الحوار مع الدكتور محمد البنعلي رئيس جمعية أصدقاء الصحة النفسية الخيرية "وياك" في قطر
12 مايو 2015 - 23 رجب 1436 هـ( 7987 زيارة ) .

من المعتاد أن تكرس أغلب الجمعيات الخيرية المنتشرة في أرجاء خليجنا العربي والوطن العربي جهودها لتقديم الدعم المادي والإغاثي لمن يحتاجه, لكن وجود جمعيات خيرية تهتم بالجوانب المعنوية والنفسية للمواطن العربي ربما تكون على عدد أصابع اليد الواحدة, ولعل هذا التفرد هو نتاج للرقي والتطور الذي وصل إليه المجتمع الذي أنشئت فيه هذه الجمعية.. هذا التفرد والخصوصية يدفعنا إلى إلقاء الضوء على هذه الجمعية، ومعرفة الأسباب والدوافع وراء هذه الانطلاقة, ومن هنا كان حوارنا مع سعادة الدكتور/ محمد البنعلي ـ رئيس جمعية أصدقاء الصحة النفسية الخيرية "وياك" الخيرية.

ما الدافع وراء إنشاء جمعية "وياك" للصحة النفسية في دولة قطر؟
هناك عديد من الدوافع، وأهمها التعريف بأهمية الصحة النفسية للجميع، والحد من تفشي الأمراض النفسية والسلوكية غير السوية، وتغيير الصور النمطية والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتنفيذ برامج وأنشطة لتوعية أفراد المجتمع على النواحي الاجتماعية والتربوية والنفسية والدينية، بمشاركة كافة مؤسسات المجتمع، كذلك مناصرة قضايا متلقي الخدمات النفسية.

 

 

ما هي أهم الخدمات والبرامج التي تقدمها الجمعية للمجتمع القطري؟
نحن نقوم بالعديد من الخدمات، كتقديم البرامج النفسية والسلوكية والأسرية التي تخدم جميع أفراد المجتمع، وتأهيل الكوادر المختصة بالإرشاد النفسي، وتنظيم حملات توعوية مختصة بثقافة الصحة النفسية وإذكاء الوعي، وجميع خدماتنا ذات أهداف متنوعة لتأمين خدمات الاستشارات النفسية بجوده عالية، كما أننا نركز على رفع مستوى الوعي حول قضايا الصحة النفسية والاجتماعية، و احترام حقوق متلقي الخدمات النفسية.

ما هي الفلسفة التي تقوم عليها جمعية "وياك" للصحة النفسية؟
تستمد فلسفة الجمعية من اسمها وشعارها "وياك" مسمانا "جمعية أصدقاء الصحة النفسية"، فنحن أصدقاء متلقي الخدمات النفسية وأسرهم، ومن واجبنا الأخذ بأيديهم والدفاع عن حقوقهم، كما أننا أصدقاء المختصين، وهم صنفان:  الخبراء منهم واستقطابهم للاستفادة من خبراتهم، وتقديمها للجمهور من خلال التدريب، وتقديم المحاضرات للمجتمع، كذلك المختصون الذين في بداية الطريق، فنقوم على تأهيلهم وتدريبهم والاستفادة منهم أيضاً .. وبما أننا أصدقاء، وشعارنا "وياك"؛ فنحن مع الجميع لخدمة وطننا للوصول لمجتمع راق متحضر، متصالح مع النفس والذات، متكيف مع متغيرات الحياة.

من وجهة نظركم أهمية الخدمات النفسية التي تقدمها جمعيتكم للمجتمع القطري؟
نحن نعتبر الصحة النفسية هي أساس كل شيء في الحياة، فلا وجود لعمل منتج مبدع بلا دافعية ونشاط وحيوية؛ لهذا نعتبر الصحة النفسية السوية للفرد هي أساس للتكيف مع المجتمع وتعزيز القدرة على العطاء والبذل في بيئة يسودها الحب والتسامح والتفاؤل، لهذا تأتي أهمية الخدمات التي تقدمها جمعيتنا للوصول لتوعية المجتمع بثقافة الصحة النفسية، لنساهم معاً في عجلة الإنتاج ورفعة الوطن، فلا يمكن للفرد أن يكون معطاءً منتجاً مبتكراً وهو محبط مكتئب متشائم.

ما هي أهم المشاكل النفسية التي تواجه المجتمع القطري؟ وما هي سبلكم للوصول إلى حلول لها؟
المجتمع القطري، كغيره من المجتمعات العربية والخليجية على حد سواء، يواجه مشكلة الحداثة وتسارعها، وخاصة في الجوانب التكنولوجية وتطورها؛ مما أدى لدخول ثقافات غريبة وهجينة من خلال غزو الفضائيات لبيوتنا؛ مما أدى لظهور عديد من المشاكل السلوكية بين أبنائنا.. وليس خافيا على أحد، كما تشير الإحصائيات، أن هناك تفاقماً ملحوظاً للمشاكل النفسية التي يتعرض لها الأفراد في مجتمعنا القطري على وجه الخصوص، ويشير مستشفى الطب النفسي في قطر للأمور الآتية:

# الانتشار بين السكان الشدة السريرية
غير حاد معتدل حاد
اضطراب القلق العام 20.4 49.3 40.1 10.6
اضطراب الاكتئاب 19.1 61.6 30 8.4
اضطرابات نفسية أخرى 13.36 57 34.5 8.5

  
 

أهم العقبات التي واجهت عملكم في الجمعية، وكيف استطعتم التغلب عليها؟
نحن كمنظمة مجتمع مدني نعتمد في الأساس على دعم الخيرين، كذلك دعم مؤسسات المجتمع المدني، والتحدي الوحيد دائماً هو إيجاد التمويل لتنفيذ البرامج والأنشطة، رغم وجود دعم من بعض الخيرين، إلا أنه غير كافٍ لحجم الطموح وحجم الخدمات المطلوبة، والتي بدأت تتكشف.. كما أننا كجمعية مختصة نفسية لا نجد القبول عند البعض؛ لأن المفهوم ما زال يشكل عائقاً وحاجزاً، وغير واضح لبعض المؤسسات أو الشركات، فتفضل دعم الجمعيات الخيرية التي تعنى بالفقر والعوز.

هل تعتقدون أن المجتمعات العربية، ومنها الخليجية، بدأت تتفهم واقع المشاكل النفسية، وتسعى لإيجاد الحلول لها بدلا من التغاضي عنها؟
نوعاً ما هناك تفهم واضح لدى صناع القرار، ولكن يحتاج الأمر لكثير من الوقت، كذلك ضرورة إنشاء مؤسسات مجتمع مدني ـ كجمعيتنا ـ للمساهمة في نشر الوعي، بخلاف المؤسسات الحكومية التي تقدم العلاج والتأهيل.. أما بخصوص المجتمع الخليجي، فما زالت الوصمة تسيطر على المرض النفسي والمريض؛ وهذا ما يحد من تقديم العون له بالوقت المناسب. 

كيف تجدون إقبال المجتمع القطري على تقبل نوعية الخدمات التي تقدمونها؟ وهل يجدها نافعة؟
بفضل الله أولاً واخيراً استطعنا ـ وبخلال فترة قصيرة لم تتجاوز السنة ـ أن نصل لشرائح كثيرة من المجتمع القطري، وبدأنا بإثارة القضايا النفسية في عديد من الاتجاهات، سواء على الصعيد الإعلامي أو على صعيد البرامج والأنشطة والفعاليات، وبدأنا نلاحظ تقبلا كبيرا، بل منقطع النظير، من أفراد المجتمع وحاجتهم لخدماتنا المتعددة، وهذا ما سبب لنا إرباكا؛ لأن الخدمات المطلوبة منا أصبحت فوق طاقتنا المادية واللوجستية.

هل هناك إقبال من قبل متخصصين نفسيين للتطوع والعمل مع جمعيتكم؟
الحقيقة كنا في بداية الانطلاقة متخوفين من عدم وجود مختصين معنا، ولكن بعد إشهار الجمعية وبدء أعمالها التف حولنا الكثير من المختصين المتطوعين، والذين آمنوا برؤيتنا ورسالتنا، وأصبحنا نمتلك قاعدة كبيرة من المختصين، وبعديد من المجالات النفسية وتنوعها. ولدينا متطوعون من خارج دولة قطر هم من الخبراء العرب وغير العرب، وقد رهنوا أنفسهم تحت الطلب لأي خدمة نطلبها منهم.

 

 

هناك الكثير من المؤسسات الحكومية التي تعنى بالواقع النفسي، ما الذي تعتقدون أنكم كجمعية خيرية يمكن أن تضيفوه أو تتميزوا به عن بقية تلك المؤسسات والجمعيات؟
نحن منظمة مجتمع مدني أقرب للمجتمع من المؤسسات الحكومية، نتلمس الواقع عن قرب وعن احتكاك حقيقي، كذلك نحن نعتبر مكملين لخدمات المؤسسات الأخرى، ولا نتعدى على أدوارهم، فخدماتنا ـ مثلاً ـ لا تتدخل بالجانب الطبي الدوائي؛ لأنه ليس من اختصاصنا، ونحن غير مؤهلين له. ونحن  كجمعية خيرية ذات نفع عام ننافس على عمل الخير، وما يميزنا بأننا جمعية مختصة بالصحة النفسية، ونمثل صوت المريض كمجموعة ضاغطة تهدف وتسعى لخدمة الوطن.

"الاستشارة أونلاين"، ما هي نوعية هذه الخدمة؟ وهل هناك إقبال عليها؟ ولماذا أوجدتم مثل هذا النوع من الخدمات؟
لغاية اللحظة لم نبدأ بمشروع "الاستشارة أونلاين"، ولكن بدأنا بخدمة الاستشارات الهاتفية، ولاقت قبولاً وإقبالاً كبيراً،  وتعتبر "خدمة وياك" للاستشارات النفسية مشروعا وطنيا رياديا، تولدت الحاجة له لما لمسناه من طلب من كافة فئات الجمهور على الاستفسارات المتكررة عن مشاكل أسرية وشخصية يواجهونها، وهو مشروع متخصص بالاستشارات النفسية التي تعين الجميع على تخطي المشاكل التي تواجههم في حياتهم اليومية، والتي يمكن لأي واحد منا أن يتعرض لها، ليجد ملاذاً فيه النصح والإرشاد والتقويم السليم، من خلال مختصين في الإرشاد النفسي الهاتفي. وتعتبر خدمة الاستشارات الهاتفية ذات فعالية كبيرة؛ لأن الأفراد في مجتمعنا القطري لا يفضلون الذهاب للطبيب النفسي مباشرة، وبحاجة للتوجيه قبل تفاقم المشكلة، وتأتي خدمة الاستشارات النفسية لأهميتها ودورها في حياة الأفراد، والوصول بهم لما فيه خيرهم وصلاح نفسهم.

جمعيتكم هل تواكب التطور العلمي السريع الحاصل في مجال الصحة النفسية في الدول المتقدمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكون المواكبة تتواءم مع متطلبات المجتمع القطري؟
نحن ما زلنا في بداية الطريق، ولكن طموحاتنا كبيرة، وبالفعل نحن نتتبع ونراقب ونبحث عن الجمعيات المماثلة لنا في كافة دول العالم؛ للاستفادة من خبراتهم.. وأما بخصوص التعرف على المستجدات، فلقد حرصنا بخطتنا على تنظيم مؤتمر إقليمي هذا العام؛ بهدف جلب الخبرات، والتعرف على المستجدات في هذا المجال.

كم عدد الحالات التي تقدمون لها خدماتكم؟ وما هي أصعبها؟
نحن حتى اللحظة لم نستقبل حالات، وما نقوم به هو إحداث تغيير، ونشر أهمية الصحة النفسية، وتسليط الضوء على قضايا المريض النفسي، والتعريف بالأمراض والاضطرابات النفسية، ولكن لدينا آلاف الاتصالات التي تطلب الاسترشاد، وتم تقديم المشورة لهم من خلال خدمة الاستشارات الهاتفية. وبفضل الله قمنا ـ مثلاً ـ بتأهيل ستين مرشداً نفسياً منتشرين في كافة أنحاء الدولة، وقدمنا مئات المحاضرات في مدارس الدولة، كما أننا نعمل وبجد في كافة مواقع التواصل الاجتماعي واستثمارها في نشر الوعي.. إذن نحن وصلنا للملايين من الأشخاص في كافة الدول العربية.

من خلال تجربتكم كيف تقرؤون واقع العمل التطوعي في دولة قطر؟ وهل هو يتلاءم مع الطفرات السريعة التي يشهدها المجتمع القطري؟
ما يميز العمل التطوعي في قطر هو التشجيع الحكومي له، كذلك الدعم المقدم من بعض الجهات، وأرى أنه يواكب التغيرات السريعة، ومتنبه لها، ودائماً ما يكون حاضراً، فنحن ـ والحمد لله ـ بلدنا غني بمقدراته وإمكانياته؛ مما يؤهل العمل التطوعي أن يتصدر الريادة والتفوق عن أي بلد آخر.


أهم النجاحات التي حققتموها للفترة الماضية؟ وما الذي تسعون إلى تحقيقه مستقبلا ـ إن شاء الله ـ؟
الحمد لله، لقد استطعنا ـ وبفترة قصيرة ـ أن نحقق بعضاً من طموحاتنا، وأهمها أننا بدأنا نتحدث عن المرض النفسي بأريحية، كما أننا أثرنا تأثيرا واضحا على عديد من المؤسسات، وخاصة الإعلامية، لتتنبه بدورها لهذا الجانب، وهي من بدأت بمساعدتنا بتسليط الضوء على ما نطرح ونقدم، ولا نستطيع أن نقول بأننا حققنا نجاحات باهرة أمام طموحاتنا، والتي سقفها السماء، وأتوقع بأن نحقق أهدافنا؛ لأننا نعمل مع الجميع وللجميع، ولدينا مجلس إدارة واع متمكن، ينتمي لهذا الوطن، ويسعى جاهداً للخدمة من أجل مرضاة الله تعالى أولاً وأخيراً.

أخيرا، إنسانيا كيف تنظرون إلى تجربتكم؟ ماذا أضفتم لها وماذا أضافت لكم؟
نحن نحمل رسالة إنسانية عظيمة، ومجلس الإدارة يرأسه سعادة الشيخ/ ثاني بن عبدالله آل ثاني، وهو الرجل الذي سعى لإنشاء هذه الجمعية، وآمن ـ كغيره من أبناء هذا الوطن ـ بأهمية دور مثل هذه الجمعيات؛ لما لها من تأثير مباشر على صنع التغيير في الأفراد والمجتمع.. لهذا فرسالتنا كبيرة وعظيمة، والأمانة حملها ثقيل، فادعوا لنا.

بواسطة : إسراء البدر