حوار مع الناشطة الكويتية أ. معالي العسعوسي
29 مايو 2016 - 22 شعبان 1437 هـ( 7181 زيارة ) .



حياة زاخرة بالعمل الخيري الإنساني، وتفانٍ في خدمة الإنسانية لا تخطئه عين. تركت حياتها المرفهة وأعمالها في دولة الكويت وانتقلت للعيش في ظروف بالغة الصعوبة. في اليمن.. حيث اختارت أن تساعد إخوانها الفقراء هناك.

المركز الدولي للأبحاث والدراسات "مداد" في هذا الحوار مع الأستاذة معالي العسعوسي:

 

س-  متى بدأت معالي العسعوسي رحلتها في العمل الخيري، وما الذي دفعها لخوض غمار هذا المجال؟

بدأت رحلتي في العمل التطوعي وأنا في الخامسة عشر من العمر عندما اشتركت مع الهلال والصليب الأحمر في تدريب خاص للدخول مع جيش عاصفة الصحراء عام 1990 إبان غزو الكويت. ومنذ ذلك الوقت، وبعد ما رأيت من دمار، ظل حب العمل الانساني والتطوعي منهجا لحياتي. وخلال دراستي الثانوية، تطوعت مع الدفاع المدني الكويتي، ثم انتقلت للولايات المتحدة الامريكية لأكمل مشوار التطوع في ملجأ للمشردين في ولاية فيرجينيا كما اشتركت في عدة جمعيات لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة. وبعد أن عدت إلى الكويت، اشتركت في عدة جمعيات تطوعية متخصصة مثل الجمعية الاقتصادية الكويتية والتي ساهم انضمامي لها في فهم أكبر للعمل التطوعي. وأخيرا، تفرغت للعمل التطوعي والإنساني في عام 2007 عندما زرت اليمن ومنذ ذلك الوقت إلى الآن وأنا أحترف العمل التطوعي والإنساني. 

 

س-  لماذا اختارت معالي العسعوسي اليمن لكي تكون منطلقا لعملها الخيري؟

حقيقةً لم أختر اليمن بل هي من اختارتني ....

دخلت اليمن عام 2007، وهو العام الذي بدأت نشاطي الإنساني فيه، صعقت من الوضع المعيشي الذي يعيشه الشعب اليمني، لاسيما أن اليمن محاط بدول خليجية غنية، علاوة على طبيعته الساحرة والموقع الجغرافي المهم الذي يتمتع به.

كانت غرض الرحلة إلى اليمن تقييم مشروع تجاري يهدف إلى أغراض إنسانية، إلا أن الأمور اختلفت وتغيرت لاحقا، ولم يتحقق ما ذهبت لأجله. شاهدت حالات مزرية، وهناك باعة متجولون من الأطفال، ومبان مدمرة وتلوث، وبعد عودتي من اليمن دارت الأفكار في رأسي حول ضرورة عمل شيء لتغيير ما أستطيع تغييره في حياة هؤلاء الناس، وفعلا بدأت بعمل محدود وهو مساعدة 50 أسرة في عام 2007 ليصل العدد إلى أكثر من 120 ألف اسرة تتغير حياتهم للأفضل حتى عام 2016.    

تطورت الأمور على المستوى الإنساني بشكل أكبر فقد قمت بتكوين فريق والذي تطور إلى مؤسسة تنموية اطلقنا عليها اسم تمكين التنموية، فبدأنا بعمل عدد من الدراسات وجمع المعلومات، فتعديت مرحلة أن أوفر غذاء وملابس لأناس فقراء، وبدأت في التركيز على المشاريع ذات الأثر المستدام مثل المشاريع الخاصة بالنساء لأنهن مهمشات في اليمن، ومن ثم بدأنا في وضع قائمة أولويات كالتعليم والتوعية الصحية والتمكين الاقتصادي، وتواصلت مع جهات إنسانية دولية للتعرف على أعمالهم وكسب الخبرات فوجدت أن أكثر استثمارها الانساني في المرأة والطفل تحديدا، إذ إن العائد المجتمعي أكبر حين يوجه للمرأة على عكس الرجل.

وتطور الدعم من الأهل والأصدقاء الى ان وصل الى دعم جمعيات خيرية خليجية ومنظمات دولية ومنظمات تتبع الأمم المتحدة.

 

س-  تأثير المجتمع الكويتي والأسرة في غرس مفاهيم العمل الخيري والتطوعي، وكيف تؤثر عملية تربية الابناء على اهمية المشاركة في مساعدة الاخرين في بذر بذرة الخير لدى الأطفال؟

مفهوم العمل التطوعي والمساهمة في مساعدة الناس من حولنا أشياء يتميز بها الشعب الكويتي منذ فترة طويلة حيث أن الشعب الكويتي شعب معطاء خيره يعم كل أرجاء العالم .....والأسرة الكويتية بحد ذاتها متعودة على البذل والعطاء ومساعدة المحتاجين فنرى ان الاسر الكويتية أنشئت منذ أكثر من 100 عام المبادرات و الجمعيات و المساعدات لشتى بقاع العالم فأصبحت مساعدة الآخرين ثقافة مجتمعية ممنهجة وليست عشوائية ، بالنسبة لي على المستوى الشخصي أكبر دافع ومحفز لي هم أسرتي والأصدقاء وأيضا المرشدين من جميع أنحاء العالم و اللذين ساهموا معي وأثروا على مسيرتي في العمل الإنساني بشكل كبير.

 

س-  دور المرحوم الدكتور عبد الرحمن السميط في تشجيعك على الانخراط في العمل الخيري وما هي أهم النصائح التي قدمها لك؟

•     الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله عليه كان وما زال المرجع بالنسبة لي، حيث جمعني فيه لقاءات كانت بمثابة اللبنات الحقيقية والتي جعلت من مسيرتي الانسانية نموذج للمرأة العربية والأجنبية. وأهم النصائح التي قدمها لي أن مسيرة العمل الإنساني هي شاقة وصعبة وقليل من يسير فيها ويكمل المشوار، وأن اعمل من خلال فريق مؤمن بنفس الفكر، ولا أسعى وراء المال بل أجعل العمل في أرض الميدان هو الذي يتحدث، وأن أغلق أذني وأمشي في الهدف المكتوب الذي رسمته لمسيرتي الإنسانية دون أن يؤثر عليَّ أحد، حتى وإن اتهمني الناس بالجنون أو حاولوا إحباطي.

د.عبدالرحمن كان مرشدا لي وكان يعاملني كابنة له فعلا. أحسست أنه أب لي بعد وفاة والدي رحمة الله عليه.  لم أتوقع في يوم أن أكون ضمن خط جمعية العون المباشر بعد 5 سنوات من تعرفي عليه وأخذ أول استشاره منه.

 

س-  هل صحيح أنك قمتِ ببيع شركتك الخاصة وتصفية أعمالك والهجرة إلى اليمن لأجل العمل الخيري؟

نعم واستقلت من وظيفتي الحكومية مؤمنة أن "راعي البالين كذاب"، فالعمل الإنساني يحتاج الى الجهد المضاعف والمال والتواجد في الميدان ليس العمل من المكاتب أو النزول مرة كل سنه لافتتاح عمل، فالتعايش والعمل والشراكة وترك الأثر هم أعمدة التغيير.

 

س-  كيف أثرت دراستك في مجال البزنس، وكيف تمكنت من توظيفها في مهمتك في مجال العمل الخيري؟

دراستي في مجال الإدارة هو أكثر شيء خدمني في المجال الخيري خصوصاً وأنا أعمل من خلال منظومة تجارية غير ربحية، فالتجارة مردودها الربح والتبرع مردوده الأثر المجتمعي على الفرد والمجتمع، لذلك قمت في استخدام الكثير من تكنيكات الإدارة وذلك لاستخدام أموال الزكاة والصدقات لتعود على المجتمعات الفقيرة بالنفع والاستدامة في عدة مجالات منها التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي.

 

س-  فكرة اصطحاب الأهل أو بعض الاصدقاء إلى اليمن، كيف ساهمت في تشجيع المجتمع الكويتي على المشاركة في الأعمال الخيرية في اليمن؟

أغلب أقاربي منهم أمي وبعض أخواتي زاروا اليمن وانعكس ذلك إيجابياً من خلال تشجيعهم لي على مواصلة العمل والأمر الثاني تشجيعهم على الدعم والتمويل للمشاريع التي أقوم بها أو أشرف عليها في اليمن، فالتعايش الذي أشركهم فيه أعطاهم حب هذا العمل والاستمرار في دعمه.

وكان أيضا للأصدقاء دور كبير في تكملة المشوار معنا، فمنهم من كان يدعم في الخبره كالأطباء والمحامين والمهندسين ومنهم من يدعم في المال، فليس فقط الأهل الذين تأثروا في هذا العمل بل العديد من الأصدقاء ومئات المتطوعين الذين ساهموا معنا في تغيير حياة آلاف الناس في اليمن، فاليوم الفضل من بعد الله يرجع للأهل والأصدقاء والفريق الرائع الذين آمنوا أن تغيير حياة الناس للأفضل هي السعادة الحقيقية.

 

س-  برأيك اهمية البحث العلمي والدراسات المتخصصة في تطوير العمل الخيري عموما والعمل الخيري بشكل خاص؟

هذه هي الآلية التي جعلت كل أعمالنا تنجح نجاح غير عادي أسوةً ببقية المنظمات العاملة في مجال التنمية وهذه تعتبر من أساسيات العمل الإنساني: هو اعتماد أسلوب علمي وممنهج من خلاله نقيس مستوى نجاح المشاريع التي يتم تنفيذها.

 

س-  برأيك ومن خلال تجربتك أيهما أجدى وأكثر نفعا، العمل الإغاثي ام العمل التنموي الخيري، وهل لديكم أمثلة ونماذج معينة؟

العمل التنموي بكل تأكيد له أثر إيجابي طويل الأمد ينعكس على المجتمع لنفترض على سبيل المثال عمل 100 مشروع اقتصادي لعدد 100 شاب وشابة سينعكس ذلك على الأسرة ويصبح المستفيد من المشروع عدد 1000 إنسان وهذا العدد سيصل إلى الاكتفاء الذاتي وهكذا يتم استهداف مجموعة أخرى الخ الخ 

 

س-  اليوم كيف ترين أهمية مشاركة المرأة في العمل الخيري وتحدي الظروف والصعاب التي واجهتك، وما هي التجربة التي تريدين أن تنقليها الى المرأة الراغبة في العمل بهذا المجال؟

المرأة العربية في الفترة الأخيرة أثبتت أنها قادرة على أن تكون بمستوى عالمي وقد تفوق قدرة الرجل في المساهمة في التنمية المجتمعية وتجربتي في العمل الخيري في اليمن أكبر دليل على ذلك، فاليوم تجربتنا المتواضعة ندرب عليها محليا وعالميا ليستفيد منها العربي وغير العربي لتنمية مجتمعه وترك إثر مستدام.

 

س-  كيف تمكنت من التأقلم مع الحياة في اليمن بصعوباتها المتعددة وآخرها الحرب؟

في بادئ الأمر، حسست أني عاجزة على استيعاب الوضع لا ماء لا كهرباء لا وجود لأبسط مقومات الحياة، لكن حب عمل الخير والعمل الإنساني بشكل عام حتم علينا التضحية والمغامرة وهذا ما جعلني أتأقلم مع الوضع هناك.

 

س-  في أي المدن اليمنية يتركز عملك وما هي أبرز المحاور الخيرية التي تعملين عليها؟

أغلب المحافظات اليمنية لنا بصمة فيها ويتم التركيز على المدن الأكثر سكاناً والأكثر تضرراً والأكثر فقراً ومن أبرز المجالات التي نعمل عليها هي الصحة والتعليم والتمكين الاقتصادي ومشاريع المياه والأنشطة الموسمية والإغاثية.

 

س- ما هي أهم الانجازات التي حققتها برأيك، وهل من الممكن إعطاؤنا نبذة مختصرة بالأرقام عما أنجزته؟

خلال رحلتي في عالم العطاء المجتمعي استطعت:

•     تغيرت حياة أكثر من (21000) أسرة جذريا ومساعدتهم ليصبحوا أسرًا منتجة في مجتمعاتهم

•     استفاد من الحملات الطبية أكثر من (45000) ألف شخص

•     استفاد من الحملات الاغاثية أكثر من (180) ألف محتاج.

•     وأخيرا شاركت في تدريب وتأهيل وتمكين (120) جمعية ومؤسسة غير ربحية ومبادرة شبابية في منطقه الشرق الاوسط في مجال الخدمة المجتمعية.

•     وأتشرف كوني أول امرأة كويتية في منطقة الخليج بل والشرق الأوسط، رسمت في مخيلتها أهداف سامية كتبتها بجدها وتفانيها لنشر مفاهيم الانسانية والمواطنة العالمية والمشاركة في تغيير حياة آلاف البشر حول العالم.

 

س-  التمويل المادي يشكل عقبة للكثير من الأعمال الخيرية، تجربتك في التغلب على هذا العائق؟

هناك استراتيجيات جديدة وحديثة يتم اعتمادها من خلال جذب الممولين تتمثل في التركيز على الجانب الإعلامي والتسويقي للمشاريع بطرق مبتكرة، فالناس تتأثر مع الواقع والأثر ولا تتأثر فقط في الكلام أو المنشورات، فاستخدمنا في عملنا طوال تلك السنوات إبراز الأثر على الفرد والمجتمع وأيضا إشراك الداعم ليكون جزء من الانجاز ليس فقط التمويل، نعم حصلت على صعوبات في بادئ الامر ولكن تطور الوضع بسرعة والآن لا نجد صعوبة في التمويل لأي مشروع أقوم به.

 

س-  أخيرا، تجربتك الانسانية كيف تقيمينها وهل تعتقدين أن العمل في المجال الخيري للمرأة يمنعها من النجاح في حياتها الشخصية والأسرية؟

ليس انا من يقيم ذلك ولكن المجتمع والإنجازات التي تحصل على ارض الواقع هي من تقيم ذلك، وبالنسبة لي أقول إن العمل الخيري عمره ما كان عائق أمام المرأة ولكن العائق هي تفكير المرأة لنفسها وترددها أن تكون ذات بصمة سواء في العمل الخيري أو غيره، فعليها أن تؤمن بنفسها وهدفها ولا تجعل أوهام المجتمع والعادات والتقاليد جزء من العائق فالإرادة والإيمان وحب العمل ذاته هو مزيج للنجاح.

 

كتبت: إسراء البدر