حوار مع المهندس/ ياسر سفيان أحمد – المدير التنفيذي لوقف الخيرات بمكة المكرمة
21 اكتوبر 2015 - 8 محرم 1437 هـ( 10712 زيارة ) .

خصوصية مدينة مكة المكرمة، التي شرفها الله تعالى ببيت الله الحرام, تتطلب من أبنائها تقديم كل ما هو مميز من الأعمال والأنشطة الخيرية؛ لدعم ما يتطلبه العمل الخيري والتطوعي في هذه المدينة المقدسة.. ومن هنا جاءت فكرة تأسيس "وقف الخيرات" بمكة المكرمة؛ لتقديم المزيد من الأعمال والفعاليات الخيرية للمجتمع المكي، ولزوار بيت الله الحرام.
المركز الدولي للأبحاث والدراسات (مداد) في هذا الحوار مع المهندس/ ياسر سفيان أحمد - المدير التنفيذي لوقف الخيرات في مكة المكرمة.


فكرة إنشاء الوقف متى بدأت، ولماذا؟
فكرة الوقف نشأت عام 1432هـ؛ وذلك لخدمة المستفيدين في بيت الله الحرام، ولتحسين جودة حياة المستفيدين.

أهم الخدمات والبرامج والفعاليات التي يمكن أن يقدمها الوقف للمجتمع المكي؟ وهل تمتد إلى مدن سعودية أخرى؟
يقدم الوقف خدمات تنموية و إغاثية للمستفيدين من خدماته في منطقة مكة المكرمة و المدن التابعة لها، وذلك حسب شرط الواقف في صك الوقفية، ويركز في خدماته على تنمية وتأهيل  المستفيدين، لتحويلهم إلى عناصر منتجة، تكسب قوتها بسواعدها، و يعود نفعها على أسرتها و مجتمعها.

أهم الشرائح المجتمعية التي ستستفيد من هذا الوقف؟ وهل تشمل الكبار والصغار و النساء والرجال؟
نعم، تشمل الخدمات التي يقدمها الوقف الكبار والصغار و الرجال و النساء، مع تركيز الخدمة على الشباب؛ كونه يهدف إلى تنمية وتأهيل  المستفيد، وتحويله من الاستهلاك إلى سوق العمل و الإنتاج.

برأيكم، أهم الصعوبات التي واجهتكم؟ وكيف استطعتم التغلب عليها؟ وما هي النصيحة التي يمكن أن تقدموها للمؤسسات الخيرية التي يمكن أن تستفيد من تجربتكم؟
تم تكوين فريق تأسيسي للوقف؛ لإدارة مشروع التأسيس الذي اعتمد منهجية إدارة المشاريع الاحترافية (PMP)، حيث تم  تقسيم الفريق إلى لجان رئيسية متخصصة، عملت على التوازي في جميع جوانب المشروع، مع  استقطاب مستشارين من أفراد و منظمات عرضت عليهم مخرجات المشروع، و تم استشارتهم في النتائج أولا بأول. كما تم عقد   ورش عمل تخصصية و تشاورية مع نخبة من أصحاب الرأي فيما يخص الملفات الرئيسية للوقف؛ و ذلك لإكمال جوانب العمل المؤسسي للوقف وفقا للمحاور الآتية:
• البيئة القانونية و النظام الأساسي.
• التخطيط الاستراتيجي.
• اللوائح و الهياكل والأنظمة الداخلية.
• الخدمات و البرامج.
• الموارد البشرية.

ما الفرق بين الوقف والمؤسسة الخيرية؟ ولماذا تسمية عملكم هذا بالوقف؟
للوقف أركان وخصائص تميزه عن غيره، وشروط يحددها الواقف، وله انواع مختلفة من حيث المصارف، ومن حيث الموقف عليه؛ فأما الأركان فهي: الواقف، و الموقوف عليه، و العين الموقوفة، و مصارف الوقف أو الصيغة الوقفية.
  ومن خصائص الوقف:
• الاستمرارية و الديمومة: وهذا يضمن أنه يبقى ليفيد الناس جيلاً بعد جيل. 
• على شرط الواقف: فيكون إطار العمل فيه محدودا بشرط الواقف.
• النفاذ: فهو غير قابل للاسترجاع؛ ما يضمن الإبقاء على الوقف لأغراض خيرية فحسب، وأنها سوف تفيد المجتمع على الدوام.
وللوقف انواع منها:
• الوقف الخيري.
• الوقف الأهلي و الذري.
• الوقف المشترك بينهما.

ما الذي يميزكم عن بقية الجمعيات والمؤسسات الخيرية في مكة المكرمة؟
تم تأسيس الوقف على قواعد و أنظمة العمل المؤسسي، والاستعانة  بمجموعة من الكفاءات من الأفراد والمؤسسات أسهمت بشكل فعال في بلورة أفكار بناءة و خلاقة، تسهم في ديمومة ونماء الوقف، لتقديم خدمة تلبي احتياجات المستفيدين، وتحقيق مقاصد الواقفين، وفقا لإمكانات الوقف و طاقمه التنفيذي.
     وقد تم خلال فترة التأسيس إنجاز حزمة من المخرجات الرئيسية، التي ترسم منهجية العمل للإدارة التنفيذية خلال الفترة القادمة، ومنها:
•  الخطة الاستراتجية.
•  دليل البرامج والخدمات التسويقية.
•  دليل النظام الأساسي للوقف.
•  دليل النظام المالي.
•  الأدلة والنماذج الإدارية للعمل.

نوعية الخدمات التي سيتم تقديمها، هل هي مساعدات عينية أو نقدية تقدم للمحتاجين، أم أنها دورات لتطوير مهارات المجتمع المكي؟
يقدم الوقف خدمات تنموية و إغاثية، مع التركيز على الخدمات التأهيلية، التي تهدف إلى تحسين جودة حياة المستفيد، عبر  حزمة من البرامج التطويرية والتدريبية الطويلة، التي تؤهل المستفيد لسوق العمل و الإنتاج، بالتعاون مع مراكز تدريب معتمدة، و الحصول على شهادات تخصصية ومهنية عالمية في مجال التأهيل، وكذلك تقديم خدمات إغاثية مناسبة، و خدمات طبية عبر التحالفات الاستراتجية مع المنظمات القائمة بذات الخدمة المتوافقة مع برامج الوقف، وفقا للاتفاقات المبرمة.

لماذا قمتم بالاستعانة بتجربة الوقف النيوزلندي؟ وما الذي تعتقدون أنه سيكون مفيدا لتجربتكم في "وقف الخيرات"؟
تم الاطلاع على تجربة الأوقاف النيوزلندية، عبر حضور لقاءين للوقف النيوزيلندي عند زيارتهم لمكة و جدة، خلال العام الحالي  1436هـ؛ وقد حرصنا على الحضور لأخذ فكرة عن الوقف النيوزيلندي، خصوصا وأن الوقف تم إنشاؤه في بيئة غربية متطورة إداريا و تنظيميا، ولعل أهم ما يميز الأوقاف النيوزيلندية هو الصبغة الابتكارية للوقف في الإنشاء و التكوين، و الخدمات، و البرامج الوقفية، وكذلك التجربة الإبداعية في الاستفادة من المواد المهدرة، وعمل مزيج من الموارد المتاحة في البيئة المحيطة، و تحويليها إلى عنصر إنتاج، بل إلى صناعة و مستقبل للوقف و المسلمين في نيوزيلندا وفي أنحاء العالم. ونحن في "وقف الخيرات" نسير  عبر نهج العمل المؤسسي في تقديم خدمة نوعية بمواءمة  حاجات المستفيدين و إمكانات الوقف، و الاستفادة من عناصر البيئة المحيطة، بروح التطوير والابتكار و التحسين المستمر.
  
برأيكم، هل يمكن الاستعانة بتجارب الأوقاف الأخرى، حتى التي بالدول غير العربية، وتطبيقها بالدول العربية؟
نعم، وبلا شك؛ فكثير من التجارب يمكن تطبيقها بعد مواءمتها مع الظروف المحيطة و خصوصية المنظمات و المستفيدين، و بلورة مزيج يتناسب مع الطابع  المحلي، يمكن بمثل هذا  الاستفادة من كثير من التجارب في العالم الإسلامي، و هي تجارب ثرية وإبداعية، ويمكن أن تشكل رافدا طيبا من التجارب والأفكار المفيدة والقيمة، مثل ما هو قائم في تركيا و ماليزيا و الكويت والسودان، بالإضافة إلى التجارب الغربية في الأوقاف، خصوصا في تطبيقاتها الإدارية و الجانب التنظيمي.

برأيكم، كيف يمكن تسخير طاقات وقدرات المتخصصين من الأفراد والموظفين، في القطاعين الخاص والعام، وأيضا من المتقاعدين، في بناء قدرات بناء المؤسسات الخيرية والوقفية؟
يكمن أن يحدث ذلك بالتعاون، عن طريق تقديم خدمات استشارية أو تنظيمية، أو علاقات عامة، أو تستخير الخبرات في تنفيذ البرامج ـو تقويمها و تأهيلها، ويمكن كذلك تسخير ساعات تطوعية من أهل الخبرة و التخصص في تقديم خدمات للجمعيات و المؤسسات الخيرية. ونحن في "وقف الخيرات" استعنَّا بمجموعة الخبراء و المتخصصين لإنجاز الأعمال التأسيسية للوقف، وجميعها تمت عن طريق المتطوعين، وأذكر منهم ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ: الأستاذ/ حمزة مقبول، في إعداد البرامج التسويقية، و المهندس/ عمر هوساوي، في رئاسة لجنة الأدلة والهياكل الإدارية، و الأستاذ/ محمد عمر يرو، في إعداد النظام الأساسي للوقف، و الأستاذ/ حسن فلاتة، في إعداد النظام المالي للوقف، و بقية الشباب معهم في اللجان الأخرى، جزاهم الله خيرا.

ما الذي تطمحون إلى تحقيقه في الفترة القادمة؟ وهل وضعتم استراتيجية معينة للوصول إلى تحقيق ذلك؟
بحمد الله تعالى لدينا خطة استراتيجية خمسية، وتمت صياغتها بمنهجية (DCA) الحديثة، تحت إشراف المهندس/ محمد الشريف، و ما يميز هذه المنهجية أنها أداة فعالة، تتيح القيام بتقسيم الخطة إلى خطوات و مراحل قابلة للقياس، تبدأ من الأعلى، و هي: المراتب الاستراتيجية، ثم الأهداف التكتيكية، و هي سنوية، ثم مرتبة أقل وهي الأهداف التشغيلية.

هل لديكم تعاون مع مؤسسات خيرية ووقفية في المملكة العربية السعودية؟
نعم ـ بحمد الله تعالى ـ، وهي في صميم تركيزنا؛ حيث نحاول عمل تحالفات استراتيجية مع المؤسسات الخيرية و الوقفية و المنظمات التخصصية التي تقدم خدمات وبرامج، ولها اهتمامات تتماشى مع منهجية الوقف، بما يحقق المنافع التبادلية لنا ولهم، و يجلب الفائدة للمستفيد من خدمات الوقف، و يطلع الطاقم التنفيذي للوقف على التجارب القائمة, و الاستفادة من علاقاتها و خبراتها، ومثال ذلك: وقف المواطنين المدنيين التكارنة بالمدينة المنورة، وقف البركة الخيري، و وقف مكة الخيري، و جمعية "شفاء" للأمراض المزمنة، و جمعية الإحسان (المستودع الخيري)، و موقع "وقفنا".

هل تطمحون في "وقف الخيرات" في مكة المكرمة إلى تعاون مع الجهات الحكومية والجمعيات الخيرية الأخرى في المملكة العربية السعودية؟ وبرأيكم، ما أهمية ذلك لأي مؤسسة أو جهة خيرية؟
بكل تأكيد، و هو ضروري، فقد قمنا بتسجيل الوقف لدى إدارة الأوقاف مباشرة، وقد حضرنا الندوة التي أقامتها الغرفة التجارية العام الحالي عن الأوقاف، لمعالي وزير الشؤون الإسلامية، في شهر رمضان المبارك، وحضرها عدد كبير من النظار و المهتمين بالأوقاف، حيث  تحدث معاليه عن تطوير الإدارة الإشرافية الحكومية على الأوقاف، وعن تطوير مرتقب في الإدارة الإشرافية عن الأوقاف، و أصغى لمقترحات النظار و المهتمين بالوقف، و تجاوب معها،  وعليه يتضح أن العلاقة إنما هي تكاملية لتحقيق الفائدة المرجوة، و الاستفادة من الوقف، وتحقيق أهداف الواقفين، و تسهيل عمل النظار، و تقديم الخدمة المناسبة للمستفيدين منها.

أخيرا، كيف ترون مشاركة الشباب السعودي في التطوع بالأعمال الوقفية، هل على مستوى معقول؟ وكيف يمكن تشجيع الشباب على الانخراط في تلك الأعمال بشكل أكبر؟
مشاركة الشباب في التطوع بالأعمال الوقفية والتطوعية مهمة ومطلوبة، و تحتاج إلى مزيد من الانتشار  و التنمية  فيها و الصقل، بحيث تتاح الفرصة للشباب أكثر في المساهمة في الأعمال التطوعية، من البيت و المدرسة و الحي؛ ما يجعل الشباب يشعر بالمسؤولية تجاه البيئة المحيطة حوله، و يقوم بذلك ذاتيا؛ كونه إحدى الركائز الأساسية للدين الإسلامي، الذي يعتبر "إماطة الأذى عن الطريق" من شعب الإيمان، وأن "تبسمك في وجه أخيك صدقة".. ما أقصده أن رجوعنا للقيم الإسلامية، و تبسيطها للشباب، ومحاولة جذبهم  لتطبيقها واقعا عمليا في حياتهم، هو الطريق نحو غرسها في نفوسهم، وهي نقطة الانطلاق لالتزامهم بالمشاركة في العمل التطوعي وخدمة مجتمعهم وأمتهم.
    ومن جهة أخرى، يكون على المنظمات الخيرية و الوقفية تقديم عوامل جذب وتحفيز للشباب لاحتواء أفكارهم، و تبني اقتراحاتهم، و مناقشة وجهات نظرهم بشكل إيجابي، و إعطائهم الفرصة المناسبة، و تقدير إبداعاتهم.. و تشجيعهم على مثل هذه الأمور وغيرها من أكبر عوامل الجذب للشباب للعمل الخيري و التطوعي. ولدينا ـ والحمد لله ـ كوكبة من الشباب تقوم بمبادرات رائعة في العمل الخيري، وتقدم أفكارا إبداعية في جوانب متعددة، و في أكثر من مجال.. نسال الله العلي القدير أن يجزيهم عن الوطن وأهله خير الجزاء.

 













بواسطة : إسراء البدر