العشوائية.. هل تسيطر علي العمل الخيري الخليجي؟
15 يونيو 2009 - 22 جمادى الثاني 1430 هـ( 10204 زيارة ) .
مداد يفتح ملف العشوائية في العمل الخيري
 
العشوائية هل تسيطر علي العمل الخيري الخليجي؟
 
الحلقة الأولى
 
عبد الباريء ظاهر: ولي العهد السعودي ضرب لنا أروع الأمثلة في جودة العمل الخيري . مستشار الإصلاح البحرينية: المنظمات الخليجية تعمل في جزر منعزلة
 
د.مازن المطبقاني:دَرِّبُوا أطفالنا منذ الصغر على العمل الخيري
 
الشقاء:"العمل الخيري الخليجي يسكن برجا عاجيا.
 
الزبيدي:الجهة الإدارية  هي المسؤولة عن عشوائية العمل الخيري.
 
د. نزار: هناك عشوائية في العمل الخيري الخليجي بأفريقيا
 
تحقيق:مروة رسلان
 
بالرغم من أهمية  العمل الخيري للمجتمع، وبالرغم من أننا أكثر الأمم حبا للخير، إلا أننا نستشعر وجود ضباب يحجب رؤية مفهوم العمل الخيري بالشكل الصحيح لدى المواطن الخليجي.
 
وهنا يجب أن نتساءل: لماذا  لم يعد المواطن الخليجي مهتما بالعمل الخيري؟ ولماذا أصبح مفهوم العمل الخيري لديه  مضطربا يحتاج إلى تنظيم؟ بالرغم من أن  المنظمات الخيرية  التي تخدم العالم العربي والإسلامي متمركزة بدول الخليج!!!
 
 وهذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا الملف في جزيئه...
 
محمد الشقاء البرج العاجي
في البداية يرى محمد الشقاء ـ إعلامي سعودي ـ أن مفهوم العمل الخيري  غير واضح  للمواطن الخليجي، فمشكلة العمل الخيري الخليجي  أنه يسكن بعيدا عن المواطن الخليجي.. يسكن برجا عاجيا، وهو بالتالي متناقض، فيهتم بمن هم في الخارج، ولا يهتم ويتلمس من هم في الداخل الخليجي؛ لذلك نراه في أحيان بنظرة شك وريبة؛ لأننا لا نرى نتيجته. ولذلك يجب على المنظمات الخيرية أن تعيد تنظيم عملها من جديد؛ لتكون أكثر وضوحا وقربا للخليجي، وأن توضح النتائج؛ لتكون ملموسة للمتبرع؛ حتى تكسب ثقة المواطن مرة أخرى. فللأسف هي تكون أقرب لعلية القوم؛ لأنها ترى أنها تتكسب أكثر من كبار القوم ( أمراء، وشيوخ، ومسؤولين..) أما المواطن العادي فإنها لا تتوقع منه أكثر من  10 ريالات".
 
عامر محمود الرفاهية
ويضيف  عامر محمود ـ مدير بشركة تأمين كويتية ـ "أن المواطن الخليجي غير قادر على استيعاب أهمية مفهوم العمل الخيري؛ لأنه لا يشعر بالحاجة؛ فالمواطن الخليجي يعيش حياة رفاهية، باستثناء شريحة صغيرة؛  لذلك لا يعرف شعور المحتاج. وبالرغم من أن المنظمات تقوم بدور جيد إلا أنه ـ أحيانا ـ تحدث بعض الأخطاء، ويجب على المنظمات عقد اجتماعات ومؤتمرات لتوعية المواطنين  بأهمية العمل الخيري؛ لحثهم على تقديم المساعدات لغيرهم".
 
مازن مطبقاني أمة الخير
ويقول الدكتور مازن مطبقاني ـ أستاذ الاستشراق السعودي ـ:" إننا قطعنا مشواراً طويلاً في العمل الخيري، وخير دليل على ذلك هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، بالإضافة إلى كثير من الجمعيات الكثيرة، فأهل المملكة فيهم خير كثير والحمد لله. و من واقع احتكاكي بهم أستطيع أن أقول إننا بخير. ولكننا نحتاج إلى جهود كبيرة لإشراك المواطن العادي؛ فلابد من زيادة الثقافة التطوعية. فكل ما نحتاجه هو التنظيم، فلقد رأيت في بريطانيا أشياء عجيبة أتمنى أن أنقلها عندنا في المملكة أو العالم العربي؛ لأننا بحاجة إلى مزيد من الوعي، وأن يتدرب الطفل منذ الصغر على العمل الخيري. فيجب إقامة دورات تدريبية على العمل الخيري التطوعي في كل أنواعه، وليس جمع المال للفقراء فقط، كما نحتاج إلى وسائل الإعلام لدعم هذه الدورات والتدريب؛ لأن الأمة الإسلامية هي أمة الخير، ولَيْتَنا نعود إلى هذا". 
 
جاذبية الدنيا
وأوضح عبد الله بن عبد الرحمن العبد- الكويت-  أن مفهوم العمل الخيري هو أن ينفق الرجل بيمينه "حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه"، وهذا المفهوم لو أخذه كل سالك وكل طالب للخير لطال الخير والصدقات والزكوات كل الفقراء، ولكن لما ضاع هذا المفهوم ضاع عمل الخير، حيث إن العمل صار عند بعض الناس  أن يرى ثمرة ما يعمل أمام عينيه، ولو وصل المفهوم للناس صحيحًا لحارب الناسَ على التصدق والزكوات، ولأتى الناسُ حبوا على أبواب المؤسسات الخيرية، وسارعوا وتسابقوا لأن تكون أيديهم هي العليا. لكن لا بد أن يعلم المرء دافع هذا الخير، والعامل فيه أن يكون حريصا على إخلاص نيته، ولا يضره أين ذهبت صدقته وعمله. فترى الناس متكاسلة عن التطوع في العمل الخيري؛ لأنهم قد لا يرون ثمار عملهم في وقت زرعه، بالإضافة إلى أن الدنيا صارت جاذبة للمرء، وصار لها حيز  كبير في قلبه، خاصة في ظل هذه الظروف المالية الصعبة، وهذا ما يفتقده المرء في ظل هذه الظروف؛ لذا تجده متعطشاً لأن يرى ثماراً لعمل ما؛ فيترك العمل الخيري لذلك".  
 
دعم الإرهاب
وأضاف خالد القحطاني ـ موظف بوزارة العدل السعودية ـ "أن العمل الخيري كان جيدا، ولكنه تأثر بعد إغلاق المؤسسات، فأغلب المؤسسات السعودية مغلقه بدعوى أنها تحض على الإرهاب، فمؤسسة الحرمين كانت مدعومة من الدولة، وقد تم إغلاقها بسب وجود بعض الأفراد اتهموا بالإرهاب. والمواطن السعودي أصبح متخوفا من العمل الخيري؛ لأنه يخشى أن يكون داعما للإرهاب بأمواله". 
 
عبدالباري ظاهر
أما عبد الباري ظاهر ـ خبير اقتصادي بالسعودية ـ فيرى  "أن العمل الخيري طبيعة أساسية في أي إنسان سواء كان خليجياً أو غير ذلك. والمواطن الخليجي ضرب لنا  مثلا رائعاً  في العمل الخيري، سواء على المستوى العربي أو حتى المستوى العالمي، وهناك العديد  من الأشخاص الخليجيين من تعدى مفهومَ العمل الخيري المجرد وحوَّلَه إلى منظومة حقيقية تهدف لخدمة المحتاج. فعلى سبيل المثال، ولي العهد السعودي ـ الأمير سلطان بن عبد العزيز ـ شفاه الـله ـ ضرب لنا أروع الأمثلة في جودة العمل الخيري؛ فما وطئت قدميه أرضاً إلا وأسس فيها لبنة عمل خيري، ولعل مؤسسة الأمير سلطان الخيرية واقع دال على ذلك. و رأيي  الشخصي يؤكد أن الجمعيات والمؤسسات الخيرية طالت كل المحتاجين والمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. وبطبيعة  الحال كل مجتمع يحتوي على قلائل من المعدمين. أمريكا نفسها بها الكثير من المتسولين، بل وقطر رغم ارتفاع مستوى دخل الفرد بها؛ فوجود المتسولين لا يعني عدم أو ضعف الدور الخيري".
 
حمدي عبد العزيز جزر منعزلة
وعلى الجانب الأخر أكد المستشار الإعلامي لجمعية الإصلاح البحرينية ـ حمدي عبد العزيز ـ "أن العمل الخيري في بلدان الخليج العربية يعبر عن معدن شعوبها، ويعكس في الوقت نفسه أمرين: الأول: الدافع الديني لهذه الشعوب المتدينةِ المحافظةِ المحبةِ للخير، الثاني: الرغبة في المشاركة؛ حيث يعد العمل الخيري صورة من صور المشاركة، إن لم يكن أهمها في دول الخليج العربي. ولكن الجانب الإعلامي والاتصالي للمنظمات لا يهتم بتوضيح مفهوم العمل الخيري للمواطن؛ فنجد أن التنسيق بين الجمعيات الخيرية قليل، سواء داخل بلدانها أو في الدول الأخرى؛ مما يجعل الفرد غير مقبل على المشاريع الخيرية التنموية، على اعتبار أن المتبرع الذي كان من المفترض أن يتم توعيته بأهمية العمل التنموي يفضل مشاريع بعينها، مثل: بناء المساجد، وكفالة الأيتام، وطباعة المصحف الشريف؛ لذلك نجد صعوبة في التعريف بماهية هذا العمل؛ لأننا  نعمل في جزر منعزلة، ولا ننسق مع بعضنا البعض؛ لذلك نجد أن المشاريع مكررة في كل جمعية".
 
ولكي يفهم المواطن الخليجي ماهية العمل الخيري يجب  على الإعلام أن يهتم اهتماما كافيا بالمشاريع الخيرية، وإلقاء الضوء عليها. كما يجب  أن تهتم  المنظمات الخيرية  بالعمل البحثي، ودراسة المتغيرات الواقعية والتحديات المختلفة.
 
وأخيرا، برغم كل هذه الصعوبات في توصيل معنى العمل الخيري، إلا أنه مازال مستمراً؛ وذلك لأننا أمة مزروع فيها حب الخير. ولكن لو استمر الحال هكذا ستضيق دائرة العمل الخيري برمته، و يتحول إلى  منظمات اجتماعية غير فعالة، في مقابل منظمات اجتماعية غربية تتجاوز إفريقيا والأماكن الفقيرة في آسيا إلى دول عربية منها دول الخليج ذاتها. 
 
ازدواجية
وأكد هاني الزبيدي ـ المدير الإقليمي لمنظمة" الحياة للإغاثة والتنمية" ـ على أن الجهة الإدارية في المنظمات الخيرية هي المسؤولة عن العشوائية الموجودة في العمل الخيري الخليجي,،حيث أوضح أن في الغرب جمعيات خيرية وإنسانية متخصصة في مجال واحد فقط كالمجال الصحي، أو المجال التعليمي، أو مجال الأطفال، أو مجال محاربة الفقر، أو نحو ذلك، فتعمل على انتقاء أفضل الموظفين ليكونوا عونا وسندا لهم، بينما هناك العديد من الجهات الخيرية بالمنطقة، والتي تعمل في عدة مجالات في وقت واحد، وتثقل كاهل الموظف بالعديد من المهام الوظيفية. فازدواجية عمل الموظف أو المهام الوظيفية الكثيرة و الثقيلة في عدد من الجهات الخيرية يؤدي به إلى التشتت وعدم التركيز والعشوائية في العمل، إضافة إلى أن قلة ثقافة العاملين في مجال العمل الخيري والإنساني  يودي إلى إنقاص وتشتت في العمل؛ ولذلك لا بد من التخصص في العمل الخيري والإنساني، و تأهيل الموظفين بالصورة المناسبة للعمل، وعدم إثقالهم بالمهام والواجبات، ومتابعة العمل وتقييم للأداء.  
 
العشوائية في إفريقيا
وأضاف د. إسماعيل النزار:" ...إن هناك عشوائية في العمل الخيري الخليجي في إفريقيا، بل وهناك استغلال لهذه العشوائية. ويرى أن المسؤول عنها هم المشرفون على العمل الخيري الخليجي بعدم تفرغهم للعمل بشكل كامل من جهة، ولعدم تعاونهم بالشكل المطلوب من جهة ثانية. وهناك أسباب لطبيعة الفوضى في معظم البلدان الإفريقية تساعد على استغلال هذه العشوائية. وعلى سبيل المثال عند زياراتي لدول غرب إفريقيا وجدت بعض المدارس عليها  لوحة لجهة خيرية زائرة، ولوحة ملقاة على الأرض لجهة خيرية سابقة. كما وجدت أن الأيتام هنالك يستلمون من أكثر من جهة خيرية. بل ويحرم أيتام آخرون لأسباب قبلية تتعلق بواسطة صاحب العلاقة بين الجمعيات الخليجية  وهذا الرجل".
 
ويلخص أسباب هذه الظاهرة في  عدم التفرغ للعمل الخيري؛ مما يجعل متابعة العمل ضعيفا وغير مؤثر، و   جنوح عدد من العاملين والمتعاونين إلى مزج الدعوة بالسياحة، فيتم تغيير البلد إلى أخرى؛ مما يضعف البناء التراكمي فيصبح  زائرا جديدا على تلك المناطق، بالإضافة إلى جهل كثير من العاملين بالعمل الخيري بلغات تلك الدول، ومن أهمها جهلهم باللغة الرسمية الفرنسية كمثال في إفريقيا. و يقول:"أتذكر أنني ألزمت موظفي أحد المكاتب المسؤولة عن غرب إفريقيا بدراسة تلك اللغة فلم يتعاون معي أحد".