مدير موقع وقفنا: أتمنى أن يهتم المجتمع بالأوقاف اهتمامه بالكرة!
18 فبراير 2016 - 9 جمادى الأول 1437 هـ( 7491 زيارة ) .





بات للإنترنت في عالمنا اليوم دور كبير في خدمة العمل الخيري وتفعيله في الدول العربية والخليجية ومنها المملكة العربية السعودية.

ولما كانت الأوقاف من أهم فروع العمل الخيري، كان للمركز الدولي لأبحاث ودراسات العمل الخيري (مداد) هذا الحوار مع الدكتور محمد احمد مغربي – المشرف العام على موقع وقفنا في المملكة العربية السعودية.

 

ما الهدف من تدشين "موقع وقفنا"؟ ومتى أنشئ؟

أهمّ أهداف "موقع وقفنا" نشر ثقافة الوقف. وقد أنشئ في مكّة المكرمة يوم الخميس 26/ 3/ 1426 الموافق 5/ 5/ 2005، وهو حسب علمي أوّل موقع في شبكة المعلومات الدولية تخصص في باب الوقف.

 

كيف يُسهم الوقف ـ برأيكم ومن خلال تجربتكم ـ في دعم العمل الخيري في المملكة العربية السعودية؟

الوقف ـ بحدّ ذاته ـ عمل خيري؛ بل هو من أجَلّ الأعمال الخيرية على مرّ الزمان، وذلك لما قاله زيد بن ثابت رضي الله عنه: "لم نر خيرا للميت ولا للحي من هذه الحبس الموقوفة أما الميت فيجري أجرها عليه وأما الحي فتحبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها"، وبالتالي فإن دعم العمل الخيري في المملكة العربية السعودية بالأوقاف ينبغي أن يكون السبيل الأمثل، ويمكن أن يتحقق هذا بمشيئة الله إذا تعاون المتخصصون والمهتمّون بالأوقاف والعمل الخيري مع الجهات الرسمية المناط بها أمر الأوقاف والشؤون الاجتماعية؛ وخرجوا بخطط وتوصيات تحقق ذلك.

 

تختلف أنواع الوقف في التشريع الإسلامي. إلى أيّ نوع من الأنواع يحتاج المجتمع اليوم أكثر من سواه. ولماذا؟

إذا كانت أنواع الوقف في السؤال تعني مجالات الأوقاف التي يمكن الوقف عليها فإنها كثيرة جدًا. وفي "موقع وقفنا" قائمة طويلة بها، ولكن معظم الواقفين في المجتمع السعودي من أهل الخير يتوجهون نحو مجالات معدودة مثل: المساجد والأيتام وتحفيظ القرآن بالرغم من افتقارنا إلى أكثرها، ولكن المعلومات المتوفرة لدي لا تكفي لأجيب على السؤال إجابة دقيقة، وهذا يوضّح لك أهمّيّة وجود دراسات توضح لنا ما يحتاجه المجتمع أكثر من سواه، وللأسف الشديد فإن معظم المؤسسات التي ظهرت لمساعدة الراغبين في الوقف لا تهتم حاليًا بهذا الجانب بصورة كافية. وعلى العموم فنحن نحتاج أشد الحاجة لأوقاف تحوّلنا من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع إنتاجي. كي نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع.

 

هل يُسهم "موقع وقفنا" في نشر الأبحاث والدراسات التي تتناول العمل الوقفي، وهل هذه البحوث لمتخصصين وباحثين في المملكة العربية السعودية؟

أتمنى أن يسهم "موقع وقفنا" في نشر جميع الأبحاث والدراسات الوقفية المتاحة. ولكن الإمكانيات الحالية لا تسمح! وللعلم فقد أجرينا العام الماضي إحصائية عن المعلومات الوقفية المتوفرة في الساحة فتبيّن لنا أن "موقع وقفنا" لم يستطع نشر أكثر من 17% منها. والبحوث والدراسات الوقفية التي أجراها باحثون وعلماء سعوديون بارزة بوضوح لاسيّما في الساحة الخليجية.

 

ما هو الوقف العلمي. وكيف ينعكس على أداء العمل الخيري؟

لعل المقصود بهذا المصطلح ما يتعلّق من مصارف الأوقاف بالكتب والمكتبات ورعاية العلماء والبحث العلمي، وربما على الوقف التعليمي مثل إنشاء المدارس. ومعلوم خطورة هذا الوقف وأهميّته؛ فهو الذي أنتج آلاف علماء الأمّة، وظهرت من خلاله كثير من كتب ومؤلّفات المسلمين التي أضاءت وجه الدنيا.

وأما انعكاس الوقف العلمي على أداء العمل الخيري؛ فإن وقف المدارس والمكتبات والكتب أو الوقف عليها وعلى طلاب العلم والعلماء من أفضل الأعمال الخيرية، وإن كثيرًا من أهل العلم الذين استفادوا من الوقف العلمي أقاموا مؤسسات وقفيّة علمية أو أسهموا فيها. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ المحسن إبراهيم الجفالي رحمه الله فقد تعلّم في مدرسة وقفيّة بمكة المكرّمة؛ هي مدرسة الفلاح العريقة، ولما صار من كبار أغنياء البلاد اشترى ساحة إسلام ـ التي كانت ملعبا مشهورا لكرة القدم ـ باثنين وثلاثين مليون ريال، وبعد وفاته تعاون أهل الخير من تلاميذ تلك المدرسة في بناء مرافقها الابتدائية والمتوسطة والثانوية بالإضافة إلى برجين سكنيين يصرف ريعهما على مصالح هذه المدرسة.

 

 ما هو الوقف الصحيّ؛ وهل يمكن الأخذ به في المجتمع السعودي في الوقت الحالي، وهل يوجد من هذا الوقف اليوم، وإن كان موجودًا فما هي أشكاله؟

لعل المقصود بهذا المصطلح ما يتعلّق من مصارف الأوقاف بالصحة. وأصل ذلك ما عُرف في تاريخ أوقاف المسلمين بالبيمارستانات؛ وهي المستشفيات للعلاج وصرف الدواء ورعاية المرضى والناقهين، وتعليم الطبّ. ومن المستشفيات الوقفية البيمارستان المستنصري أول مستشفى أسس في مكة المكرمة أسس سنة 628هـ 1231م أي قبل ثمانمائة عام أو تزيد، وفي مكة المكرمة أيضا مستشفيات وقفية لا زالت قائمة منذ العصر العثماني؛ مثل مستشفى جياد، ومستشفى منى. ومنها أيضا مستشفى الملك عبد العزيز في الزاهر ومستشفى الولادة في جرول اللذان أوقفا قبل ثمانين عاما بتعاون المواطنين. ويوجد كذلك مركز وقفيّ لغسيل الكلى يقع في حيّ الرصيفة أنشأه أحد أهل الخير قبل أكثر من عشر سنوات.

وأذكر أنّ أول إثارة علميّة لموضوع تمويل الوقف للقطاع الصحيّ ظهرت خلال "ندوة مكانة الوقف وأثره في الدّعوة والتّنمية" الذي عقد في مكة المكرّمة سنة 1420هـ 2000م؛ في ورقة قدّمها الأستاذ الدكتور محسن بن علي فارس الحازميّ، بعنوان "الوقف والبحث العلميّ كاستثمار".  وكانت هذه الورقة مرتبطة إلى حدّ كبير بموضوع الإعاقة، ولكنّها تلقي ضوءا بشكل ما على القطاع الصّحيّ عموما. وألّف الشيخ خالد بن هدوب المهيدب كتابا بعنوان:«أثر الوقف في تحسين مستوى الخدمات الصحية».

وقد أقرّ مجلس الشورى في 26 صفر 1427 الموافق 26 مارس 2006 مشروع مذكرة تفاهم بين وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة الصّحة بإنشاء "صندوق الوقف الصحي" ورفع ذلك للمقام السّامي للموافقة عليه.

ويهدف صندوق الوقف الصحي إلى إسهام المشروعات الخيرية في التنمية الصحية الوطنية، من خلال تنظيم واستثمار موارد الصندوق وتوجيهها لتوفير الاحتياجات الصحية ذات الأولوية والمساعدة في توفير ما يحتاجه المرضى من أجهزة وعلاج وتأهيل وخاصة ذوي الأمراض المزمنة والمستعصية والإسهام بتمويل البرامج الوقائية والأبحاث الصحية التي تهدف إلى مكافحة الأمراض وعلاجها.

ويأمل المهتمون بالأوقاف وبالصحة صدور موافقة مجلس الوزراء الموقر على اتفاقية إنشاء صندوق الوقف الصحي قريبا إن شاء الله.

 ما هو الفرق بين الوقف والعمل الخيري. وهل يمكن أن نحقق الفائدة من الاثنين بدمجهما في عمل واحد يخدم الجميع؟

الوقف بجميع أنواعه عمل خيري حتى ما يوقفه الواقفون على ذريّاتهم ـ وهو المعروف بالوقف الذُّري ـ لأن الذرية إذا انقرضت عاد إلى جهات خيرية. وكثير من الأوقاف التي انقرض مستحقوها صارت أوقافًا لجهات خيرية عامة. ونحتاج إلى جهود لجعل العمل الخيري أوقافًا.

هل في المملكة العربية السعودية أوقاف مخصصة لتطوير أداء الشباب، وزيادة مهاراتهم في سبيل إيجاد فرص عمل مناسبة لهم؟

نعم، توجد مؤسسات مهتمّة بتطوير أداء الشباب. ولكنها وإن سُمي بعضها أوقافا فهي على طريقة المؤسسات الخيرية والجمعيات الخيرية. وهي تختلف عن الأوقاف لأن الوقف ينبع من منطلق الصدقة الجارية؛ وهو منطلق عقدي دينيّ. والمشكلة ـ في رأيي المتواضع ـ ليست في إيجاد فرص عمل للشباب. بل نحن في حاجة إلى أن تكون الأوقاف المهتمة بالشباب أوقافاً تنموية مثل الأوقاف التي تشجّع على تأصيل الحِرف والمهن النافعة للمجتمع والأوقاف التي تؤصل العمل التطوعي وتشجع عليه.

 

 عوائق واجهت عملكم في "موقع وقفنا". وكيف تمكنتم من تجاوزها؟

العوائق لا بد منها في الحياة الدنيا بعامّة؛ فبها يظهر حسن العمل والصبر على إتقانه، والمثبطات لا بد منها لاسيما حينما تقوم بنشاط مخالفٍ لما ألِف الناس؛ فهو غير مقنع لهم. ومن ذلك على سبيل المثال: أن شخصًا يدير ويسهم في مؤسسة وقفية خيرية نافعة للمجتمع سألني يومًا باهتمام بالغ قائلاً: ما فائدة هذا الموقع للناس؟ وقد أجبته على الفور: إني أريد أن يكثر في المجتمع أمثالك من أهل الخير. ولا أظن أنه اقتنع بإجابتي. وقد تجاوزنا ـ والحمد الله وحده ـ بعض العوائق والمثبطات بالصبر والمثابرة والتعاون.

 

 كيف يسهم الوقف ـ برأيكم ـ في تحقيق التكافل الاجتماعي في أبناء المملكة العربية السعودية. وما هو دوركم في هذا الجانب؟

تحقيق التكافل الاجتماعي من أبرز ما أسهم ويسهم فيه الوقف من خلال مجالات كثيرة مثل: الأربطة[i] ومساكن المحتاجين، والمستشفيات والمدارس، ودور الأيتام، وتزويج الشباب غير القادرين، ورعاية المعوقين والمقعدين والعجزة، وبناء القبور وتجهيز لوازم التغسيل والتكفين للموتى. إنّه ينظم الحياة بطريقة ترفع من مكانة الفقير وتقوي الضعيف ، وتعين العاجز.

وأرجو أن يكون دورنا تعميق هذا الجانب وإبراز نماذجه لتكون مُثُلا وقدوة. وأرجو أن يزيد اهتمام الواقفين وأهل الخير من الاهتمام بهذا الجانب، ولكن بحرص على أن يكوّنوا من أوقاف التكافل الاجتماعي مجتمعات نشيطة للعمل النافع.

 

 هل يحتاج المجتمع السعودي إلى مزيد من التثقيف العلمي في مجال الوقف وأهميته بحياتنا ولماذا؟

الأكثرية الكاثرة من أفراده ليس لديه أيّ ثقافة وقفية. وليس هذا خاصا بمجتمعنا دون الآخرين؛ فقد شعرت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) قبل سنوات بهذا الأمر، ففكرت في برنامج لإدخال مفهوم الوقف في المناهج التعليمية المدرسية والجامعية، ولكن يبدو أن الفكرة ماتت قبل ولادتها. وقد أقامت الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت مسابقة لتأليف قصص وقفيّة للأطفال، وأنشأت موقعًا ـ سيُفعّل قريبا إن شاء الله ـ لتوعية الأطفال بالوقف.

وأما بالنسبة لي فأتمنى أن تكون لدينا منهجيّة لتوعية المجتمع بالأوقاف وبالعمل الخيري عمومًا تبدأ بتوعية الأطفال منذ نعومة أظافرهم بشتى الوسائل والمسارات. حتى نصل إلى مرحلة ينافس فيها الاهتمام بالأوقاف في المجتمع السعودي الاهتمام بكرة القدم. وأما لماذا؟ فأحيلك إلى ما ذكرته لك من قول الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه. وأضيف هنا ما أنشده الشاعر العراقي معروف الرصافي في قصيدة جميلة جليلة نادرة يتحدث فيها عن الأوقاف:

للمسلمين على نزورة وفرهم   كنز يفيض غنى  من الأوقاف

كنز لو استشفوا به من دائهم   لتوجروا  منه الدواء الشافي

ولو ابتغوا للنشئ منه ثقافة    لتثقفوا منه بخير ثقافي

ولو ارتقوا بجناحه في عصرهم    لأطارهم بقوادم وخوافي

 

 أهمّ الأوقاف المنسية، وكيف تعملون على إحيائها؟

هناك أوقاف كثيرة أنشأها المسلمون وبيضت وجه التاريخ البشري، وكثير منها صار منسيّا، ولولا أننا أمّة مؤرِّخة لذهبت أخبارها. وانظروا بعضها في "موقع وقفنا"؛ تحت العناوين التالية:

·      مشاهد وقفيّة قبل أكثر من ألف عام.

·      الأوقـاف.. مفخـرة النـظام الإسـلامي.

·      البعد الإنساني والجمالي في نظام الوقف.

·      الوقف في الإسلام صورة مشرقة لإبداعات العقل.

·      نحو إحياء أوقاف منسيّة: الأوقاف على المرضى.

ولدينا خطة لإحياء أخبار هذه الأوقاف بطريقة تتناسب مع وسائل التواصل المعاصرة. ولعلّ ذلك يتحقّق إن شاء الله؛ فيكون تمهيدا لإحيائها والنسج على منوالها للحال والمستقبل.

 

 أخيرا ما الذي تسعون إلى تحقيقه كأهداف إستراتيجية لموقع وقفنا في المستقبل إن شاء الله؟

نأمل أن يصبح "موقع وقفنا" المرجع الأساس للوقف والأوقاف في الشبكة العنكبوتية. ولدينا خطة لذلك نسير بها حسب الممكن، ولكن يمكن أن نقدّمها لمن يرغب بجدّية في التعاون من أجل تنفيذها.

وشكر الله لكم اهتمامكم.

 

 

 أجرت الحوار: إسراء البدر



[i]بيوت وقف لله تعالى يتم من خلالها إسكان الأشخاص المعسرين ماديا وعدم قدرتهم على اتخاذ مسكن لهم والإنفاق عليهم من خلال تقديم المأكل والمشرب والخدمات الضرورية الأخرى.