي لعلاقة هذه الأعمال بالأجر الدنيوي وفي الآخرة؛ بمعنى أنه يوجد إلمام بالنصوص، وافتقار للفهم الصحيح في بعض الأحيان لدى البعض ربما، ولا يقصد منها التعميم، مع يقيني بأنها ظاهرة متفشية.
 
· كما لا توجد علاقة عمل مؤسسية بين الجمعيات العاملة في العمل الخيري؛ ويعود هذا لتعدد أنشطتها، ومرجعياتها المؤسسية في دول مختلفة من العالم العربي والإسلامي، وحتى في العالم الغربي فتجد أن مؤسسات العمل الخيري الإسلامي لا تندرج تحت مرجع موحد.
 
ويتفق معه عبد الله العيسى؛ حيث يرى أن أسباب العشوائية في العمل الخيري تتلخص في:
 
· غياب الوعي الكافي لدى القائمين على العمل الخيري في الجهات المصابة في عملها بالعشوائية، وغياب الكفاءات و الخبرات عن هذه الجهات.                           
 
· افتقاد العملية الرقابية المتخصصة في شأن العمل الخيري على الجهات الخيرية.
 
·عدم وجود برامج تدريبية للقائمين على الجهات الخيرية تعنى بالتدريب على ممارسة العمل الخيري.                                              
 
· ابتعاد المجتمع عن الجهات الخيرية؛ بسبب وجود الحواجز التي غالباً ما يسببها القائمون على هذه الجهات.
 
عبدالله عيسى من المسؤول؟
ويضيف عبد الله عيسى أن المسؤول عن العشوائية الموجودة بالعمل الخيري هم:
 
· القائمون على الجهات الخيرية.
 
· الجهات المشرفة على الجهات الخيرية، مثل: وزارة الشؤون الاجتماعية، و غيرها.
 
· الكفاءات في المجتمع ممن يَتَنَحَّون جانباً عن المساهمة في دفع عجلة العمل الخيري إلى الأمام. 
 
العمل الخيري بجدة
 
ويضيف صالح أنه يتكلم تحديدا عن جدة، حيث يتخذها كمثال للعمل الخيري الموجود بالمملكة، دارجا أمثلة من المؤسسات التي تعمل في العمل الخيري، مثل:
 
· المؤسسات الحكومية والمعنية في الدولة، مثل: الضمان الاجتماعي.
 
· جمعيات خيرية مظلتها عالمية.
 
· جمعيات خيرية داخلية مظلتها حكومية.
 
· مبرات خيرية مظلتها الميسورون ووجهاء البلد.
 
· توزيع خيري واجتهادي مظلته التجار والميسورون.
 
· لجان خيرية مظلتها المساجد الخاصة.
 
علما أن الكل يقوم بأعمال متشابهة أو حتى جديدة ولكنها تفتقر إلى التنسيق؛ فتكثر العشوائية، وينحسر العطاء في أصناف محدودة. 
 
العلاج
وأخيرا يرى صالح أن علاج العشوائية يأتي عن طريق:
 
· التركيز على التدريب دائما بأهمية هذا العمل، وفهم حكمة الإسلام من هذا العمل فهما دقيقا، وذلك بإنشاء معاهد تدريب متخصصة لهذا الغرض، تجمع فيه أكبر المؤسسات الخيرية صيتا وانتشارا كبيت خبرة، ومن خلال لجان متخصصة تبدأ هيكلتها على النحو التالي:
 
· التنسيق على مستوى الجمعيات العالمية، بمبادرة وتَبَنٍّ من إحداها لهذه الفكرة.
 
· إيجاد غطاء شرعي وقانوني لهذه المظلة.
 
· تقديم هذا المشروع كنموذج للجمعيات الأخرى في أي قُطر يمكن أن يستفيد منها، على أن يقدم من خلالها: الخبرة الإدارية/ الخبرة المالية/ الخبرة القانونية والنظامية/ الخبرة الميدانية/ الخبرة السلوكية/ إضافة للتجارب الميدانية، من خلال وضع هذه الخبرات في مناهج مكتوبة ودورات.
 
ويضيف عبد الله عيسى أن علاج هذه الظاهرة يكون بالآتي:
 
· تدريب القائمين و العاملين في الجهات الخيرية.
 
· تكليف متخصصين في شأن العمل الخيري في متابعة البرامج و الأنشطة التي تقوم بها هذه الجهات وتقييمها.
 
· تأهيل العاملين في الجهات المشرفة على الجهات الخيرية التأهيل المناسب و المتناغم مع العمل الخيري.
 
· محاولة استقطاب الكفاءات و الخبرات للمشاركة في العمل الخيري.
 
حسام يوسف عزالدين عشوائية التقنية المعلوماتية
ويقول الأستاذ حسام يوسف عز الدين ـ باحث وخبير تقني في إحدى المؤسسات الخيرية بالمملكة العربية السعودية ـ:" في البداية لا بد أن نفرق بين الوضع المعلوماتي في الهيئات الخيرية الكبرى، والتي قطعت شوطاً طويلاً في مجال التقنية المعلوماتية، والتي لا يمكن مقارنتها بباقي الجمعيات الخيرية الأخرى. لكن دعنا نتكلم عن العشوائية في استخدام التقنية في العمل الخيري من منظور عام. لا بد من الاعتراف بأن العمل المعلوماتي التكاملي في دول الخليج غير موجود، بالرغم من المحاولات العديدة والمبادرات التي صيغت في توصيات المؤتمرات، إلا أنها تستقر في النهاية في الأدراج". 
 
تقليل التكلفة
ويضيف: "إن تحقيق التكامل المعلوماتي، أو ما يسمي بقواعد البيانات المشتركة بين الجمعيات الخيرية الخليجية، سيؤدي إلى تقليل التكاليف، وزيادة الإنتاجية، وتحقيق مستوى الجودة المطلوب. فعلى سبيل المثال: لو فرضنا أن هناك قاعدة معلومات مركزية وشاملة عن الأيتام في المملكة العربية السعودية على موقع الإنترنت الخاص بإحدى المنظمات؛ لأدى ذلك إلى نشر هذه المعلومات على نطاق محلي ودولي. ولأن المملكة تضم ـ حالياً ـ قرابة 460 جمعية خيرية، فقد تتشارك على هذه المعلومات بما يؤدي إلى نمو شراكات يتم بموجبها تحديد النسبة الخاصة بحصة كل جمعية في الكفالة، بما يساعد على التوزيع العادل لمبالغ كفالات الأيتام، وتغطية مختلف شرائح المجتمع، فضلا عن توفير تكاليف إنشاء نظم قواعد البيانات لكل منظمة".   
 
المعلوماتية ليست هدفا
ويرى حسام الدين أن المعلوماتية ليس هدفاً في حد ذاتها، ولكنها وسيلة رئيسة للتطوير وترشيد القرارات في أي منظمة تسعى إلى بناء المعرفة، وتساهم في دعم مقومات الدولة، وتساعد على تحقيق أهداف تنمية المجتمع الشاملة. كما أن تحقيق الوعي المعلوماتي يخضع لتخطيط وفكر إنشائي يماثل ـ إلى حد كبير ـ إنشاء مدينة متكاملة المرافق، لا يمكن تصور غياب البنية التحتية مثل: شبكات الكهرباء، والمياه، والطرق عنها، أو غياب عمال الإنشاءات والفنيين. كما لا يمكن تصور تحقيق التعاون المعلوماتي بين المنظمات وتطويرها دون ترسيخ الوعي المعلوماتي لدى العاملين بها، والاهتمام بعمال المعرفة؛ فالمنظمة التي لا تستطيع تحديد احتياجاتها المعلوماتية وتعرف الوصول أو تحديد المصادر التي يمكن أن تجيب على استفساراتها وتقابل احتياجاتها، تعاني من الأمية المعلوماتية، بالرغم من المستوى العلمي المرتفع للعاملين بها، وبالرغم ـ أيضا ـ من سلامة مرافق المعلومات بها. وهذا الوعي يأتي عبر معرفة أنواع وأشكال مصادر المعلومات، وطبيعتها، وخصائصها، ومدى حداثتها، وكذلك معرفة الأدوات التي تساعد في الوصول للمعلومات، إضافة للمهارات المساندة، والتي تمكن من استخدام تقنيات المعلومات، ومنها شبكاتها المتنوعة. 
 
تخطيط استراتيجي
وأخيرا يؤكد أن الواقع المعلوماتي لمعظم المنظمات الخيرية والإنسانية يحتاج إلى تخطيط استراتيجي جمعي؛ لبناء مركز معلومات مشترك بين تلك المنظمات، بحيث تتسم تلك القواعد بالديمومة الخدمية، بمعنى أنها تخدم المنظمات الخيرية والإنسانية في العالم الإسلامي بصفة دائمة في كل تحركاتها، تفعيلا للشراكة، وتوفيراً للتكاليف، بدلاً من بذل المجهودات المعلوماتية المنفردة بطريقة عشوائية لكل منظمة.
 
ولكن مازال هناك سؤال عالق في ذهني: هل ستظل العشوائية تطاردنا إلى الأبد، أم أن هناك من يستطيع أن يوقفها؟ هذا السؤال ستجيب عليه الأيام القادمة.